أحدث الأخبار

ناجي العلي: فنان الفكرة والفطرة / سليمان الشيخ

+ = -

سليمان الشيخ 

يعمد فن الكاريكاتير كنوع من أنواع الفن التشكيلي إلى تضخيم السلبيات في الشخصيات والمواقف والحوادث بأسلوب نقدي ساخر وفكه. هذا ما يمكن استخلاصه كتعريف من بين عشرات التعريفات التي قيلت وكتبت عن هذا الفن.

لكن الفن الإبداعي كان دائما وأبدا يتجاوز القواعد والنظريات والتحديدات والتقييدات، ليبتدع إضافاته وتعديلاته وابتكاراته، لأن المبدع بطبيعته تواق دائما إلى كسر الرتابة والتكرار بوعيه أحيانا، وبلا وعيه في أحيان أخرى، ليضيف الجديد المبتكر والمتجاوز للعادي والرتيب.

وفنان الكاريكاتير ناجي العلي هو من أولئك الفنانين الذين تعاملوا مع هذا الفن بتجريبية منفتحة تراعي القواعد أحيانا، لكنها لا تركن إليها، ولا تستمر على منهجية واحدة ثابتة مدرسية، كون هذا الفنان ظلّ مسكونا بالفكرة أكثر من غيرها. أي أنه كان على استعداد لعدم الالتزام بالقواعد الفنية أمام إلحاح الفكرة، ومحاولته التعبير عنها وتجسيدها. إنه فنان الفكرة والفطرة، قبل أن يكون فنان القواعد والمعايير والحدود والتحديدات، وموجبات الخطوط والنسب والتشريح والإضاءات والظلال والأشكال في كثير من أعماله وإنجازاته.

هذه الأعمال والإنجازات، سنحاول وضعها وإدراجها ضمن ملامح ومحطات ومراحل من حياته الفنية الثرة والثرية، متنوعة العطاءات والإبداعات والتجارب.

مسرحة لم تفارقه أبدًا
في توجهه للتعبير عن مخزون الإبداع الذي تكون لديه، من خلال مترتبات النكبة وما رافقها وتبعها من تشريد وآلام وقهر وحرمان وأمراض وشظف العيش، فإن وسيلة ناجي العلي التعبيرية الأولى كانت النقد والسخرية من طريق ارتجال بعض العروض المسرحية، ومسرحة بعض المواقف والاسكتشات، وتقديمها مع زميله إبراهيم الناطور (أبو خليل) في بعض المخيمات والنوادي في منطقة صيدا، وأحيانا بل وأساسا في مقهى محمد كريّم (أبو مازن) في مخيم عين الحلوة. وكثيرا ما كانت تتحول جلسات لعب الورق والمسامرات بين رواد المقهى إلى هزليات مسرحية نقدية سياسية واجتماعية، قلما كانت توفر أحدا أو نظاما عربيا. ولم تقتصر هذه النشاطات على ما يتأتى عفو الخاطر وابن ساعته ارتجالا وعفوية، بل إنني شهدت بنفسي بعض ما كان قد تم تحضيره من فقرات تجمع بين النقد اللاذع والسخرية المرّة والتندر الفكه.

كان ذلك في بداية الستينات وبعد عودة ناجي من عمله في مجال الخراطة والميكانيك في مدينة جدة بالسعودية، اعتبارا من عام 1957 وحتى نهاية عام 1959. وبقيت حالة المسرحة مقيمة في ذهن الفنان، وتطفو على مساحة نتاجاته الإبداعية الكاريكاتيرية بين فترة وأخرى.

صحيح إن قلة الإمكانيات، وصعوبة الاستمرار في تقديم نمط واحد مكرر من هذا النوع من المسرحة، إضافة إلى العقبات الأمنية الراصدة والرافضة لأي نشاط من هذا النوع، كل ذلك وغيره من أسباب ساهم في توقيف التوجه العملي والتطبيقي الواسع لمثل هذا النشاط، خصوصا في شكله الجماهيري الواسع والمنظم والمنتظم، لكن الحالة، حالة المسرحة، لم تغادر ذهن ناجي، وبقيت جزءا من تكوينه الإبداعي ونتاجاته المتلاحقة في فن الكاريكاتير، وكانت تبرز واضحة وجلية ومكشوفة في بعض ما يرتجله من مواقف وقفشات واسكتشات نقدية سريعة وابنة ساعتها، خصوصا في المقهى أو السجن وحسب الظروف المتاحة.

عندما حضر غسان كنفاني
بالرغم من ظروف الغربة عن الأهل والانعزال والتوحد، أثناء عمله الصعب في السعودية، فإنه كان يجد وقتا كافيا لإعادة النظر في حياته الشخصية، وممارسة هواية التخطيط والرسم، خصوصا رسم الوجوه بتعبيراتها المتألمة والصارخة المفزوعة، أو حتى رسم الوجوه المشوهة، يقابلها رسم تخطيطات أولية لجسد المرأة ووجهها، بحسب ما ذكر زميله في الغربة والعمل وصديقه وشقيق زوجته لاحقا السيد محمد النصر.

وقد أتاحت توقيفات السجن والاعتقال المتكرر، لناجي وصحبه من حركة القوميين العرب، الذين كانت السلطات اللبنانية تعتبرهم من محرضي ناس المخيمات الفلسطينية على التظاهر ضد مشاريع مشبوهة وتنتقص من حقوق الفلسطينيين، إن كانت من قبل هيئات الأمم المتحدة، أو من قبل الدولة نفسها، أتاحت هذه التوقيفات، بالرغم من المعاملة القاسية التي كان ينزلها السجانون على المعتقلين، وقتا وتفكيرا لناجي كي يوالي التعبير عن حالة المعاناة التي يعيشها هو وصحبه وشعبه. فأخذت تخطيطات الرسم في الكاريكاتير وغيره تتوالى في التجسيد على أي وسيلة متاحة، من بينها جدران السجن نفسه، أو على أي ورقة تصل إليه، أو حتى على علب السجاير. وأول رسم تم الاحتفاظ به ونشره على علبة سجاير كان رسم زميله في النضال والاعتقال سعيد صالح الأسدي (أبو صالح). وبحسب ما جاء في كتاب “كامل التراب الفلسطيني – من أجل هذا قتلوني” لمحمود كلم، فإن الرسم أنجز في شهر آذار/ مارس من عام 1961 في أحد المعتقلات اللبنانية وعلى علبة سجاير، ويظهر فيه وجه أبو صالح معلقا على صليب، كما يبرز فيه الهلال على جانب أذنه اليسرى، وهي من اللوحات التعبيرية الرمزية الأولى لناجي.

كما أن الأديب الشهيد غسان كنفاني انتقى أربع لوحات من بين عدة لوحات لناجي شاهدها أثناء زيارته مخيم عين الحلوة، ونشرها لاحقا في مجلة “الحرية” بتاريخ 25/9/1961، وبشر في مقال مرفق مع تلك اللوحات بالوعود التي تعد بها تلك الريشة الواعدة، فذكر تحت عنوان “ينتظر أن نأتي”: “إن الحدة التي تتسم بها خطوطه، وإن قساوة اللون الراعبة، وإن الانصباب في موضوع معين، يدلل على كل ما يجيش في صوره بشكل أكثر من كاف”. وقد تميزت اللوحات بوحدات تعبيرية رمزية واضحة الأبعاد والمرامي، إلا أنها خلت من التعليق أو التوقيع.

فطرة ودراسة غير مكتملة
هنا علي الإشارة إلى أن التخطيطات الأكاديمية للجسد وتشريحه، خصوصا النسائي منه- شاهدت بعضها ذات يوم من عام 1961 في غرفته بمخيم عين الحلوة- كانت من نتاج التحاقه بالأكاديمية اللبنانية للرسم في عام 1960، والتي لم يداوم فيها كثيرا، أو بشكل منتظم نتيجة الملاحقات والاعتقالات التي كان يتعرض لها بين فترة وأخرى.

مع ذلك فإن التحاقه بالأكاديمية أفاده في قبوله مدرسا لمادة الرسم في الكلية الجعفرية في مدينة صور الجنوبية اللبنانية، والتي أمضى فيها بالقسم الداخلي حوالي عامين دراسيين أي منذ 1961 وحتى 1963.

بورتريه ناجي العلي
وقد روى السيد حسين شرف الدين، مدير الكلية الجعفرية في تلك الفترة، أن الفنان ناجي العلي احتار في كيفية التعامل مع العرض الذي جاءه للالتحاق بمجلة “الطليعة” الكويتية في عام 1963، وعلق قائلا: لقد بدأت مع بعض تلاميذي وتلميذاتي مشروعات فنية، وكنت آمل أن تضيف جديدا إلى الحياة الفنية، ومن المؤلم لي أن تتوقف بعد مغادرتي. ثم أضاف: على كل آمل أن أعوّض عن ذلك بإقامة علاقة جيدة مع جمهور المجلة التي سألتحق بها، ورأيي سأعبر عنه إن كنت هنا أو هناك.. وداعا.

ومن المؤكد أن تأثيرات المرحلة الدراسية الأكاديمية والتدريسية للفن، تركت أثرها في نتاجات ناجي في تلك المرحلة خصوصا، وفي مرحلة بدايات عمله في “الطليعة” في عام 1963، خصوصا لوحاته التعبيرية التجريدية الرامزة التي رسمها لرواية “العبيد، أو اللوتس الأحمر الميت” لغسان كنفاني – من أوائل الروايات التي كتبها غسان في عام 1961 ولم تنشر في كتاب حتى الآن. ونشر ناجي لوحاته مع كل عدد من أعداد مجلة “الطليعة” تضمن فصلا أو قسما من الرواية اعتبارا من العدد رقم 32 الصادر في 22/5/1963 حتى العدد رقم 48 المؤرخ في 11/9/1963.

مع توالي مرور الزمن، أخذت تأثيرات المرحلة الأكاديمية تبتعد أو تبهت في ذهن الفنان، خصوصا وأن عمله كرسام ومخرج ومحرر في مجلة “الطليعة”، كان يفرض عليه بذل جهد مضاعف، وسرعة في الإنجاز كي يراعي متطلبات صدور المطبوعة أسبوعيا، وكي يعود ناجي الفنان إلى طبعه وطبيعته المتمردة، فإنه أخذ يستعيد تركيزه على الفكرة المباشرة في أعماله الكاريكاتيرية التي أخذ يوالي نشرها في المجلة، حتى ولو كانت تحتوي على ضعف، أو فيها بعض الاختلالات الفنية.

“كفيتي مال أفّل”
في ستينات القرن العشرين وحتى سبعيناته، كانت بلدان الخليج العربي تتعرض إلى هجمة من قبل نظام الشاه في إيران، ومطالبات بإلحاق بعضها وتتبيعها لذلك النظام، وكانت ظاهرة تسلل مئات بل آلاف الإيرانيين من المشاكل اليومية المعقدة التي كانت تواجهها تلك البلدان، ووصل الأمر بنظام الشاه إلى المطالبة بإلحاق البحرين تحديدا بإيران، ولم يحسم هذا الأمر إلا بعد استفتاء شعبي أشرفت عليه الأمم المتحدة، أكد فيه البحرينيون على عروبتهم، وأفشلوا مخططات الشاه. وقد تجاوب ناجي العلي لاعتبارات قومية مع الدعوة التي تؤكد عروبة أقطار الخليج، وأبرز في لوحاته المتكررة شخصية المتسلل الإيراني، وجعلها مادة تناولها بالنقد والسخرية، ليس من منطلق واقعه الطبقي الرث والفقير المحتاج، بل لكونه أداة في يد النظام وما يمثله من خطر قومي واضح، فبعض الأفراد على سبيل المثال، وعلى الرغم من استقرارهم وإثرائهم، بقيت لغتهم ونطقهم للعربية فيها بعض العجمة والتكسير، فالتقط ناجي هذا الجانب، وبنى عليه متواليات فيها استعادة لمسرحة سابقة في حياته. وكانت عبارة “أنا كفيتي مال أفل” أي “أنا كويتي درجة أولى” من العناوين البارزة في التجسيد والتعبير الكاريكاتيري. وبناء عليها وعلى غيرها، فإن ناجي العلي تلقى تهديدات هاتفية ورسائل تتوعده بالقتل والتصفية، لكنه استمر يتبنى قضايا وطنية وقومية وإنسانية كثيرة، كما أعلن بوضوح انحيازه إلى الفقراء، وأنه ضد الاستغلال والمتاجرة بقوت الناس ومصالحهم. ولم يكن ذلك التهديد هو الأخير في مسلسل التهديدات التي لاحقته حتى اليوم الأخير من حياته، وكانت توجهها جهات وأطراف عدة منها جهات فلسطينية.

الصليب وحنظلة
كان من الطبيعي أن يبحث ناجي الفنان عن توقيع مناسب يعبر عنه ويضعه على لوحاته الكاريكاتيرية، فاختار في البداية كلمة “ناجي”، وهي مرحلة تلت الرسم بلا توقيع، علما أن لوحاته في مجلة “الطليعة”، خصوصا لوحاته التي رسمها كي تعبر عن رواية “العبيد” لغسان كنفاني، كانت تحمل توقيع “ناجي” عام 1963. ثم أخذ يبحث عن رمز يمثله في لوحاته، فاختار رمز الفداء والافتداء والصلب مع توقيعه باسمه أو بدونه، ووضع الصليب ضمن دائرة أو في مستطيل غير متساوي الأضلاع. وفكرة الصلب راقت له وتبناها خصوصا وأنها بسبب قضية كبيرة. ولوحته الأولى المنشورة عن أبي صالح جسدت ذلك، وبقي معناها يتردد في ذهنه.

هكذا ثبت ناجي توقيعه، واستبدل الاسم بالرمز في الشهرين الأخيرين من عام 1966، وأعماله التي نشرها في مجلة “الحرية” وصحيفة “اليوم” اللبنانيتين حملت توقيع الصليب، وكذلك كان الحال مع أعماله التي نشرها في مجلة “الطليعة” الكويتية، بعد أن عادت إلى الصدور وعاد إلى العمل فيها. وبقي هذا التوقيع متواصلا إلى أن تفتق ذهنه عن رمزه وممثله وممثل الضمير اليقظ والحي “حنظلة”، فكرسه في أعماله بجريدة “السياسة” الكويتية اعتبارا من 13 آب/ أغسطس من عام 1969، بعد أن انتقل ناجي للعمل في الصحيفة اعتبارا من عام 1968، وأرفق رسمه لحنظلة – كان يشبه الضفدعة في البداية – ببيان برر فيه اتخاذه هذه الخطوة الجديدة، وهذا الرمز الجديد. وبقي هذا الرمز مستمرا وحاضرا ومتكررا في الأذهان، وفي بعض الأعمال التي يعاد نشرها للفنان أو في بعض أعمال فنانين آخرين حتى بعد إطلاق النار عليه في 22/7/1987، ثم استشهاده في 29/8/1987.

وإذا كان حنظلة قد ولد بدون قرص الشوك على رأسه، إلا أنه أخذ يكتسبه تدريجيا، وأخذ يكتسب ملامح شبه ثابتة (السن 10 سنوات والقصر والثوب المرقع والشوك النافر على رأسه، أو من حيث صفته كشاهد صامت، أو معبر يتخذ موقفا في أحيان أخرى).

وإذا كانت خطوط تكوينه في البداية غير منتظمة الأبعاد، وفيها ضعف في التشكيل والتكوين، فإنه استوى واكتمل تكوينا ربما بفعل التكرار، وربما مع استواء ونضج وطواعية التشكيل في تجربة ناجي نفسه، ومحاولاته التطويرية والتحسينية فيها، على الرغم من التركيز على الفكرة والمضمون قبل أي وحدة أخرى في لوحاته.

ولم يتخل ناجي كفنان سكنه المسرح والمسرحة عن هذا الفن أبدا، وبقي يتحرك ويتململ في جنبات تفكيره. لذا فإن هذا التكوين كان يبرز في رسومه في أحيان كثيرة، وكانت لوحة الرسم أو ورقتها تتحول إلى خشبة عرض تتوالى عليها الشخصيات التي تجسد مواقف وموضوعات فيها الحوار الساخر والموقف الدرامي المتوافق مع عنوان فكرة النص.

بتعليق أو بدونه
المتابع لتجربة وتجريبية ناجي العلي في فن الكاريكاتير، يجد أن إلحاح الفكرة والتعبير عن موقف، كانا الهاجس الأساس في تحفيزه للعمل. لذا فإن وضع أعماله ضمن سياق “المراحل” و”المدرسية” فيها محاولة قسرية للتأطير والتنظير.

إن حمأة العمل اليومي ومتطلباته والتفاعل مع الأحداث وتسجيل موقف منها، والتعبير عن اجتهاداته ورؤاه؛ إن كل ذلك وغيره كان لا يتيح للفنان “التخطيط البارد” لإيجاد فواصل وحدود بين مرحلة وأخرى في تجسيداته الفنية، على أن تداخلا كان دائم التشابك والتفاعل والبروز والانزواء، بين ما هو واقعي ورمزي وتجريدي ومباشر وفج وشكلي، وغير ذلك في تجسيداته الفنية، والمهم والأساس في كل ذلك هو الفكرة والموقف والمعنى والمضمون.

صحيح أنهم يقولون: إن اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، مع ذلك فإن ناجي الفنان كان همه الأساس التعبير في أبسط وأوضح وأحيانا أعمق الأشكال والأقوال. وقد أخذت أشكاله تستوي وتنضج تدريجا ربما نتيجة التكرار كما ذكرت من قبل، وربما بفعل الخبرة وتراكم التجارب. مع ذلك فإن الفن من حيث الشكل والتجويد فيه لم يكن هاجسه ولا دافعه الأساس للإقبال على العمل. وحتى عندما جسد “شكلانية” التجربة في المرايا (لوحاته الأربع المشهورة) فإنه أطرها بأكثر شعارات التعبير عن الحرية والاحتجاج على القمع والاعتقال سخونة وبروزا.

لذا فإن كانت لوحاته مقرونة بتعليق أو بدونه، فإن ذلك لا يمكن وضعه في إطار النضج الفني، لأن اللوحات الأولى المنشورة له في مجلة “الحرية” وفي غيرها كانت بدون تعليق. صحيح أن تجسيدها قد جاء بعد تمعن واختمار طويلين، وأنها أقرب في تكوينها وعناصرها إلى اللوحة التشكيلية التقليدية منها للوحة الكاريكاتير؛ مع ذلك فإن الفكرة والموقف كانا محفزا للفنان ناجي للعمل وللتجسيد دائما وأبدا في حياته الفنية..

بين النقل والاستيحاء
كما كان الفنان ناجي العلي يعيش عصره من الناحية السياسية، متابعة وعيشا وتفاعلا وتحليلا ومحاولة تأثر وتأثير، فإنه كان يتابع الإنجازات والأعمال الفنية التي كان يخطها زملاؤه أيضا، مستفيدا ومتفاعلا ومتأثرا؛ إن بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وناقدا أيضا. وأذكر في هذا المجال أن معرضا حضرناه سوية لأحد فناني الكاريكاتير العرب المشهورين في نهاية ستينات القرن الماضي، ناقش وحاور وذكر ملاحظات بحضور الفنان، ثم فاجأنا في اليوم التالي بإحضار مجموعة كتب لفنانين عالميين في فن الكاريكاتير، وأطلعنا على لوحات لهم سبقتنا الدهشة في الإعلان عن موعد “الاستيحاء” والتأثر والتشابه، بين رسومات وأفكار فناننا العربي ورسومات وأفكار ما أنجزه الفنانون الآخرون. وعليّ أن أذكر أيضا أن ناجي العلي الذي ولد وعاش في بيئة شعبية، تأثر واستوعب وحفظ وردد وعايش بعض فنونها الشعبية، كالأهازيج والأمثال والأقوال والمواويل والحكم والأشعار والموشحات والألعاب والأزجال. وكان لذلك وغيره نصيب في أعماله، يحوّر ويعدّل ويعيد الصياغة من جديد، ويعطي أبعادا جديدة لما استوحاه وحفظه أو التقطه وقرأه.

بالزيت وعلى المرايا
علي الإشارة إلى أن ناجي كان يتفلت أحيانا من روتينية العمل اليومي الكاريكاتيري، لذا فإنني وأثناء زيارة لي إلى منزله في السالمية بالكويت في عام 1985، وهو العام الذي أنجز فيه معرضه الفني الوحيد الذي حضر له وانتقى فيه بنفسه الأعمال، كما انتقى أيضا حتى براويز اللوحات في المعرض الذي أقيم في صالة الفنون التابعة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في 2/2/1985، كما أنه أنجز في ذلك العام ونشر كتابه الكاريكاتيري الثالث، فقد وجدته منبطحا في مرسمه على بطنه ومنكبا على رسم لوحة نسيت تفاصيل وحداتها، فسألني وهو يشكو من أوجاع التكلس في فقرات ظهره، عن نوعية الزيت الذي يرسم به اللوحة، ولم يمنحني وقتا وبادر هو إلى الإجابة بسخريته المعهودة: إنه مستخلص من النفط، وله إيجابيات كثيرة أيضا لو أجدنا استعمالها، وانفجرنا ضاحكين. وقد أفادني ابنه خالد أن والده أنجز عدة لوحات تشكيلية في تلك الفترة، وما زال بعضها في حوزته.

في عام 1979 فاز ناجي العلي بالجائزة الأولى عن لوحته “باص التسوية” في المعرض الأول للكاريكاتيريين العرب الذي أقيم في دمشق. وفي ذلك العام تم انتخابه أمينا عاما للفنانين الكاريكاتيريين العرب، بعد أن كان قد انتخب عضوا في الأمانة العامة للكتاب والصحافيين الفلسطينيين من قبل.

آثر ناجي العلي أن يبتدع جديدا في المعرض الثاني للكاريكاتيريين العرب الذي أقيم في دمشق أيضا عام 1980، فخرج بفكرة اللوحات – المرايا وجسدها في لوحات أربع هي: لوحة مكتوبة بالحبر السري، في محاولة منه لإطلاق مخيلة المشاهد ولإقحامه في التفكير. ولوحة ثانية مرآة تحتوي على شريط أسود في زاوية من زواياها العليا، وتعني أن السجين المواطن قد أعطانا عمره.

وفي الثالثة لوحة عبارة عن مرآة رسم عليها قضبانا، في محاولة من الفنان توريط الناظر إليها ليجد نفسه داخلها، أي وراء القضبان سجينا.. والأخيرة مرآة كتب عليها الفنان “مطلوب” والشخص المطلوب هو المواطن الناظر للوحة. وقد فازت اللوحات الأربع بالجائزة الأولى في ذلك المعرض أيضا. ومن المؤكد أن فكرة اللوحات- المرايا- كانت تختمر في ذهنه منذ سنوات، فلما وجد الخامات وأجرى تجاربه عليها، ونجح في ذلك، قدمها كجديد في مسيرته الفنية. مع ذلك فإنه كان يبحث عن تطوير لها لا يتهشم فيها الزجاج، وفعلا فإنه وجد مادة في فرنسا لها خصائص الزجاج الشفاف، لكنها لا تتهشم. إلا أن عدم الاستقرار الذي لاحقه في حياته دائما – ليس اختيارا بل إجبارا – لم يمنحه الوقت الكافي، كي يوالي تجاربه في إنضاج ما كان يخطط له، ويسعى إلى تنفيذه وإنجازه.

وبعد.. كما بشر ناجي الفنان في بيانه المنشور مع ولادة حنظلة، فإن هذا الحنظلة ما زال حيا، حتى بعد إزاحة صاحبه عن مسرح الحياة. لقد تداخل وتآخى واندغم واندمج مع آلاف الأطفال الذين هم في المكان المتقدم من المعركة، يدفعون ويضحون، علّ ما حلم وبشر به وجسده ناجي العلي يتحقق ويقوم… حقا يقوم.

ضفة ثالثة

Hits: 38

الوسم


أترك تعليق
follow this link for more
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°