أحدث الأخبار

فلسطين في خطة ترامب.. كيان تحت الوصاية/ ماجد الشّيخ

+ = -

فلسطين في خطة ترامب .. كيان تحت الوصاية

 

ماجد الشّيخ

ماجد الشّيخ

أخيرا بات واضحا أن ما تسعى إليه الإدارة الترامبية، لتحقيق أو إنجاز ما يسمى “صفقة القرن”، ليس أكثر من محاولة إنجاز تسوية إقليمية، حتى ولو جرى من خلالها تأجيل أو استبعاد التسوية مع الفلسطينيين، تسهيلا لإنجاز تلك الصفقة وجاهزية جميع أطرافها للتوقيع عليها، استجابة لإرادة إدارة يمينية، خضعت بدورها لإرادة حكم كولونيالي جائر معاد بالمطلق لقضية وحقوق شعب الوطن الفلسطيني، الخاضعة كامل أرضه التاريخية لاحتلال عنصري استيطاني غير مسبوق.

إلا أن المتغير الجديد مع صعود إدارة ترامب، ومواقفها التي بدت متعاكسة تماما مع مواقف الإدارات الأميركية السابقة، تجلى في انسياقها خلف ترتيبات حكومة العدو الإسرائيلي لطبيعة التسوية التي يريدون من خلالها استبعاد قيام دولة فلسطينية مستقلة، ومسخ المطالب الفلسطينية، والإبقاء على سقفها منخفضا، وربما أخفض من حكم ذاتي محدود الصلاحيات في مساحات من الأرض محدودة، وهذا تحديدا ما لا ينجز تسوية موعودة للفلسطينيين؛ ولا يحقق لهم أي شكل من أشكال الدولة. وهذا ما لا ولن يرضي الفلسطينيين كشعب؛ لا في الداخل ولا في الشتات، حتى وإن رضي البعض السلطوي من أجل الاحتفاظ بمكاسبه ومغانمه الشخصية والزبائنية والمصلحية الخاصة، تحت سقف كيان يفتقد لكل مقومات السيادة، ولا يشبه الشعب الفلسطيني وأهدافه وتطلعاته الوطنية التحررية، لا سيما بعد إخراج القدس من المفاوضات، والتغاضي عن حق عودة اللاجئين كمسألة أساس، هي جوهر القضية الوطنية.

وتبدو اليوم سيناريوهات وسرديات الحديث عن “خطة ترامب” وقد بدأت تفصح عن الكثير من التفاصيل، فكما أوضحنا في البداية، يبدو أن “التسوية الاقليمية” هي رأس جبل الجليد الأوضح، فيما “التسوية الفلسطينية” هي التي سوف يجرها المسار الاقليمي في اتجاهات تعاند المسار الفلسطيني وتقوده نحو التصفية؛ تصفية الإرث الكفاحي التحرري كمرحلة أخيرة، تمهد لإقامة نوع من الوصاية الاقليمية – الدولية التي تشمل قطاع غزة، إلى جانب أجزاء من الضفة الغربية الخالية من المستوطنات والقليل القليل من القدس، بحيث تصبح هذه القطع المتناثرة، بمثابة الكيان الإداري غير السيادي، الخاضع لإشراف أمني واقتصادي برعاية أكثر من طرف “سيادي”، من قبيل كيان الاحتلال الإسرائيلي في الداخل، ومصر من جهة غزة، والأردن من جهة الضفة الغربية، مع احتفاظ إسرائيل بكامل حدود الأغوار مع الأردن، وبكامل ما تبقى من الأرض الفلسطينية التاريخية، وتلك هي المساهمة الاقليمية ذات الطابع التصفوي لقضية الشعب الفلسطيني الوطنية.

وكان موقع “ديبكا” الاستخباري العبري قد كشف الأحد في العشرين من مايو/أيار، ملامح “خطة السلام الأمريكية” المعروفة إعلاميا بـ”الصفقة الإقليمية الكبرى”، وسط مؤشرات عن اعتزام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإعلان عنها في منتصف أو آواخر شهر يونيو/حزيران القادم. وذلك كنقطة أنطلاق لتشكيل مسار للعلاقات الإسرائيلي العربي، على الرغم من الرفض الفلسطيني للحديث عن الصفقة المطروحة.

واستعرض الموقع الإستخباري العبري الخطوات المتوقعة قبل إعلان الخطة، وكيفية تفعيلها، وقد جاءت كالتالي:
1- سيتم الإعلان عن الخطة في الموعد المقرر بواسطة الولايات المتحدة، بغض النظر عن مقاطعة الرئيس الفلسطيني محمود عباس والقيادة الفلسطينية.

2- لن تعلن الحكومات العربية المعنية تفاصيل الخطة كاملة، لاجراء مزيد من المناقشات للتوصل إلى اتفاق سلام نهائي بين الفلسطينيين وإسرائيل.

3- يميل البيت الأبيض ومصر ودول الخليج إلى البحث عن شخصيات فلسطينية تعيش خارج نطاق السلطة الفلسطينية، والتي لديها وجهات نظر مختلفة عن نخبة رام الله، وستكون على استعداد لدعم الخطة.

4- من المقرر أن يصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بيانًا يقترح فيه أن خطة ترامب هي نقطة انطلاق للمفاوضات الفورية مع الحكومات العربية حول بعض النقاط المقبولة لدى الطرفين.
5- يقوم المسؤولون عن رسم خطة السلام وهم جاريد كوشنر، ومبعوث واشنطن للسلام في الشرق الأوسط جيسون جرينبلات بإطلاع الحلفاء والشركاء في المنطقة على الخطوات الأمريكية من مرحلة إلى المرحلة التالية.

6- خطة ترامب ليست وثيقة نهائية، لكنها مصممة لتوليد زخم للحكومات العربية الرئيسية، ولا سيما الدول الخليجية ومصر، للجلوس مع الولايات المتحدة وإسرائيل واستئناف محادثات السلام.

ونقل الموقع الاستخباراتي عن مصادر وصفها بالمطلعة، أن الإدارة الأمريكية حددت بعض النقاط قبل الإعلان عن الخطة، والتي جاءت كالأتي:

1- ستقام دولة فلسطينية ذات سيادة محدودة عبر نصف الضفة الغربية وكل قطاع غزة.
2- تحتفظ إسرائيل بالمسؤولية الأمنية لمعظم الضفة الغربية ومعابر الحدود.
3- سيبقى وادي الأردن تحت السيادة الإسرائيلية والسيطرة العسكرية.
4- تنضم الأحياء العربية في القدس الشرقية إلى الدولة الفلسطينية، باستثناء البلدة القديمة، التي ستكون جزءًا من “القدس الإسرائيلية”.
5- “أبو ديس” هي العاصمة المقترحة لفلسطين.
6- سيتم دمج غزة في الدولة الفلسطينية الجديدة بشرط موافقة حماس على نزع السلاح.
7- لا تتطرق الخطة إلى اللاجئين الفلسطينيين، ولكن سيتم إنشاء آلية تعويض وإدارة من قبل المجتمع الدولي.
8- تنص خطة ترامب على الاعتراف بإسرائيل كوطن للشعب اليهودي، وفلسطين بسيادة محدودة كوطن للفلسطينييين.
9- ستتشارك فلسطين والأردن السلطة الدينية على الأماكن الإسلامية المقدسة في مدينة القدس.

علاوة على هذا الوضوح الفاقع في أهداف “خطة ترامب”، فقد نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، في تقرير لها يوم الجمعة  18/5/2018، عن مسؤول رفيع المستوى في إدارة ترامب، زعمه إنّ “دورنا ليس فرض اتفاق على أي من الجانبين. يتمثل دورنا في وضع خطة نعتقد أنّها واقعية. دورنا هو التوصل إلى خطة نعتقد أنّها عادلة”، مضيفاً أنّ “على الجميع أن يدرك أن نقاط الحوار المعتمدة من السبعين سنة الماضية، لم تحقق السلام”. وها هو ترامب /المخلّص، يأتي اليوم وفي غمرة إغراقه واستغراقه في ما يشبه حالة شيزوفرينيا استعلائية، يقدم خطته “الاكثر واقعية” استنادا إلى وقائع ومعطيات غير عادلة، يراد فرضها كما هي، أو يعدل عنها كما هي أيضا، ففي كل الأحوال يراد للكولونيالية الإسرائيلية أن تكون هي الرابحة بالتأكيد، فيما الوطنية الفلسطينية هي الخاسر الأكبر.

أخيرا وعلى الصعيد الفلسطيني، وبالرغم من كل هذا، ولئن بقيت قرارات المجلس المركزي الفلسطيني، وبالتالي قرارات المجلس الوطني مؤخرا، مجرد قرارات غير قابلة للتنفيذ، بل هي أقرب إلى التعطيل منها إلى وعود قابلة للتنفيذ في الوقت المناسب، ولا نعرف مناسبة أكثر من تهويد القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل كدولة يهودية، ونقل السفارة الأميركية إليها، في حين لم يبق للاجئين أي مكان في خرائط ومعادلات التسوية التصفوية الإقليمية و”الفلسطينية”، في ظل استشراء الاستيطان وتشريعه وتسويغه أميركيا واقليميا، بكل ما يعنيه ذلك من تصفية المشروع الوطني وجوهره المستقبلي: الدولة الفلسطينية المستقلة، أقله على حدود الرابع من حزيران.

فأين هي مقاومة مشروع صفقة القرن، وبماذا يمكن للشعب الفلسطيني أن يقاومها، إذا كان هذا الشعب ومعه الشعوب العربية الشقيقة تُترك “لأقدارها” و”أقدار” الغير لتتمكن منها صفقة، لا يمكن توصيفها أو تصنيفها سوى بصفقة “شايلوكية”، انتقلت عبرها أخلاقيات “التاجر اليهودي” إلى تاجر أميركي من قبيل وقبيلة ترامب ويمينه الشعبوي، وهو يدوس كل قيم العقلانية والسياسة والمنطق والرشد والحكمة، التي باتت تفتقد لها حتى أنظمة بلادنا، وهي تساق سوقا خلف الجنون العقاروتي الترامبي، الساعي لتحقيق تسوية مستحيلة، ربما أصبحت ممكنة بفضل وساخات المال السياسي، لا بفعل سياسات مبدئية أو واقعية، يعز علينا العثور عليها في طيات السلوك السياسي الرسمي العربي والفلسطيني الراهن.

Hits: 7

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°