أحدث الأخبار

صراعات الورثة والذوات المنفصمة / ماجد الشيخ

+ = -

ماجد الشيخ

في وقت ينشغل فيه الإسرائيليون في أبرز القضايا السياسية التي تهم نظامهم السياسي، ومشاكلهم المستعرة مع ائتلافهم الحكومي وخلافات أطرافه، وحتى بين أعضاء الكابينيت (حكومتهم المصغرة) وغياب الإجماع العام على قضايا تقض مضجعهم، وأبرزها الآن قضية التهدئة في غزة، لا يقل انشغال أطراف النظام السياسي الفلسطيني، ونخبته البيروقراطية بالعديد من القضايا الهامشية الخاصة بصراعات ورثة “السيد الرئيس”،

ما يؤثر على مجمل قضايا الوضع الوطني العام بالمزيد من الانعكاسات السلبية، وقد تركت الميدان الفلسطيني مكشوفا للعدو، وللشامتين بوضع النخبة البيروقراطية وهي تتجه اتجاهات تصارعية، بعيدا من نهج الوحدة والتكامل الوطني الذي شهد انقسامات تفتيتية لم تعد تبدو أنها قابلة للتجسير.

وبعد هذه التجربة الطويلة التي أعقبت تجربة أوسلو طوال ربع قرن من الزمن، انفضحت خلالها كامل رهاناتها ومراهناتها الخاسرة على “حل الدولتين”، وكانت أبرز الخسارات عدم قدرة تنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي، والمراوحة في حلقات التنسيق الأمني، وعدم القدرة على تحويل السلطة إلى دولة، بالرغم من نوايا طيبة وأحلام تقارب الأوهام، اصطدمت بالعديد من جدران الخيبة. ورغم ذلك ما فتئت الرهانات مستمرة، لأن لا خيار ولا بديل عن هذا المسار الذي قادت سلطة أوسلو إليه، وبعدها فقدت مكابحها قدرة السيطرة على الانزلاقات، وصولا لما نشهده اليوم من مؤشرات ودلائل التدهور العام.

وما نشهده اليوم من تصارعات الورثة السلطويين، للاستيلاء على السلطة، في “الدولة المفقودة”، يؤكد اتجاهات التدهور نحو فقدان أي أمل بإصلاح الوضع القيادي، ووقف اختلالات واهتزازات السفينة الفلسطينية، طالما استمرت حال الانقسام وتقاسم السلطة وتبادل أدوار التسلط والاستبداد والقمع المتبادل، وطالما استمرت المناكفات وتغيير المواقع والأدوار، وفرض عقوبات أقسى من عقوبات العدو، واللعب على حبال الهيمنة بين حكومتين فقدتا شرعيتيهما، وأثبتتا ما يتجاوز فئويتيهما بامتياز، وبأنهما تعملان عند “رب عمل واحد” أو أرباب عمل متضامنين متكافلين مصلحيا وزبائنيا، عند ذاتهما، ولدى غيرهما من الشركاء المتغافلين عن صراعات سلطتي “الدولة المفقودة” في بقايا الوطن الفلسطيني المحتل كله، مباشرة ومداورة عبر قوى قمع احتلالية وقوى قمع وطنية، تربت في ظل “تنسيق أمني مقدس” قولا وفعلا، تطأطىء رؤوسها أمام قوات الاحتلال، ولا ترفعه إلا في مواجهة أبناء شعبهم؛ قمعا وتعذيبا واعتقالا، تشفيا بهم كما فعلت وتفعل قوى قمع الاستبداد الرسمي العربي بشعوبها، لمصلحة السلطات الحاكمة، الناهبة للدولة ولكل حقوق مواطنيها، وهم يتحولون إلى عبيد لـ “أسياد” السلطة، وإن تمردوا وثاروا تحولهم السلطة إلى مطاريد ينبغي قتلهم. وهذا لا علاقة له بالارهاب والإرهابيين، كما جرى خلط الأمور في سورية، ورغم كل ما جرى لم يفرق النظام حتى الآن بين معارضة سياسية وطنية أطلقت شرارة الثورة، وبين قوى “إسلام سياسي” احترفت وتحترف الإرهاب وصولا لغاياتها المرصودة، لصالحها ولمصالح مشغليها ومموليها وداعميها.

وفي هذا الصدد لا يختلف الحال الفلسطيني عن الحال العربي، فكلاهما يصدران عن بنية ذهنية سلطوية وتسلطية واحدة، رغم اختلافات معطيات العيش والتفكير والسياسات المتباينة وطبيعة القضايا والمجتمعات، وما يصدر عنها من ذهنيات تقليدية أو حداثية، أو بين بين، في ظل لا أدرية قتلت السياسة وانتصرت للاستبداد، حين تماهت السياسة بالدين، وأخذ الدين مكان “الحاكم السياسي” الذي خلط بدوره؛ السماوي بالدنيوي، واختبأت السلطة في ثنايا كل منهما، فانتصرت السلطة على الدولة وعلى ما تسمى “الأمة”، وانتصر الاحتلال على كليهما، ولم يبق لنا سوى الأمل؛

أمل استرداد سطوة العقل والحداثة والتنوير والايمان الحقيقي بالديمقراطية والتربية على قيم الإنسانية المتحضرة، بالهيمنة على موجودات الطبيعة والسياسة والمجتمعات والدول والفكر والعلم، وكل ما أحاط بنا ويحيط من نتاجات العقل، التي وللأسف لم تدركها ذهنيات كثيرة ما فتئت تعيش تحت نير اعتقال ذاتي وموضوعي، إحدى سماته الأبرز استعار نيران الهيمنة والبطش والتغول والاستعلاء على الغير ومحاولة استعبادهم، والخلاص من كل مقاومة جادة وحقيقية، لا تستثمر ذاتها إلا في ما يفيد الناس وقضاياها، ولا ترصد ذاتها إلا لمشاريعها الوطنية، ولا تقدم خدماتها لمشاريع خارجية وظيفية وتوظيفية؛ إقليمية أو دولية، لا يدخل في نطاقها مصالح شعوبنا وتطلعاتها، ولا مصالح وتطلعات مشاريعنا الوطنية التي وللمصيبة تقف اليوم في عراء تصارعات الذات أو الذوات المنفصمة، وتعيش في ما بين “صراعات الورثة”، غربة قاتلة في برامج وسياسات أشباهها.. وعلى موائد اللئام.

Hits: 135

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°