أحدث الأخبار

العلمانية … هل تصلح لنا أو نصلح لها؟ / بقلم د. محمد رياض

+ = -

بقلم د. محمد رياض

العلمانية إصطلاحاً تعني الفصل بين المؤسسة الدينية ومؤسسات الدولة  بحيث لا تتدخل  إحداها في عمل الأخرى، وبعبارة أخرى تحييد  المؤسسة الدينية عن التداخل في عمل مؤسسات الدولة وتحييد مؤسسات الدولة عن التداخل مع عمل المؤسسة الدينية! ومؤسسات الدولة  تنبثق من فروعها  الثلاثة: التشريعية والتنفيذية والقضائية .

وتحقق العلمانية إستقلالاً ذاتياً للمؤسسة الدينية، اذ بقدر ما تحرمها من التدخل في عمل الفروع الثلاثة لمؤسسة الدولة فإنها تحّرم على الدولة التدخل في نطاق عمل المؤسسات الدينية أو  التحكم فيه!

لو طبّقنا نظاماً علمانياً في  مصر مثلاً بصورة صحيحة، فإن  ذلك سوف يعني أستقلال مؤسسة الأزهر بإدارة شؤونها وتعيين شيخ الأزهر ومسؤوليه وإقرار مناهجها وتمويل نشاطاتها وهيئاتها ومساجدها ومراكزها، وكذلك عدم تدخل الدولة في نشاط أية هيئة دينية أخرى سلباً او إيجاباً، وسوف تسلب الأزهر كذلك من   كل  دور له يقترب من نطاق عمل   مؤسسات الدولة سواء في المجال التشريعي او التنفيذي، وسوف يؤدي لإلغاء مناصب رسمية مستقرة تقليدياً مثل وزارات الأوقاف والإفتاء والمحاكم الشرعية ، الخ.

هل نحن  كعرب مستعدون لتقبل نظام كهذا؟

شخصياً لا أعتقد أن هذا ممكن خلال المدى القريب أو المتوسط المنظور ، فلا المؤسسة الدينية الرسمية مستعدة للتنازل عن إمتيازاتها الحكومية والتي تتيح لها التدخل في مجال التشريعات ولو في نطاق ” الأحوال الشخصية” ( زواج، طلاق، مواريث ، الخ) ، ولا الحكومات مستعدة لمنح إستقلال ذاتي للمؤسسات الدينية يجعلها إدارياً ومالياً وأكاديمياً خارج نطاق رقابة الدولة!

كذلك فإن الشعوب غير مستعدة لقبول نزع الهوية الدينية للدولة وسحب الإعتراف  والصفة الرسمية عن المحاكم الشرعية ومنح مهمة تنظيم شؤون الأحوال الشخصية   لهيئات ومحاكم مدنية لا دينية!

الناس عندنا يريدون أن يتزوجوا  ويتطلقوا ويتوارثوا  وفق شرائعهم الدينية ، هذا واقع لا يمكننا إنكاره سواء أعجبنا أم لم يعجبنا!

لكننا نجد أن دولنا  العربية بمعظمها أيضاً ليست أنظمة دينية ولا تتيح للمؤسسات الدينية التدخل في كل شيء، فالإجراءات الجنائية تخضع لتشريعات مدنية برلمانية وتنفذها محاكم جنائية مدنية لاتراعي في معظمها رأي المؤسسات الدينية، بإستثناء إحالة اوراق المحكوم عليهم بالإعدام للمفتي للمصادقة الشكلية عليه!

وواضح كذلك أن الدول العربية بمعظمها لم تمانع في منح سلطات محدودة للمؤسسات الدينية بالإضافة لمجال الأحوال الشخصية، فيما يتعلق بتقرير مواعيد الصيام والأعياد والمناسبات والعطل الدينية المعترف بها حكومياً.

هذه الوصفة السائدة ليست علمانية ولا تتوافق مع أبسط أصول العلمانية  والتي تقضي بتحييد المؤسسة الدينية عن التداخل في عمل المؤسسات الحكومية وإعطاء أية صفة رسمية لها، ولا هي كذلك وصفة شرعية كاملة تتيح لهذه الأنظمة الادعاء بأنها أنظمة دينية!

لكن هي وصفة تمثل  “حل وسط” مقبول شعبياً ورسمياً بشكل عام في معظم البلاد العربية !

وأرى أن تغيير هذه الوصفة لن ينتج فوقياً، أي بقرار  رسمي لأنه سيؤدي لخلق حاله من عدم الإستقرار الشعبي، ولن  تتغير أيضاً بالإتجاه المعاكس بتحرك تحتي ( حركة دينية تصل للحكم )  لأن ذلك سوف  يؤدي لحالة من عدم الإستقرار السياسي!

ولعل من المفيد الإشارة الى أن مدارس دينية مثل مدرسة الإعتزال ومن خلال تنظيم مفهوم ” حكم العقل” وتطوير نظرية ” التحسين والتقبيح ” العقلية سوف تكون مستقبلاً قادرة على تقديم بديل معقول لمفهومي ( الدولة العلمانية ) و ( الدولة الدينية ) يكون مناسباً لبيئة وطبيعة مجتمعاتنا وتفكيرها على الصعيدين الشعبوي والنخبوي!

التغيير يجب أن يحدث تدريجياً  ويرتبط بتغيير  المزاج الشعبي ورفع مستوى الوعي العام وإصلاح وتطوير نوعية الخطاب الديني ، غير ذلك فإن الحديث عن علمنة الدولة سيبقى حديث صالونات فقط!
……..

Hits: 10

الوسم


أترك تعليق
follow this link for more
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°