أحدث الأخبار

ثائر الحرية والانعتاق / د. زياد الوهر

+ = -

د. زياد الوهر

ساقوه مكبل اليدين إلى كوخ ريفي في وسط غابات بوليفيا، وهناك تم تعذيبه لاستخلاص كل ما يعرفه عن رفاق الثورة. كان مرض الربو الذي رافقه منذ الصغر قد اشتد عليه.. فلم يسعفوه ولم يداووه بل استغلوا الفرصة لتحقيق المزيد من الضغط عليه وعندما انتهوا منه أطلقوا الرصاص عليه فأردوه قتيلا بأمر مباشر من رجال المخابرات الأمريكية.

لم يشف ذلك غليلهم بل قطعوا كلتا يديه وأرسلوها لواشنطن للتأكد أيضا من وفاته ودفنوا جثته في مكان مجهول إلى أن تم العثور عليها في العام 1997 ليجمعوا رفاته في مدينة سانتا كلارا الكوبية التي كانت عنوان النصر للثورة الكوبية بقيادة فيديل كاسترو ضد الديكتاتور الفاشي باتيستا المدعوم بقوة من أمريكا.

إنه الثائر البطل تشي جيفارا الطبيب الأرجنتيني الأصل والذي ولد لعائلة برجوازية وأمضى حياته ثائرا بين الأدغال وفي الوديان وعلى سفوح الجبال وكانت نهايته قتلا في أكتوبر من العام 1967. ومنذ أيام مضت احتفلت كوبا بمرور الذكرى الخمسين لمقتل جيفارا؛ أيقونة الثورة الكوبية التي اشتعلت بسبب دكتاتورية حاكمها وطغمته الفاسدة، وتسليمهم لمقدرات البلد للحاكم الفعلي للبلاد.. الولايات المتحدة الأمريكية.

شكل جيفارا رمزا لكل الثورات في العالم وذلك في ظل أتون الحرب الباردة بين القطبين الأقوى في العالم، فأمريكا الجنوبية لم تكن هي الأخرى بمنأى عن آثار هذه الحرب الباردة التي أفرزت أنظمة ديكتاتورية فاسدة ومنها نظام حكم “بيرون” في الأرجنتين والذي أمر بسجن والدة جيفارا ليتم إطلاق سراحها لاحقا بسبب نفوذ عائلتها الاستقراطية، ومن هنا بدأت ثورته ضد كل أشكال الظلم والعدوان وانتهاك حقوق الإنسان إلى أن دفع ثمن ذلك غاليا.

كان لقاءه بكاسترو في العام 1956 لقاء ناجحا توج بانضمام جيفارا فورا وبلا تردد لثوار كوبا الأحرار الذين استطاعوا اسقاط نظام باتيستا بعد عقد من انطلاق الثورة ليفر الحاكم هاربا خارج البلاد وتبدأ بعدها كوبا عصرا آخر من عصور الحرية والانعتاق من التبعية المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن لماذا تشي جيفارا الآن؟ ولماذا اهتمت معظم وسائل الإعلام العربية والغربية بمرور نصف قرن على غيابه؟ وأين هو الإعلام العربي “المغيب” من هذه التغطية لهذا الحدث الهام؟ أم أن هذا الخبر لا يصب في مصلحة صناع السياسة ورهبانها من رجال السلطة والدين ولذلك كان التجاهل سيد الموقف وعوضا عن ذلك تم تغطية الأخبار الهامشية وأخبار أهل الفن التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

يزخر تاريخنا العربي المعاصر والقديم بالثورات التي قلبت أنظمة الحكم وأطاحت الكثير من الرؤس وجاءت بأنظمة أخرى لتمارس ما فعلته سابقتها من استغلال ثروات البلاد والعباد فيما يزيد من ثروة السلطان وحاشيته، واستفحل الظلم وزج بالمعارضين في أقبية السجون أو تدحرجت رؤوسهم تحت المقاصل بحجة الخيانة تارة وبحجة الإخلال بالأمن العام تارة أخرى.

ثارت الشعوب العربية مرارا وتكرارا وأقرب مثل هو ما أطلق عليه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما “بالربيع العربي” والذي لخصه بأنه ثورة ضد طغيان الحاكم العربي وزبانيته، وبرز خلال ذلك الربيع مجموعة من الأشخاص كانوا روادا في قيادة هذه الثورات إن كان على أرض المواجهة أم من خلال شبكات التواصل الاجتماعي والتي شكلت بدورها جبهة جديدة من جبهات الصراع في زمننا الحالي.

برزت أسماء الثوار لعدة سنوات ثم اختفت بقدرة قادر حتى وصل الأمر إلى أننا لم نعد نذكر منهم أحدا، وهذا قد يكون بسبب التضخيم الغير مبرر لأدوارهم أو بسبب الحظر الإعلامي أو بسبب أن ثوراتهم انقلبت إلى كوارث سياسية واقتصادية واجتماعية على شعوبهم.

وأيا كانت أسماء هذه الفقاقيع الهوائية التي ما كادت تظهر حتى اختفت من غير رجعة، وليس في هذا تقليل من شأنهم بقدر ما هو توصيف حقيقي للواقع الذي فرض حالة من السكون المصحوب بالخوف بالتلفظ بقول أو أداء فعل يودي بصاحبه في المهالك، وحين نقارن أولئك بجيفارا فإن كفة هذا الأرجنتيني سترجح بكل تأكيد على الرغم من مرور عدة عقود على اغتياله… فسيرته لا زالت على كل لسان وبطولاته المثمرة أمست آثارها حقيقة ماثلة على أرض الواقع.

أما ثوراتنا العربية التي انطلقت شرارتها الأولى في أواسط القرن الماضي وبدأت في مصر ضد الحكم الملكي وتبعتها الثورات في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا وامتدت لتشمل دولا عربية أخرى، كل هذه الثورات المزيفة أنجبت لنا أنظمة ثورية في الشكل فقط وليس في المضمون فلقد كان صراع الضباط فقط على السلطة ولم يكن يعنيهم العدالة ولا احترام حقوق الإنسان وأكبر دليل على ذلك انتشار المعتقلات ونمو أجهزة المخابرات بشكل لم يسبق له مثيل وشيوع الاغتيالات والقتل الغير المبرر والدخول في حروب خاسرة بدون تخطيط أو إعداد مسبق، وغابت الديمقراطية التي كانوا يتشدقون بها وحلت مكانها ديكتاتورية بغيضة
تجاوزت في وحشيتها سابقاتها من الأنظمة حتى وصل الأمر إلى أن الشعب العربي ثار في ربيعه الأخير على نفس الأنظمة التي ساندها منذ نصف قرن أو يزيد.

ثوراتنا فاشلة وأهدافنا ضائعة وعيوننا زائغة وقلوبنا واهية وأهواؤنا متذبذبة وشعوبنا حائرة وأنظمتنا في النعيم لاهية.. فهل من مزيد؟ أما جيفارا وإن مات فقضيته لم تمت، فهل سنجد بين ظهرانينا يوما مثيلا له أم أننا أمة تعجز عن إنجاب الرجال؟

د. زياد الوهر

Hits: 35

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°