أحدث الأخبار

عن قواعد الاشتباك المتغيرة في غزة/ ماجد الشّيخ

+ = -

عن قواعد الاشتباك المتغيرة في غزة

ماجد الشّيخ

ماجد الشّيخ

حمل التصعيد العسكري في قطاع غزة (كإقليم يجري توصيفه بالمتمرد من وجهة نظر سلطة الرئيس محمود عباس) يوم السبت الماضي، العديد من فرص وإمكانيات اندلاع مواجهة شاملة بين فصائل المقاومة وجيش الاحتلال الإسرائيلي، على الرغم من استبعاد الطرفين أي مصلحة لأي منهما في وقوع مثل هذه المواجهة، التي قد لا تخدم استراتيجية أي منهما بالضرورة.

فالطرفان لا يسعيان خلال المواجهات إلى ما يمكن تسميته “القتل الاستفزازي”، وما قد يجره من تداعيات غير متوقعة. فقد نقل عن ضابط رفيع المستوى في سلاح الجو الإسرائيلي، إن طياري سلاح الجو امتنعوا عن إصابة عناصر للمقاومة بشكل متعمد، وذلك بناء على تعليمات القيادة العسكرية العليا للجيش الإسرائيلي. ووفقاً لموقع “واللا العبري” فقد أكد الضابط بأن عشرات الطائرات الحربية قد شاركت في غارات السبت الماضي بشن الضربات الجوية المكثفة على الأهداف المختلفة في قطاع غزة، في أعقاب استعدادات استغرقت أسابيع توقعا لإمكانية التصعيد هناك، وذلك من خلال التعاون مع قيادة المنطقة الجنوبية.

مباشرة وفي اليوم التالي للتصعيد، وعشية قمة هلسنكي، كشف موقع عبري النقاب عن خطة إسرائيلية اطلق عليها “مظلة النار”، وتهدف لتحويل المعلومات إلى أوامر فورية عند نية الجيش احتلال غزة. حيث بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي يوم (الأحد) مناورة عسكرية بمنطقة النقب وداخل مدينة بئر السبع، تحاكي آلية سيطرة إسرائيل على القطاع. ومظلة النار، هي غرفة مجهزة بحواسيب وشاشات وأجهزة اتصال حديثة، تهدف لتشخيص ومهاجمة وتصفية الخلايا المسلحة، مستندة لمعلومات استخبارية فائقة الجودة مصدرها جهازا الأمن العام (الشاباك) والاستخبارات العسكرية (أمان).

وتشمل الخطة بحسب موقع (واللا) العبري “ملاحقة خلايا مسلحة، ومواجهة تهديدات تحت أرضية، ونصب عبوات ناسفة، وإخلاء مصابين وقتلى من الجيش، ومشاركة مختلف قوات الجيش ووحداته العسكرية، من بينهم المشاة والهندسة، والمدفعية، وسيتعامل التدريب مع مختلف السيناريوهات المتوقعة في قطاع غزة”. ويقول الموقع إن (المظلة) “تسعى لتضييق الخناق على الخلايا المسلحة، بحيث لا تستطيع العمل علانية باستثناء مجالات ضيقة، فيما يجلس الضباط أمام شاشات البلازما، ويديرون المعركة عبرها، ما يعني أن الثورة الرقمية باتت جزءا جوهريا في عملية القتال”. وأوضح أن “مظلة النار تركز على الرصد الرقمي خلف حدود غزة الجنوبية، لجسر الهوة بين المعلومة الاستخبارية وحلقة النار، وجعل إصابة الأهداف أكثر دقة”.

تحاكي هذه المناورات التي تستمر أسبوعا في جميع مناطق فلسطين التاريخية المحتلة، احتلال قطاع غزة، وذلك استعدادا لمواجهة عسكرية محتملة مستقبلا على جبهتي القطاع وسوريا. وبحسب بيان صادر عن الجيش الإسرائيلي، فإن المناورات “تشمل تحركات كبيرة للجيش والمركبات والطائرات سيشعر بها جميع سكان البلاد”. ونقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن الجيش قوله إن “الإعلان عن هذه المناورات جاء مفاجئا، لأنه عندما ترغب دولة ما في التأكيد على أن قواتها مستعدة للتحرك العسكري لدعم مواقفها السياسية، فإنها تعلن عن تدريبات عسكرية مفاجئة”.
ووفقا لتقديرات بعض المحللين، فإن إسرائيل تنتظر نتائج اجتماع القمة بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، بعد وقت قريب من انتهائها، لا سيما بشأن مسألة استمرار وجود القوات الإيرانية في سورية. وما إذا كان الاتفاق بين الطرفين سيؤدي إلى سحب هذه القوات كما تريد إسرائيل.

رغم هذه الأجواء المتشنجة والضاغطة، تجددت انتقادات العديد من المحافل الوزارية والإعلامية لحكومة نتنياهو، لفقدانها استراتيجية تعامل مع غزة، في ظل استمرار تجدد إطلاق النار بين فترة وأخرى، في وقت رجح البعض عدم رغبة
الطرفين بالتصعيد نحو حرب واسعة أو شاملة، رغم مواصلة بعض قيادات من الجانبين التهديد والوعيد بما يتجاوز سقف التصعيد الراهن.

وفي وقت ترددت داخل الحكومة أصوات تنادي برد حاسم (نفتالي بينيت)، أكد وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، جلعاد أردان، أن الجيش الإسرائيلي على استعداد لدخول قطاع غزة إذا استوجب الأمر. رغم أن “معركة شاملة ليست الخيار المفضل، ولكنه ليس باستطاعتنا أن نحدد كيف ستتصرف حركة حماس”. في حين رأى المحلل العسكري عاموس هرئيل في “هآرتس”، أن الجولة الحالية لا تبدو في الوقت الراهن، كونها الطلقة الأولى في حرب أخرى بين إسرائيل و”حماس”. مرجحا أنها محاولة إسرائيلية لفرض قواعد أخرى للعبة في الجنوب، موازية للمفاوضات غير المباشرة بين الأطراف التي توسط فيها المصريون وأفرزت هدنة لا أحد يعلم كم ستصمد.

هارئيل المقرب من المؤسسة الأمنية يوضح أنه في هذه الأثناء، يبدو أن المفاوضات من أجل تسوية أوسع نطاقاً عالقة، وتواجه “حماس” ما يكفي من الضغط نتيجة الوضع في غزة، ولذلك تواصل إطلاق الطائرات الورقية والصواريخ، رغم معرفة قادتها بأن هذا قد يورطهم في حرب جديدة أشد خطورة. لكن هارئيل عاد في مقال له يوم الثلاثاء (17/7/2018) للحديث عن ضغوط على نتنياهو، ربما تدفعه لحرب جديدة على غرار حرب الجرف الصامد في العام 2014.

من جهته رأى المحلل العسكري يوآف ليمور في “إسرائيل اليوم”، أنه بعد أربع سنوات بالضبط من عملية “الجرف الصامد”، كانت إسرائيل و”حماس”، في الأمس، على مقربة كبيرة من تجدد المواجهة في قطاع غزة، لكنهما غير معنيتين بها، بل رغبتا بتغيير ” قواعد اللعبة” كل لصالحها.

ويتفق ليمور مع هارئيل بأن هناك مؤشرات ميدانية كثيرة على عدم رغبة الجانبين بالتدهور لمواجهة أوسع، ومع ذلك يرجح أن “حماس” فوجئت بشدة
الهجمات الاسرائيلية. ويشير الى ان إسرائيل وضعت ثلاثة شروط فورية لموافقتها على التهدئة: وقف إطلاق الطائرات الورقية والبالونات المحترقة، ووقف إطلاق الصواريخ ووقف النشاط الإرهابي على السياج. و”حماس”، من جانبها، تطالب بإعادة فتح المعابر بالكامل، وبأن توقف إسرائيل هجماتها في غزة.

على العكس من ذلك، ما ساد القطاع بعد جولة التصعيد الأخيرة، كان يناقض كل ما جرى الحديث عنه من اشتراطات للتهدئة، أو شروط فورية وغيرها، فعناصر الاشتباك المختلفة ما زالت تصارع للبقاء وتخرق الهدوء، وحتى يوم الاحد القادم سيبقى معبر كرم ابو سالم مغلقا أمام المحروقات والغاز، ما يعني الاستمرار بتشديد الخناق على غزة.

هذا في وقت جرى تسريب معلومات كشفها المحلل العسكري في “يديعوت أحرونوت”، أليكس فيشمان، تقول أن جيش الاحتلال يسعى منذ شهور لاستنزاف قوة “حماس”، دون أن يضطر إلى احتلال غزة ودفع أثمان الحرب والسيطرة عليها. وأضاف أنه إلى جانب القضاء على الأنفاق في القطاع، “يخوض الجيش الإسرائيلي منذ أشهر حرب استنزاف ضد البنى التحتية العسكرية لحماس”. ويقول فيشمان إن الجانبين يحاذران في ردودهما تحاشيا لانزلاق لحرب واسعة كل لحساباته. ويخلص للقول “هكذا نبقى هذه المرة أيضا مع مواجهة عسكرية تبحث عن حل ومع حرب استنزاف ستستمر في تغذية متبادلة”.

خلاصة الوضع الراهن بمعطياته المتناقضة، تؤكده التحليلات الإسرائيلية كما الفلسطينية، من أن كلا الطرفين ولكل أسبابه الداخلية، لا تحدوهما أي رغبة في تحويل المناوشات لمواجهة عسكرية شاملة، في وقت لا تساعد ظروف الطرفين ولا تشجع على ذلك. لكن معادلة القصف بالقصف، لدى فصائل غزة، كما معادلة الرد على حرائق الطائرات الورقية، قد تدفع الأمور إلى التسخين وبدء غليان المرجل الميداني، وما قد يجره من تطورات غير متوقعة، لا سيما إذا ما تسبب الاشتباك بين الجانبين بوقوع ضحايا من الطرفين، وما قد تجره تداعيات ذلك من مواجهة عسكرية شاملة، قد يحتاجها هذا الطرف أو ذاك، لترجيح كفة تبريراته السياسية في جبهته الداخلية، في غياب أي استراتيجية واضحة ومحددة.

Hits: 9

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°