أحدث الأخبار

جولة ترامب في ميزان السيئات الأكبر فلسطينيا/ ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخ

مثلما انتهى لقاء الرئيس عباس بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن في أوائل الشهر الجاري، كذلك انتهى لقاؤهما في بيت لحم، من دون وجود أي مؤشرات إلى كون جولة جديدة من المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية باتت أمرا محتملا أو مفروغا منه، على قاعدة ضرورة إيجاد دولة فلسطينية إلى جانب دولة الكيان؛ وهو الهدف الذي لم يمل الفلسطينيون والعرب وآخرون من ترديده والإلحاح عليه، فيما الإسرائيليون لا يلوحون إلا بـ “إسرائيلهم” كونها الغيتو الأكبر لـ “الدولة الواحدة”، التي تضم في جنباتها بعض الفلسطينيين كذلك، في تغييب واضح ومتعمد لدولة فلسطينية مستقلة، أو ذات سيادة، أو منزوعة السلاح.

وجل ما في الأمر أن الحديث المتواصل عن “السلام” لا يعني ولن يعني اسرائيليا وأميركيا ضرورة “استحداث” مثل هذه الدولة، بقدر ما يجري السعي لعدم الاعتراف الإسرائيلي بوجود شريك فلسطيني، بدل الاعتراف بحقيقة وواقعية عدم وجود شريك إسرائيلي جدي حتى الآن، يبادل السلطة الفلسطينية أو غيرها الشراكة في التفاوض للوصول إلى “تسوية سلام” ممكنة بين الجانبين.

لقد انتهت جولة الرئيس الأميركي في المنطقة، من دون أن يرد على لسانه أن “حل الدولتين” يمكن أن يكون أحد الخيارات الممكنة أو البديلة الذي يمكن أن يؤدي إلى السلام، بل هو أكد حين التقى نتنياهو في واشنطن، أن حل الدولتين ليس السبيل الوحيد لإنهاء الصراع، وها هو في جولته الحالية التي انتهت يوم الثلاثاء الماضي، في أعقاب لقاءيه نتنياهو وعباس، عاد ليؤكد انفتاحه على خيارات بديلة، وهو ذات الموقف الذي ما فتىء يردده منذ وصوله إلى البيت الأبيض، من دون أن تؤثر فيه أحلام أو أوهام مستقبليه من العرب أو الفلسطينيين. رغم ما يسجله ترامب من تمايزات واضحة في افتراقه عن عقود السنوات التي امتازت بها السياسات الأميركية  حيال “حل الدولتين” في العديد من عهود الإدارات الأميركية المتعاقبة، ولم يكن بالإمكان التقدم ولو ربع خطوة نحو هذا الحل، وها هو ترامب من البداية يرى أن خيارات أخرى قد تكون ممكنة، مما يتوافق فيها مع توجهات اليمين الإسرائيلي المتطرف، لا مما يراه الفلسطينيون والعرب والمجتمع الدولي، فقد تماهى خطاب ترامب مع سياسات نتنياهو، ولم يأت على ذكر ما أراده الفلسطينيون أو حلموا بسماعه، عن معاناتهم بفعل الاحتلال والاستيطان، بل هو تجاهل معاناة الفلسطينيين وأطفالهم، في وقت تحدث فيه عن معاناة الأطفال الإسرائيليين.

وفي ظل طغيان أحاديث الصفقات، والبُعد عن منطق الحقوق، والتماهي مع منطق التجارة، من الطبيعي ألاّ يوحي كل هذا بالثقة، ولا بالمصداقية، ولا يجب أن ينساق الطرف الفلسطيني، إلى التعاطي مع القضية الوطنية، وكأنها الأقرب إلى المشروع التجاري الذي يستوجب التوصل إلى صفقة عقارية، بل إن المسألة برمتها تستوجب التعاطي معها كقضية مشروع وطني، وقضية حقوق وطنية ثابتة ومقدسة، وحقائق تاريخية وجغرافية وديموغرافية، تضمها وتحتويها وتصادق عليها طبيعة الهوية الوطنية التي عكست تمثيلها الأمين للهوية الوطنية الفلسطينية، كما كانت قد تأسست طوال تاريخها؛ رغم مرور قرن على “وعد بلفور” الذي أباح للحركة الصهيونية إقامة كيانها الاستعماري الاستيطاني فوق الأرض الفلسطينية، ورغم التسهيلات والتواطؤات والحمايات والمساعدات التي تأمنت لهذا الكيان، كي يستمر كل هذه السنين، من دون أن تنكسر شوكته حتى على جبهة المفاوضات، أو تراجعه عن مساحات احتلاله لكامل أرض فلسطين التاريخية، في ظل حصاره لقطاع غزة، وتأثيراته الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية على حياة سكانه، وحياة اللاجئين في كل أماكن الشتات.

وفي تتبع لا يخلو من دلالة على منطق الصفقات، ما كانت أشارت إليه صحيفة “جويش انسايدر” الأمريكية، قبل أيام من اللقاء الأول بين عباس وترامب، في تقرير لها حول الدور الذي يقوم به رون لاودر، رئيس شركة مستحضرات التجميل، ورئيس “الكونغرس اليهودي العالمي”، بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.. حيث ذكرت أن الرئيس عباس استعمل رجل الاعمال لاودر وشريك رجل الاعمال الفلسطيني د.عدنان مجلي كقناة سرية، مع الادارة الأمريكية، ما اثار غضب الجالية اليهودية في امريكا، والتي أطلقت على رون لاودر اسم: “رجل عباس في واشنطن”.

وكان موقع “ميدل إيست آي” قد كشف قبل يومين من جولة ترامب، أن الرئيس محمود عباس سيعرض على ترامب خلال زيارته الأراضي الفلسطينية، خطة تتضمن تخلي الفلسطينيين عن 6.5 في المئة من أراضيهم لإسرائيل، علماً أن المعروض فلسطينياً كان 1.9 في المئة، أي ثلاثة أضعاف هذه المساحة تغطي بمجملها المستوطنات الكبرى في الضفة. ونقلت عن مسؤول فلسطيني مقرب من منظمة التحرير الفلسطينية قوله إن العرض يستثني القدس، إلا أنه في ما يبدو يكرس رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت لتسوية سلمية للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.

على قاعدة مثل هذه المعطيات وحقائقها الماثلة، ليس من السهولة أو حتى الحماقة، نشوء ظروف تسوية تاريخية، لها طابع الصفقات، بالنظر إلى ذهنية القائمين بها، وبالتالي لا إمكانية لنشوء “صفقة تاريخية” يباهي بها أصحابها في المنطقة وفي العالم، وكأنهم يحققون إنجازا تاريخيا هاما، على ما تأمل إدارة ترامب والرئيس الفلسطيني محمود عباس، في وقت لا تجد إسرائيل ومعها حكومتها اليمينية المتطرفة من دواع لمثل هذا التفاؤل بصفقة من هذا القبيل، طالما هي تحدد مواقفها النهائية على قاعدة الاحتفاظ بالمكان (الفلسطيني) رغم الاتفاقيات التي أبرمتها منذ أوسلو وحتى اليوم، وبالتالي فهي ليست مضطرة لإرضاء الطرف الفلسطيني، الذي لطالما رفضت وترفض اعتباره شريكا تفاوضيا، وكانت قد أفشلت كل جولات التفاوض معه في كل مراحلها، من دون أن تجد من يضغط عليها إقليميا أو دوليا.

وفي الوقت الراهن لا يبدو أن من أولويات التحالف الاقليمي الذي رعته الإدارة الأميركية، السعي جديا نحو تحريك المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية، بما يمكن من زحزحة الإسرائيليين عن موقفهم المعتاد، في إصراره على حكم ذاتي منزوع السلاح والسيادة، وسيطرة على كامل حدود فلسطين التاريخية  مع الدول العربية ومنها الاحتفاظ بالأغوار مع الأردن، حتى لا يكون هناك تواصل فلسطيني مع أي دولة عربية، يمكن أن يغري بالمطالبة بالسيادة فلسطينيا على الأرض.

فإذا كان هذا هو مضمون الصفقات المحتملة، فأين “التاريخية” في مثل هذه التضحية البائسة بوطن الشعب الفلسطيني على مذبح التوافقات الإسرائيلية – الأميركية التي تجر معها توافقات إقليمية أخرى تابعة، عاجزة بأوزانها عن التأثير أو ممارسة الحد الأدنى من الضغوط للحفاظ على الحقوق الوطنية الفلسطينية، التي يفرّط بها بعض أصحابها لمزيد الأسف؛ من أجل دولة/حلم باتت شعاراتية، وليست واقعية في ظل استمرار وتواصل الاستيطان والممارسات الاحتلالية الفاشية، والإصرار على جعل الوطن الفلسطيني “وطنا قوميا ليهود العالم”.

Hits: 14

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°