أحدث الأخبار

عن بيروقراطيات الهيمنة وسيطرة النخب / ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخ

لا يسع نظام حكم أو سلطة، على اختلاف تلاوينها وأطيافها وطبيعتها، أن تكون صادقة على الدوام، طالما هي تحوز الكثير من هوامش ومتون الكذب، وهي الأقدر على النفاذ إلى جوهر الأمر:

اعتبار الكذب الوسيلة الأنجع لتمرير ما تريد تمريره بسهولة ويسر، وتبريره للوصول إلى غاياتها المنشودة بعيدا عن إرادات الناس، أو وضع السلطة لذاتها في خدمة جمهورها اللصيق بها، بل هي تكذب على جمهورها كما تكذب تماما على البقية الباقية من جماهير شعبها، مبررة لذاتها انحيازها الكامل لمصالحها، ومن يدفع بتلك المصالح بعيدا عن المصلحة الوطنية العامة.

وإذ تفتقد العديد من منظومات السلطة في العديد من البلدان، إلى الجدارة والكفاءة، في وقت تحاول الظهور فيه وكأنها واثقة من ذاتها، فيما هي إلى الهشاشة أقرب، فقد ذهبت العديد من سلطات الحكم المتشابهة منها وحتى المتنافرة، مذاهب شتى في اقتناص فرص الفراغ والإفراغ السياسي والثقافي والفكري، وعملت في نوع من الانتهازية واستغلال الظرف واستغفال الناس، فقامت ببناء ديكتاتورياتها على أنقاض أوضاع شبه ديمقراطية، كان يمكن لاستمرارها أن يديم نوعا من الاستقرار والأمان لمجتمعاتها، إلا أن الأيديولوجيات الانقلابية المضادة للدولة، كما للثورة والحداثة والتنوير والمعاصرة، أضحت هي الحالة الجاهزة للانتقال إلى تهيئة الظروف والمعطيات الذاتية والموضوغية، للبدء في عملية تدمير ممنهجة تاريخية لم يسبق أن وجدنا أشباها لها، في نخر وتفتيت الطابع الثقافي للفكر السياسي والمجتمعي، وتهيئة المجتمع والدولة لاستقبال ما يتضاد معهما وينقلب عليهما في اتجاهات تخريبية وتدميرية لبناهما التي حولتهما الهشاشة البنيوية المؤسسة، إلى أشباه دول وبقايا مجتمعات متناثرة، بفعل تأثيرات فقه القمع والعنف السلطوي، كما وبفعل التأثيرات الطائفية والمذهبية والضغوط الخارجية المتزايدة.
وفي مرحلة لاحقة أضحت جاهزة لتتحول إلى هشيم عند أول هبات “رياح السموم” التي نثرها فقه التوحش “الداعشي”، وعصابات التطرف الإجرامي لأمراء الوهم الخليفي.

وعلى هذا فقد حملت بصمات الإرهاب الوحشي، الذي ما يني يتجسد يوميا في العديد من مناطق العالم، بدءا مما يجري بين الحين والآخر في مخيم عين الحلوة، إلى سوريا والعراق، وصولا إلى القارة الأوروبية، توقيع “الوحش الداعشي” وأضرابه من أولياء وفقهاء التوحش، ممن آلوا على أنفسهم العمل كذئاب منفردة، أو ضمن مجموعات ذئبية، تخرج من أوكارها لتقيم على الرمال المتحركة صرح “دولتها” المزعومة على حساب دول قائمة وسلطات مقيمة، تحاول غزوها وكيّها بنيران المجازر وشرارات القتل الإجرامي تفجيرا ودهسا، قتلا وتفتيتا وإثارة للنعرات الطائفية والمذهبية، تحقيقا لرغبات مكبوتة لدى سلطويي “إسلاموية” يعز عليها ألا تكون هي السلطة البديلة لكل السلطات القائمة والمتخيلة، بدءا من سلطة الإله، وصولا إلى سلطة المجتمع والدولة، وأي سلطة قائمة حتى في أشباه الدول.

هكذا هم هؤلاء بأحيائهم وأمواتهم، يريدون أن يشكلوا ويتشكلوا كسلطة مركزية “مقدسة”، تهيمن على الكون كله. وسيلتهم إلى ذاك “المجد” المدنس إزهاق أرواح الناس من كل الهويات والأعراق والأجناس، والتفنن في ارتكاب العديد من وسائل القتل والترهيب، وفق وصفات وتوصيفات فقه ضليع في مسلكيات التوحش الإجرامي، في محاولة لسوق الناس جميعا وإخضاعها لتلك السلطة التي يجري تخيلها وكأنها مسنودة إلهيا، تماما كمن يتخيل أن انتصاراته المزعومة والموهومة على الدوام هي “انتصارات إلهية”.

وفي المقابل وفي ظل سيادة أنماط من العولمة المتزايدة في عصرنا الراهن، وتزايد تعقيداته، لم تغير الصيغ والمسلكيات الديمقراطية على تعددها من بيروقراطيات الهيمنة وسيطرة النخب، بقدر ما وسعت من هيمنة الشركات وأصحاب المصالح العابرة للحدود، لتنشأ عولمة عرفت كيف تكيف انحيازاتها وتحيزاتها، خضوعا للكارتلات الكبرى، العاملة ضد التغيير وعمليات الإصلاح الممكنة والضرورية في نطاق الدولة والسلطات التي تسعى لتأبيد شكل من الاستقرار، طالما أن مصالحها تقتضي القفز وبخفة عن حقائق عالمنا المعاصر واحتياجاته المهمة والملحة والراهنة للدولة/الأمة، بمميزاتها القائمة على سرديات المواطنة الحقة، لجهة تأمين العدالة والنزاهة والكرامة لكل مواطنيها.

Hits: 6

الوسم


أترك تعليق
follow this link for more
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°