أحدث الأخبار

موسى حوامدة: الفيلسوف والشاعر يشتركان في نفس الوظيفة / أجرت الحوار: حنان عقيل

+ = -

أجرت الحوار: حنان عقيل

تحضر “المقاومة” كملمح أساسي في جُلّ الشعر الفلسطيني، بيد أن تجربة الشاعر الفلسطيني موسى حوامدة تحفل بمستويات عدة من المقاومة؛ فتارة يكتب قصائده عن الوطن المحتل، وتارة أخرى تحضر المقاومة كوجه من وجوه الرفض والانفتاح على أسئلة الحياة والوجود، فيما يتبدى التمرد جليًا في كل ما يكتبه باعتباره أساس لميلاد القصيدة..  كان لنا هذا الحديث مع الشاعر الفلسطيني موسى حوامدة حول ديوانه الجديد “سأمضي إلى العدم” وعوالم الكتابة وأسئلة الشعر.

· التمرد” و”المقاومة” ملمحان حاضران بقوة في أعمالك بأشكال متباينة؛ على المستوى الخاص المتعلق بأسئلة الشاعر خصوصًا والإنسان عمومًا، أو على المستوى العام في الرؤى الوجودية والحديث عن الوطن.. هل يمكن القول بأن ذلك التمرد هو دور الشاعر كما يراه موسى حوامدة؟

نعم ولا، نعم فالشاعر لا بدّ أن يكون متمرداً، ثائراً، رافضاً للقمع السياسي والفكري والاجتماعي، فنحن نعيش واقعاً عربياً سيئاً، على كل الأصعدة، احتلال استيطاني، واحتلال سيادي، واحتلال جغرافي، واحتلال عقلي وروحي وثقافي، واستبداد سياسي، وخراب وخواء انساني كبيرين، ولا ننسى الهزيمة والانحطاط والتقسيم والتخريب والتفرقة وإعلاء شأن الكيانات الصغرى وتدمير الكيانات الكبرى، إضافة إلى الحجب والحجز والعجز في وعلى العقل وحرية التفكير، ولذا كثرت التابوهات، وعمَّ المنع والتلقين والتعتيم وعدم السماح للانسان بالتفكير الحر، بل هناك سعي محموم لخلق كائنات متشابهة ونمطية، وإلغاء الفرد وسيادة عقلية القطيع، كل ذلك لتسهيل السيطرة على الإنسان العربي، ومنعه من التحضر وتطوير حياته وثقافته ومجتمعه وممارسة الديمقراطية، من أجل استمرار السيطرة عليه والتحكم بمصيره، وما شهده العالم العربي من قمع وفساد واستبداد سابق للربيع العربي زاد من الخراب الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والفكري، وتكرست الاقليميات والطائفيات والعصبيات والعشيرة على حساب الدولة والمجتمع، وغاب نهائياً أو تراجع الآداء السياسي البرلماني والحزبي، وتقصل دور مؤسسات المجتمع المدني، وصرنا بين عشائر وطوائف متناحرة، وتكتلات دينية قمعية مغلقة، وسلطات وأنظمة قاهرة فاسدة.

 

في كل هذا الخراب والموت والقهر ماذا سيكون دور الشاعر؟ مدح الحكام والزعماء، والنفاق لهم، أم التحدث عن الذات والغرائز، وإعادة إنتاج الموروث، والاستمرار في نهج الممالأة والتبخير، وتحصين الخراب، وترديد مقولات عفا عليها الزمن مثل شاعر القبيلة، والشاعر لسان حال أمته، والدور الوطني والقومي للشاعر، وكأنه موظف لدى السلطة أو الحزب، يقوم بوظيفة نفاق متبادلة مع جمهور عاطل عن التذوق؟ أم ينبغي أن يكون رافضاً ثائراً ضد هذا الاحباط والخراب، باحثاً عن حلم أجمل.

بعض المثقفين والشعراء هاجروا بلدانهم، وهذا حل شخصي، وهو لا يحل مشكلة ثقافتنا العربية المنهارة ومجتمعاتنا المشوهة، صحيح كما يقول هشام شرابي أن هزيمة حزيران 1967هي التي أوصلتنا الى هذه الحالة، وجعلتنا نحدق في فضلاتنا، ولكن الهزيمة النفسية والثقافية والحضارية هي الأصعب والأسوأ.

اليوم نسأل أين يقف المثقف والشاعر العربي، إن وقف في مصلحته الشخصية، سيكون ضمن المدجنين والمنافقين، وإن اختار طريق القصيدة، فينحاز إلى روح التمرد، ويسعى لرفض كل ما لا يقتنع به، وهنا سيدفع الثمن.

شخصياً، اخترت الرفض والتمرد، ليس من باب التقييم واستعمال ميزان الربح والخسارة، ولكن هذه طبيعتي وتكويني وفهمي، وهذا قادني للكثير من الخسارات والصعوبات والمضايقات، ولن أسرد تفاصيل فالقضية ليست استعراضاً، ولكن لا مناص من الاختيار، ولم يكن خياري غير خيار القصيدة، والتي لا تقوم عندي إلا على الرفض والمخالفة لكل ما هو سائد وراكد.

أما “لا” التي قلتها في بداية الجواب فهي تعني أن هناك أضافة للتمرد أبواباً أخرى للقصيدة، ومنها التأمل والدخول في الذات وصراع الوجود نفسه بكل ما يحمله من مدلولات فلسفية وميتافيزيقية عويصة.

إذن فالتمرد هو مهمة الشاعر، لكنها ليست المهمة النهائية بل الأولى وبعدها لن تنتهي المهام، حتى لو صارت الحياة جنة وامتلأت الأرض عدلاً فهناك دائماً نقص، لا بد أن يراه، ويركز عليه المثقف عموماً، والشاعر على وجه الخصوص.

· من المقاومة كملمح في قصيدة عن الوطن إلى المقاومة كوجه من وجوه الرفض والانفتاح على أسئلة الحياة والوجود تنقلت قصيدتك إلى أن وصلت إلى التمرد بشكل شمولي في ديوانك الأخير “سأمضي إلى العدم” (حينَ يتوقفُ التَّمردِ/ تموتُ القصيدةُ/ قبلَ أنْ تُولَد).. هل جاء ذلك التراتب بناء على ترتيب مسبق لمشروع متكامل تؤسس له عبر أعمالك المتتالية؟ أم أن كل قصيدة هي كيان مستقل تفرض أسئلتها عليك؟

نعم ولا، وأخشى أن تذهب بقية أسئلتك إلى هذا النحو، فاضطر للجواب على كل سؤال بنعم ولا معاً، على كل، جواباً على الشق الأخير من السؤال، أقول: سؤالك قد يكون صحيحاً، وهو ما أسعى إليه في كل ما أكتب، ولكن دون أن أخطط مباشرة إلى مشروع شعري كامل قائم على التمرد، قد يكون ذلك ما تراكم أو ما تسعى أو تفكر به قصيدتي، وربما هناك عقل باطني للشعر كما للإنسان، ومن هذا الباب سأقول ثانية رداً على السؤال: لم أسع إلى مشروع متكامل، ولكن ربما تُشكِّلُ هذه التجربة ملامح معينة يستطيع الناقد والقارئ أو المهتم تقييمها ضمن هذا المشروع، إنما وبعد سؤالك هذا، فربما سأكتب لاحقاً وفي ذهني ملامح هذه الفكرة، أعني فكرة  المشروع، وإن كانت لكل قصيدة حالتها الخاصة، ولا أشترط على قصيدتي بل هي التي تقودني إلى ما تريد ومن الصعب أن أطوعها إلى مخطط ذهني قَبْلي.

· ديوانك الجديد “سأمضي إلى العدم” يصدر من مصر، وسبق أن صدرت لك أعمال أخرى من القاهرة مثل “موتى يجرون السماء” و”سلالتي الريح.. عنواني المطر” .. ما سبب حرصك على أن تنشر أعمالك من مصر؟ وما أهمية ذلك بالنسبة لك؟

مصر، هي التي أحب، ربما بسبب ولادتي على مقربة منها، جنوب فلسطين، وبسبب عدم وجود حواجز بين بلدتنا وبين مصر، فكلها صحراء من النقب وحتى سيناء، حتى قناة السويس، لا حواجز حضارية شرق مصر، كلها أرض فارغة ومفتوحة، فكنت أحس أن الهواء والغناء والموسيقى تجيء إلينا منها، كما كنا نفطر في رمضان على آذان مصر قبل وجود السماعات في مسجد بلدتنا اليتيم، وبصدق كنت متعلقاً بمصر، منذ ولادتي وبعبدالناصر، وكان أبي وأمي وأهل بلدتنا يرونه بطلاً ويضعون عليه آمالا لتحرير فلسطين. ومن قبل عبدالناصر وعبر التاريخ كان جنوب فلسطين جزءاً من مصر، والآثار الفرعونية موجودة حتى اليوم في فلسطين، ولا ننسى أن الجيوش المصرية هي التي هزمت التتار والصليبيين، ودماء المصريين سالت دفاعاً عن فلسطين في حرب ال48 وفي غزة وسيناء، وفي حرب ال56 العدوان الثلاثي، وبعده، وحتى اليوم تدفع مصر ثمن موقفها القومي من قضية فلسطين وقربها الجغرافي منها.

أما ثقافياً، فمصر، هي حاضرة الثقافة العربية، وبرغم كل ما جرى لها وما يجري فيها وعليها وبالرغم من كل المؤامرات التي تحاك ضدها، تظل هي الحضن والملاذ، وأتمنى أن تظل مصر متماسكة وقوية ورائدة، فلدي قناعة كاملة أن مصر هي التي تؤثر في العام العربي، وعلى صعيد الطباعة والنشر تظل فيها مؤسسات ثقافية راسخة بينما يتراجع دور المؤسسات العربية المماثلة إلى أدوار تصغيرية وعشائرية وجهوية، وربما لا يصل الكتاب الذي يطبع في مصر حالياً إلى كل العالم العربي، كما يطبع في بعض العواصم العربية الأخرى، لكن حبي لهذا البلد وعشقي له يجعل صدور كل مجموعة لي فيها يشكل حالة رضا وحب متجدد لهذا البلد وشعبه الطيب، والذي قدم للثقافة العربية والانسانية العديد من القامات الابداعية منذ النهضة وحتى اليوم.

من جهة ثانية أجد روحي قريبة من الروح المصرية، ومن العفوية والبساطة وحس السخرية التي يتمتع بها الشعب المصري.
كل ما قلته عن مصر ربما لا يعدو كونه محاولة لتفسبر علاقة حب قد تتكون لأسباب لا ندركها، ولا نجد لها تفسيراً، وهذا ما أشعر به فعلاً تجاه مصر والتي لا أحس بالغربة فيها.

· إلى أي مدى تفكر في القارئ أثناء كتابتك للقصيدة؟ وما تأثير وجود أو غياب ذلك التفكير على النص والاتجاه الشعري؟ وهل تكتب لقارئ بعينه؟

أيضا سأجيبك بنعم ولا، نعم؛ أفكر بالقارئ لحظة الكتابة ولا أفكر به مطلقاً، لأني أكون لحظة الكتابة مشغولاً بتفريغ ما تحتاج روحي لتفريغه في كلمات، وكأن تلك العميلة عملية شفاء أو علاج لحالة مرضية أعاني منها، في تلك اللحظة لا يهمني القارئ ولا أفكر به حيث قلت في قصيدة (ليست ميتة هذه القصيدة) في مجموعتي (موتى يجرُّون السماء) التي صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2013:

ربما يكون القارئُ دائخاً في تعداد موبقات العدم،
ربما يكون الشاعر ذاهلاً في تسريح القصائد في برية الملكوتْ،
ربما يكون العَالَمُ نائماً في نهاية التأريخ،
مُقبلاً على تلويث الدم بحبر الأرق.

نعم قد يمرُّ شبح القارئ مروراً خاطفاً بل مروراً وهمياً في خاطري، وأنا أكتب، فهل يمر لأني أكتب له، أم يمرُّ أثره في تشكيل الكلمات التي تصعد من روحي، ليمنحها معنى أو بريقاً او إشعاعاً لم يكن ليحدث لولا لحظة التفريغ – لحظة الكتابة، وفي نفس الوقت لا يشكل كابوساً لدي أسعى لنيل استحسانه، ولا أتقصد رضاه، لكنه اعني القارئ موجود ووجوده لا يعيق الحروف عن التشكل والتكون وإن كان أحياناً يبدو لي كظل بعيد، أو كغيمة عابرة، لا تتوقف عند منعطف سماوي، لتطل على صنيعي، إنني كمن يحرث الريح بمعول الماء فلا الريح تفلح فيها المحاريث، ولا الماء يقبض عصا الحراثة، فيشكل حزوزاً في وجه الريح، لكنه قدر القصيدة، وسر الشعر، فلا يرقى العقل لبلوغ نشوتها وفائدتها، ولعل النبش فيها لا يضيف جديداً، لما يطوف في الروح من صور ومعان تعجز اللغة عن تفسيرها.

· ثمة إحالات في نصك الشعري إلى الأساطير اليونانية والسومرية وغيرهما.. ما الأبعاد التي تضيفها الأساطير على نصك الشعري؟ وهل تمثلك لها يتم بقصدية أم أنها تسعى إليك أثناء الكتابة؟

نعم ولا أيضاً، نعم هناك قصدية، ولكن بصدق قد ترفع رأسَها تلك الأساطير أثناء الكتابة لتذكر بوجودها، لكنني لا أحملها كما هي، ولا أضعها  كديكور ، أو ازدهاء بمعرفتها، فكثيراً ما تناولتها لكي أهدمها، أو أذهب بعيداً عنها، أو أحاورها، على أني لا أعمد إلى توظيفها بشكل تقليدي، كما فعل كثير من الشعراء حين جاؤوا بها لتقوية نصوصهم كما كتب الشاعر محمد علي شمس الدين ذات مرة.

وقد انتبه الناقد والشاعر مهدي نصير إلى تعاملي المختلف ونظرتي السلبية للأسطورة، مشيراً إلى بعض المقاطع في إحدى مجموعاتي مثل (انحياز الشر في عفن الأسطورة)، ومثل قولي: (أنا يتيم الأسطورة-حاملُ مشعلِ الخراب).

لقد استخدمت العديد من الرموز والاساطير حسب طريقتي مثل استخدامي لقصة النبي موسى أو يوسف، في “شجري أعلى”، أو استخدامي لجلجامش وانكيدو وميدوزا وأوديسيوس وأجاممنون وبينبلوب وحتى هوميروس نفسه، في أكثر من شكل وصورة، لا أستطيع أن أورد أمثلة كثيرة فهي تحتاج لمسح قرائي للتجربة كاملة، ولكن أقتبس مثلاً من قصيدة مآرب، وتوظيف قصة النبي موسى للتشابه مع اسمي:
أعطاني سحر الكلمات
وكلَّمني تكليما
يا ألله
هل يلقي عبدك موسى
في الناس نبوته وعصاه
بيضاء يدي
والطور طيور
سأشق البحر
وأرفع عن أرض الكنعانيين الجور
هارون أخي
والشعر شقيقي الأوفى
ولساني لا بد يدور
إني للرب الأقرب منذور
مذ ألقتني أمي في اليمِّ
ومنذ منحتني زوجة فرعون النور
…إلخ
أو مثل قصيدة “أراني عدوي” في “أسفار موسى العهد الأخير”:
أراني
أجدِّدُ قضبان سجني
واختار سجاني
بعيداً في شواطئ هليلين
أدفنُ سري
وأرسم فوق المياه
وجه كليتمينسترا
ألعن باريس وأغبطه.
أراني
شبيهَ الأغاني
أتبع هوميروس
قدني أيها الضرير
ربابتي تكسرت
لا تلمني يا أجاممنون
الغواية تشدني
وبلادي بعيدة.

تخيلت أني أخيل
أدير كأس الشجاعة بين الهلينيين
أنزع السهم
يشطرني السمُّ بالحنين.

على كل، فالشاعر بحاجة إلى تلك الأساطير لا لكي يروجها بل لكي يتحاور معها، فمرة ينقضها، ومرة يحييها، ومرة يشعل بها شمعة في دهليز قصيدة معتمة، وليست الأساطير فقط هي المنجم المتاح للتوظيف، فالشعر منفتح على كل ما هو إنساني ومعرفي سواء في التراث أو في الفن وسواء كانت الرموز المستخدمة في القصيدة خرافات وهمية او أساطير أو نصوصاً ميثولوجية، فكلها مخزون معرفي يمكن تناوله شعرياً، بمعنى آخر العالم كله يعاد تشكيله بين يدي الشاعر من جديد، قد لا يخلق كلمات جديدة ولكنه يخلق أرواحاً جديدة، ولذا فقد تستخدم الأسطورة نفسها، ولدى الشاعر نفسه، بأكثر من طريقة، وشكل وغاية، وأسوأ ما في بعض الشعر ألا تبرز منه الا الأسطورة نفسها، أو النص المنقول، أو المتحاور معه، أو المعاد إنتاجه، كما تروج وتشتهر عن بعض الشعراء العبارات المقتبسه أكثر من أشعارهم.

· البعد الفلسفي يظهر بوضوح في نصوصك الشعرية.. برأيك ما أهمية الفلسفة بالنسبة للشعر؟ ومتى تصبح الفلسفة مهددة لجماليات الشعر؟

هو بعد آخر للقصيدة، كنت سابقاً أحاذر الاقتراب من الفلسفة خوفاً من تأثيرها السلبي على الشعر كما كنت أعتقد، حتى  قرأت قولاً لهايدغر، في كتابه “مدخل الى الميتافيزيقيا” (أن الشعر يقف على المسافة والمرتبة نفسيهما اللتين تقف عليهما الفلسفة، وأن روح الشعر الأصيلة والعظيمة أسمى من تلك الروح السائدة والمهيمنة في كل حقول العلم)، وحين عرفت علاقة هايدغر مع الشاعر هولدرلين وكتابته عنه، وإفادته الفلسفية من شعره، واعتماده في بحثه عن ماهية الشعر على قصائد هولدلين فقط، مثل قول هولدرلين: (الإنسان غني بمزاياه ومع ذلك فهو شعرياً يقيم على الأرض)، أو قوله (ما يبقى يؤسسه الشعراء)، ومديح هايدغر العميق للشعر، فهمت أن الشعر والفلسفة قد ينطلقان من مكان غامض لا تنطلق منه العلوم كافة، وأن الفيلسوف والشاعر يشتركان في نفس الوظيفة، مع تأكيد هايدغر أن (الشعر تأسيس للوجود بواسطة الكلام).

لذا لم تعد لدي حصانة ضد الفلسفة، وهذا عززه الصديق والمفكر مجدي ممدوح والذي فتح لي أخطر أبواب الفلسفة، مُطَمئِناً ومُطْمئناً إلى عدم انتحار قصيدتي، في حال اقتربت من الخطر، معتبراً أن تكويني وشعريتي لن تسمح بذلك، على حد قوله.
وقد وجدت فعلاً أن حذري السابق غير مبرر، بل على العكس، صرت كلما اقتربت من الفلسفة، اقتربت أكثر من قصيدتي نفسها، خاصة وأنني لم أعد أميل للسهل والبسيط، وإيماني صار أن الكتابة السهلة والشعر الشعبوي لا قيمة إبداعية لهما، والشعبوية بأي ثمن ليست غايتي. بل لعل هايدغر يكشف الغطاء عن مكمن الخطر في اللغة، ومن يتولى البحث عن الخطر كما يفعل الشعر، ولعلي ممن يبحثون عن الخطر وعدم الثبات، ليس في اللغة نفسها، بل وحتى في الحياة.

ولعل التجربة نفسها التي عشتها، قادتني للاقتراب أكثر من الفلسفة، فامتزجت بقصيدتي، وتغلغلت حتى في طريقة كتابتي لها إلى حد ما.

· ما رأيك في القصيدة الرقمية؟ هل كان الفضاء الإلكتروني نقمة على الشعر والأدب ككل؟ أم أنه ساهم في إضافة أبعاد جديدة؟
ليس نقمة، بل أعتقد أنه وسَّع أبواب التلقي وفتح طريقاً سهلاً لمعرفة جزء من ردود الفعل حول النصوص المنشورة، بل ساهم في التكثيف أحياناً، لكنه من باب آخر فتح أبواب النشر بشكل اوسع من قدرتنا على مواكبة ذلك ، وصار النشر متاحاً للجميع، موهوبين وغير موهوبين، وأعطى النشر الالكتروني انطباعاً لدى البعض أنهم وصلوا للكمال، وانهم يقدمون تجارب جدية، كما أن إغراء النت وحيويته، جعلت كثيرين يتوهمون بأهمية بعض الأسماء، ودفعهم لكي يغلقوا حواسهم عن متابعة تجارب سابقة أو موازية، والحقيقية أن هذا الوهم ساهم في تخريب الكثير من الذائقة المشوهة أصلاً، وفي انحسار تأثير الشعر، وفي تمييع عملية التواصل، لكن هناك بعض الفوائد مثل كسر احتكار الصحف والمجلات، في نشر المواد الأدبية، وهذه ميزة قد
تساعد في بروز مواهب حقيقية، لكن انتشرت كتابات تعج بالركاكة والرداءة، وصار لكل (قبيلة أو شلة إنترنتية)، شعراؤها ومنظروها، وهنا صار من الصعب، بروز مواهب عميقة أو حقيقية تتطور بشكل صحي أو طبيعي، فالنشر بهذه الطريقة، يوحي ببلوغ قمة التجربة، ومنح الكاتب وهماً بالتفوق والكمال، قبل التعلم والتطور وسماع الرأي والنقد الحقيقي.

على كل نحن أمام ثورة حقيقية ستغير الكثير مما توارثنا، وربما ستشطب أخطاء   أو خراب ما توارثنا، أو قصور نظرتنا تجاه الحياة والأدب والفن عموماً، وقد تفرز أنماطاً من الإبداع لا نعرفها، وربما يأتي جيل يعتبرنا نحن الذين ولدنا وعشنا وكتبنا قبل زمن الإنترنت كلاسيكيين وعديمي فائدة، كل شيء ممكن، ولكل زمان دولته وفرسانه و(عبقرياته) وقيمه.

· يواجه المتلقي صعوبات في تلقي الشعر الحداثي يتمحور جلها حول مسألة الغموض الذي بات من سمات القصيدة الحداثية.. كيف تنظر لمسألة الغموض والإبهام في الشعر؟

الغموض في الشعر مطلوب، فهو يعني أن النص محمول ومليء بالشيفرات الفنية والشعرية الضرورية واللازمة، أما الكلام السهل والمتاح فهو ليس شعراً، تراثنا وأدبنا وحركتنا الشعرية مليئة بالكلام الموزون والمكشوف والمباشر وحتى السطحي والشعبوي، وعدم انتقال الذائقة العربية إلى فهم الشعر الحديث حتى الغريب والغامض منه، تعني أن ذائقتنا لم تتطور وهي تبحث عما تعرف، وتريد نمطاً مما تتذوق، لا بد من تطور العقل العربي أولاً وتطور ذائقته أما الركون إلى الفهم السائد والمتوارث فهذا يعني
انفصاماً في الشخصية، وتشوهاً مرضيا، هناك تطور تكنولوجي وحضاري في القشرة الخارجية مقابل تمسك بكل الأنماط الاجتماعية والثقافية البالية، هنا المعضلة، وليس ذنب الشعراء والشعر أنه يتطور ويتغير، الذنب ذنب الجامدين والتقليديين والذين يصرون على قراءة وسماع ما يعرفون فقط من حكم وأمثال وأقوال ومعان لا يفهمون غيرها، وكأن القارئ العربي يبحث عما يعرفه لا عمّا لا يعرفه.

تحدثت عن الغموض الفني والشعري، وليس عن الشعر المنغلق أو المنفلت والذي لا يسيطر عليه صاحبه ولا يفهمه، ولا يجيد استخدام المحمولات الفنية والإبداعية فيه، فتتشكل طلاسم لا معنى لها، وما دام صاحبها لا يفهمها فكيف سيفهمها القارئ، لكن هذه لا تمنع من التأكيد على ما قلته أولا في الرد على سؤالك، أن الغموض المحبب يعطي جمالاً للنصوص ولا يقلل من قيمتها، ولا ننتظر رضا القارئ الكسول أو السطحي لنكتب كما يريد، فهناك فرق بين قارئ مسترخ، وبين قارئ مبدع وباحث عن عوالم جديدة، في نظرنهم لمبدع يعيش حالة من القلق والتوتر والبحث الدؤوب عن لغته الخاصة، في ظروف سياسية واجتماعية وثقافية قاهرة ومحبطة ومتطرفة وفي بيئة غير صالحة لما هو جديد وجدي وحضاري.

· تعرضت لتجربة مصادرة أعمالك والتحويل للمحاكمة بتهمة الإلحاد جراء بعض أشعارك.. ما تأثير تلك التجربة عليك؟ هل جعلتك أكثر وصاية على نفسك فيما تكتب بوضع المزيد من القيود والرقابة الذاتية أم العكس؟

نعم ولا، دفعتني للعمق أكثر، والذهاب للغموض والعمق أكثر، ولكنها لم تكسر روحي ولم تضعني في سجن الممنوعات والخوف من التابوهات والمحرمات، لا زالت روحي غيمة حرةً، ولحظة الكتابة لا حدود للطيران والتحليق، ولا وجود للخوف، وإلا لسكت وفضلت الاعتزال، على الاعتذار لأي كان عما أكتب.

نعم العقل العربي يمتلك ذهنية التربص والرقابة، ولكن ليذهب هو ليحل معضلته ويعالج قصوره، ولكن ليس على حساب حريتي.

أجرت الحوار: حنان عقيل

Hits: 9

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°