أحدث الأخبار

نحن لسنا عبيدا أيها السادة /   د. زياد الوهر 

+ = -

  د. زياد الوهر 

منذ فجر التاريخ وحتى يومنا الحاضر وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها سيبقى المجتمع الإنساني منقسما إلى قسمين؛ سادة وعبيد، وهذا الوضع الاجتماعي المؤسف حقيقة لا يمكن تجاهلها على الرغم من كل التراكم الحضاري والديني على مر القرون، وعلى الرغم من الرسالات السماوية المتتالية والمتعاقبة والتي حاولت أن تصلح هذا الخلل الاجتماعي وتضبط وتيرته وتعيد توجيه البوصلة نحو عبادة الله وحده.

وجاء الإسلام كخاتمة للرسالات السماوية ليضع منهجا يؤكد أن الله قد خلق الناس طبقات ليخدم بعضهم بعضا حتى تستقيم الحياة وتدوم، ولكن الإنسان بطبعه الذي يميل نحو التميز حاول ليّ هذه الحقيقة وحرفها، فاستخدمها الأقوياء سلاحا ضد الضعفاء واستغلوها أبشع استغلال وفرضوا عليهم الذل والهوان وأرغموهم على خدمتهم وتوارثوا هذه العادة جيل بعد جيل.. كيف لا وهم السادة الذين يحق لهم ما لا يحق لغيرهم وأولئك هم العبيد الذين خلقهم الله “كما يزعمون” لخدمتهم وتحقيق نزواتهم وتلبية لاحتياجاتهم النفسية في التعالي على الآخرين واستحقارهم.

هذه هي الحقيقة المؤسفة والتي كانت تعيشها قريش قبل رسالة الإسلام حيث انقسمت العرب إلى أشراف مكة وعبيدها أمثال الصحابة الكرام بلال الحبشي وعمار بن ياسر وصهيب الرومي، وعندما جاءت الرسالة المحمدية ألغت هذه الفوارق وساوت بين السيد والعبد وجعلت مقياس الأفضلية للتقوى كما يقول الله سبحانه وتعالى “إن أكرمكم عند الله أتقاكم” ولكن ما أن انتقل رسول الله إلى الرفيق الأعلى وانقضى من بعده عهد الخلفاء الراشدين حتى عادت حليمة لعادتها القديمة وبدأ عصر السادة من جديد فاشتروا ذمم الآخرين بالأموال وأغدقوا العطايا والهبات لكل من يجاريهم ويسير على دربهم وحاربوا كل من يدعوا إلى العودة للنهج النبوي الشريف، فنصبت المشانق وسالت الدماء وقتل من قتل وزالت دول وحلت غيرها وهكذا إلى أن استشرى فينا هذا الداء العضال وورثناه أبا عن جد ووصل حالنا إلى ما نحن عليه من فرقة بغيضة وكراهية عمياء لكل من يختلف عنا لينتهي الأمر بتصنيف الآخر في خانة العبيد أو الأعداء على أحسن حال.

إن قراءة التاريخ مؤلمة جدا وخاصة تاريخ أمتنا العربية والإسلامية وستجد فيه ما يدعوك للتفكر والتدبر ومع أن الأمر لا يخلو من الصفحات ناصعة البياض إلا أن الصفحات السوداء قد طغت عليه وشوهته. حتى تاريخنا المعاصر لم يسلم من هذه الآفة على الرغم من كل الدساتير الوضعية التي اتخذت الديمقراطية شعارا لها وكذلك القوانين الدولية الخاصة باحترام حقوق الإنسان ومعاملته بما يليق إلا أن ما يجري على الساحة الدولية يؤكد أن الغرب المتطور والمتقدم جدا ينظر لنا نحن في الشرق الأوسط؛ وبالذات العرب، نظرة دونية لا ترقى لمستوى الآدمية وهم يستكثرون علينا إدارة دولنا وثرواتنا باستقلالية وبدون وصاية منهم.
وليت الأمر توقف على هذا فعلى ما يبدو أن هذا الداء الاجتماعي المدمر قد بدأ بالظهور بشكل لم يسبق له مثيل بين ظهرانينا تحت مسميات عديدة لم ينزل الله بها من سلطان، وبدأت الطبقات الوسطى في الاضمحلال والتي كانت تشكل العمود الفقري للمدنية المعاصرة حتى انفصمت عرى المجتمعات واستغلها الأعداء في اللعب على هذه الفروقات المذهبية والاجتماعية فعاثوا في بلادنا خرابا وتدميرا وليس على أدل على ذلك مما يجري على الساحة السورية من موت ممنهج وتدمير تام دون مبرر عقلي أو منطقي.

إن الوعظ والإرشاد لن يكون ذو فائدة لتغيير الطبيعة البشرية إلا إذا نظرنا إلى ما حولنا من مؤثرات بيئية ومجتمعية، فهل حاولت عزيزي القارئ يوما أن تنصح أحدا من أولئك السادة أن يغير من سلوكه واستجاب لك؟ الإجابة لا طبعا وقد يعود عليك هذا بالوبال وسوء المنقلب ولكن لو حاولت أن تزين له أعماله وتشد على يديه فسيجزل لك العطاء ويفتح لك الأبواب الموصدة وتصبح من المقربين ذوي المكانة المرموقة.

لقد سلط الدكتور علي الوردي “عالم الاجتماع العراقي الشهير” الضوء على هذه الظواهر وعلاقة الحاكم بالمحكوم وذلك في معظم كتبه ولكن وللأسف الشديد لم تلق كتبه سوى المنع والمصادرة ولسوء حظ أصحاب تلك القرارات أن اشتهرت هذه الكتب وقرأها القاصي والداني من المثقفين والمهتمين بقضايا الإنسان العربي.
ولعل أشهر كتبه “وعاظ السلاطين ومهزلة العقل البشري وأسطورة الأدب الرفيع” ولا شك لدي أن هذه المؤلفات قد تحمل في طياتها جزءا من جلد الذات وتقبيح تاريخنا المجيد واصطياد الهفوات والأخطاء إلا أن الأمر يستحق فعلا القراءة والتمحيص واستشراف المستقبل والتعلم من دروس التاريخ القاسية.
القانون يجب أن يطبق على الغني والفقير والوزير والخفير والمواطن والوافد وإلا فإننا نخالف سيد الخلق حين قال: “والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها” فأين نحن من هذا الهدي يا ترى؟

الصورة ليست شديدة السواد كما تبدو عليها الأمور فالأمل في الله كبير ودرعنا ودليلنا القرآن وسنة الرسول إن تمسكنا بهما لن نضل بعدهما أبدا وما اختلافنا إلا امتحان رباني فإن نجحنا فيه فنحن الرابحون وإن فشلنا فليس لنا سوى الخسران المبين وقد قال الله سبحانه وتعالى في ذلك: “وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ”.

د. زياد الوهر

Hits: 21

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°