أحدث الأخبار

ناجي العلي… أيقونة فلسطين / د. زياد الوهر

+ = -

د. زياد الوهر

“ولد حنظلة في العاشرة في عمره وسيظل دائما في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء”

هذه الكلمات لناجي العلي التي قالها في معرض رده على سؤال عن ماهية حنظلة الذي أصبح أيقونة هذا الرسام الكاريكاتوري الشهير التي اغتالته أيد آثمة في لندن في العام 1987.

مرت ثلاثة عقود على اغتيال ناجي العلي ولم يكشف النقاب بعد عن أسباب اغتياله والجهة التي قامت بتصفيته. كثرت الأقاويل والشائعات بخصوص هذه الحادثة الأليمة التي فقد فيها الشعب العربي الفلسطيني أحد رموزه والصوت الذي يشاطر الناس همومهم وأحزانهم وآلام الغربة، فمن قائل أن من قتله كان الموساد الإسرائيلي، وهنالك من يقول أنها بعض عناصر منظمة التحرير الفلسطينية التي لم يعجبها النقد المتواصل لأدائها وطرق معالجتها للقضية المركزية للعرب والمسلمين، وهنالك من يعتقد أن وراء الحادث بعض الأنظمة العربية حينذاك التي لم يرق لها أداء هذا الفنان وسلوكه السياسي وتوجهاته الوطنية.

وأياً  كان الفاعل فلقد خسر الوسط العربي الصحافي أحد أهم رموزه وعنوان الكفاح للشعب الفلسطيني الذي لا زالت النكبات تلاحقه واحدة تلو الأخرى، وإن الكشف عن هوية الجاني قد لا يقدم ولا يؤخر حاليا في وقف الانحدار والارتماء في حضن الصهيونية وأتباعها الذين باتوا يعلنون ذلك على الملأ دون خجل أو مواربة.

بدأ ناجي العلي رحلته في دولة الكويت وانطلق منها نحو العالمية، حيث تميزت رسوماته بالحياة التي تتدفق من بين ثناياها فكانت شخوصه تنطق بلا لسان وتتحدث بكلمات شعبية فلسطينية تحاكي الواقع المرير الذي يعيشه الشعب الفلسطيني بعد النكبة والنكسة والوكسة.

يأتي طرحي لهذا الموضوع عقب إعلان الحكومة البريطانية منذ أيام إعادة فتح قضية اغتيال العلي ودعت كل من لديه أية معلومة قد تساهم في الكشف عن هوية الفاعل الحقيقي بأن يتقدم لمقر لجنة التحقيق دون الخوف من عواقب شهادته وخاصة بعد انقضاء هذه المدة الطويلة جدا.

وبانتظار ما سيحصل لاحقا فإن الملفت للنظر أن ذكرى حادثة الاغتيال هذه قد مرت مرور الكرام على صحافتنا العربية العتيدة، وقد نجد لها من الأعذار الكثير فهي باتت مشغولة بالعديد من الهموم المحلية والعربية ما يجعلها غير آبهة لما أصاب أحد رموزها الذي كان ذات يوم من أشهر شخصياتها على الإطلاق.

سكتت الألسن وصمتت الأفواه وما عاد أحد يتذكر القضية الفلسطينية ولا عذابات شعبها إلا القليل من أبناء هذه الأمة، وانشغل كل بمشاكله وما هي إلا بضع سنوات حتى تطوى هذه الصفحة ويصبح الحديث عنها من قبيل التشدق بالوطنية في الصالونات الثقافية والحانات السياسية.

ليست هذه صورة سوداوية يرسمها خيالي المتشائم ولكنها حقيقة مؤلمة تفرضها الوقائع على الأرض، فها هي فلسطين تتآكل أرضها شبرا شبرا وها هي إسرائيل تكسب المزيد من الأصدقاء العرب المخلصين الذين يؤمنون بأن التعامل مع الواقع أفضل من العيش مع الأحلام والأوهام، وها هي القيادة الفلسطينية تقدم التنازل تلو الآخر أملا في أن ترضى عنهم أمريكا وإسرائيل ولو بعد مئة عام، ولكنهم يدركون جميعا أن ذلك لن يحدث، ومع ذلك فإن هذا الواقع المزيف سيرفضه الشعب العربي حتى وإن التزم الصمت بدافع ذاتي أو فرض عليه فرضا.

وليس هنالك أجمل من مقولة ناجي العلي التي تحاكي واقعنا حين قال: ” اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حالو.. ميت”.

أسئلة كثيرة يطرحها هذا العقل العربي الذي أحمله فوق كتفي.. لماذا خسرنا ما خسرناه؟ وكيف السبيل إلى استرداده؟ ومن هو المسؤول عن خيبتنا نحن أم الآخرون؟ وهل سيأتي ذلك اليوم الذي نستعيد فيه كرامتنا التي سلبت منا؟ ولا أظن أن الإجابة خافية على أحد منا ولكنها أسئلة يطرحها ضميري الحي الذي لا زال يقتات على بعض الإرث الحضاري والتاريخي والديني لأمتنا المجيدة.

لم يكن ناجي العلي هو الأول ولم يكن الأخير في سلسلة التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني، فلا زال الجرح نازفا ولا زالت الأمة العربية تقدم الكثير من دمائها الغالية نظير الدفاع عن مقدساتها وثوابتها الوطنية وإلى أن يأتي ذلك اليوم سأقول ما قاله العلي ذات يوم: “هكذا أفهم الصراع: أن نصلب قاماتنا كالرماح ولا نتعب”.

ناجي العلي.. أيقونة فلسطين الغائبة الحاضرة، يعيش في الوجدان، ورسوماته تؤجج فينا نارا قد قاربت على الخمود، وتبعث فينا الأمل لغد أفضل بشمسه المشرقة على أرض الإسراء والمعراج.. مات ولم تمت معه الأحلام وبقي بطل رسوماته الشهيرة “حنظلة” يحرك فينا مشاعر الانتماء للوطن رغم الحراب المسلطة على الرقاب وعسى أن يكون في موت هذا المبدع درس لكل شرفاء هذه الأمة بأن الوطن يستحق دائما أن نقدم له الغالي والنفيس فلا كرامة لامرئ دون وطن يحتضنه ويأويه.

د. زياد الوهر
z_alweher@hotmail.com

Hits: 18

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°