أحدث الأخبار

مجازر الرواتب وظلم ذوي القربى/ ماجد الشّيخ  

+ = -

ماجد الشّيخ

بين السياسة الوطنية وضرورة توكيدها وحسبانها على مفاهيم التحرر الوطني، والسياسات العدمية التسلطية والتدينية الساعية لقولبة المجتمع المحلي المدني، واختراقه وفرض مفاهيم استبدادية وشمولية عليه، بالإكراه وغلبة الرؤى الفردية والأحادية والوحدانية، أو الخلط بين هذا وذاك، وإحلال قيم ومفاهيم وأخلاقيات تتنافى والقيم المدنية الإنسانية المشتركة عالميا،

والدينية الأكثر تنورا وانفتاحا وتسامحا؛ بين هذا وذاك لا يمكن استمرار التعايش واستقرار أحوال الناس في مجتمعات طبيعية، جل ما في الأمر أن التعاكس الدائم والتصعيد الدائم في حال التسلط والاستبداد، لا يمكنه أن ينتج استقرارا يساعد الناس على التفكير بعمق، في قضاياها الوطنية أو المعيشية، أما مواجهة الاحتلال فهي أقنوم آخر من أقانيم قوى تمتلك طبيعة خاصة، لا تتدهور أحوالها مع تدهور أحوال سلطة الاستبداد السياسي والديني، كما في بلادنا عموما، وفي فلسطين تحديدا.

ولئن كان هناك على الدوام من يخدع الناس أحيانا، ويخادع نفسه دائما، فتلك طامة كبرى يرتكبها النزوع التسلطي، من دون أن يرف له جفن؛ ذلك أن أصحاب هذا النزوع والمنازع الطغيانية، يتعامون دائما عن نتائج ما يزرعوه في التربة المجتمعية والثقافية والسياسية، ليحصد المجتمع تلك الثمرات المرة التي لا تتوافق مع قيم وأخلاقيات ترسبت عبر القرون، بعيدا عن القولبات الأيديولوجية الظلامية التي بدأت تتسرب عبر مسلكيات فقه التوحش، والعنصريات المذهبية الشعبوية والشعوبية لدى دواعش عصرنا من كل الاتجاهات والتوجهات، وتحت ظلالها يراد لمجتمعاتنا الخضوع والاستسلام المهين لطغاة السلطة الأبوية وطغيان الاحتلال.

وإذ لم يعد من أمل في “مصالحة” باتت من الماضي، فيما الانقسام سيبقى سيد الموقف، طالما أن المستثمرين والمنتفعين منه، يوظفون جل طاقاتهم في خدمة النزعات السلطوية، وهي تسعى بدورها وعبر نزوعها الغريزي التدميري الذاتوي، للبقاء رهينة التحكم بقضية شعب بات يوقعها الانقسام السياسي والجغرافي، والتشدد الأيديولوجي وتطرفاته المتنوعة، ضحية التلاعب الفئوي والفصائلي والإقليمي والدولي، على الضد من إرث وتراث شعب فلسطين وتقاليده وقيمه وأخلاقياته التي تؤكدها هويته الوطنية.

أما كل هوية أخرى، يدعيها ويزعم البعض إنها بديل الهوية الوطنية الجامعة، التي حازها ويحوزها الفلسطينيون على مر الأزمان، فهي دخيلة على هذا الشعب، الذي يستحيل اختزال تاريخه بهذا الرداء أو ذاك الزي والرايات السوداء، فقد أرخت الأرض لتاريخ شعبها من دون تدخلات أصحاب الغايات البطريركية ونزوعهم السلطوي الغريزي المدمر للذات، ولقضية شعب يريد أن يؤكد للجميع أنه الأحق بامتلاك الأرض، والأحق بأن يؤرخ هو لا غيره لسرديات وجوده على هذه الأرض.

وليتذكر الجاحدون من كل الأطراف أن الحقيقة لا تحوزها السلطة – أي سلطة – بل هي ملك الناس، جميع الناس المهمومين بالأرض التي يساقوها على الدوام بسقيا العرق والدموع والدماء. والوطن الفلسطيني كما كان قبل الاحتلال، وكما سيكون بعده، لن يكون إلا وطن كل مواطنيه الأحرار، من دون تصنيفات الأكثرية والأقليات وتقسيمات وتقاسمات الطوائف والمذاهب، والمناطق والجهات، وخزعبلات أصحاب السلطة أو السلطات الأبوية. فهل من يتعظ من بؤس المشروع التدميري الذاتوي بهوياته الفئوية القاتلة، فيستعيد ألق الكفاح التحرري، وليستفيد من بأس المشروع الوطني الفلسطيني صاحب الهوية الوطنية الجامعة للكل الفلسطيني؟ وفي الأخير حق لنا أن نسأل: ما الذي يراد لفلسطين أن تكونه، سوى أن تكون على صورتنا جميعا؟ أم أن هناك من يراها من منظوره الضيق على صورته هو، كذات باتت تضيق بما يفترض أنه الموضوع الجامع للكل الفلسطيني.

ما الذي يجري اليوم في فلسطين، أو تحديدا في أراضي السلطة الفلسطينية، وهي ما يفترض أن تكون السيادة فيها للدولة الفلسطينية المفترضة بعد إنجاز مسلسل المفاوضات؛ وقبل ذلك ماذا يراد لفلسطين أن تكونه، تحت سلطة هنا أو هناك لا تمتلك سوى أن تقوم بأدوار تسلطية تعادي السياسة والمجتمع والناس، حين يطلقون صرخة المظلوم في وجه الظالم الجائر. فلا يجدون من ينصرهم لا في مواجهة الاحتلال ولا في مواجهة جور الاستبداد والسياسات الجائرة، وهي تتخطى حواجز الحكمة واللامبالاة بحياة المحكومين، ولم يبق سوى أن يصرخ الحاكمون وأجهزتهم الأمنية ومعهم الحرامية ذاتهم، على غرار صرخة الرئيس المصري أنور السادات الشهيرة يومها ضد انتفاضة جياع مصر بأنها “انتفاضة حرامية”.

لقد عاش فلسطينيو الضفة الغربية وقطاع غزة في الأيام الأخيرة، في حضرة روائح البارود وسرديات المجازر وإهانة الرواتب وانتهاك حرمات الحياة المعيشية للمواطن الفلسطيني، من قبل حكام “الأمر الأوسلوي” كما من قبل حكام “الأمر الواقع” والحصارات الإسرائيلية المطبقة. ولو تمعنا بعناوين بعض المواقع الفلسطينية والتغريدات، لوجدنا الآتي: تحذير من العواقب السياسية والاجتماعية لمجزرة الرواتب. ما جرى في مخيم الجلزون مجزرة. لا حكمة في قرار الخصومات من رواتب الموظفين ومسيرات احتجاجية. الحركة (فتح) لن تقف مكتوفة الأيدي أمام مجزرة الرواتب. جريمة الرواتب لن تمر وسنتصدى لها بكل الوسائل.

وإذ  طالب مركز الميزان لحقوق الإنسان السلطة الفلسطينية بالوفاء بالتزاماتها تجاه موظفيها والتقيد بنصوص القانون، أشار المركز وفق المعلومات الميدانية المتاحة، إلى أن الأمر لم يقتصر على عمليات الخصم التي طالت ٣٠٪، بل تجاوزته إلى قطع رواتب (٥٤٢) من العاملين سواء أساتذة الجامعة أو الإداريين المسجلين لدى وزارة المالية على ملاك جامعة الأقصى. هذا بالإضافة إلى أن الحكومة تدرس مشروع قانون التقاعد المبكر لقوى الأمن في السلطة، الأمر الذي قد ينطوي على مزيد من الإجحاف بحق الموظفين العسكريين.

في المقابل تقوم “سلطة الاراضي” التي تسيطر عليها حركة “حماس” في الحي الأمريكي شمال قطاع غزة، بتجريف الاراضي وتهيئتها لتوزيعها على موظفيها الذين لم يتقاضوا رواتبهم كاملة، ولهم استحقاقات مالية.  ولهذا الغرض أطلق عناصر من أمن حماس الثلاثاء 4 إبريل (نيسان) عدة رصاصات على قدم المصور الصحفي “عاهد بسام العبادي”، بعد أن قرر عدم خروجه من منزله، والذي تقوم سلطة الاراضي بتجريفه بذريعة أنه اراضي حكومية.

وحسب شهود عيان أن المصور العبادي، بعد أن رفض إخلاء منزله هو وأسرته، قام أحد افراد شرطة “حماس” بإطلاق النار على قدمه، مما أدى الى اصابته اصابة بالغة، استدعى نقله الى المستشفى الاندلسي. وحسب شهادة الطبيب المعالج أن قدم العبادي المصابة مهددة بالبتر، بعد أن تبين وجود قطع في الشريان والأوردة والأعصاب، الأمر الذي قد يعرض القدم للبتر.

هكذا وكأنه لا يكفي أن يكون الشعب الفلسطيني كله، في مرمى رياح الاحتلال، كي يفرض عليه فرضا، ومن قبل “قياداته” السلطوية، أن يكون في مرمى رياح العوز والإفقار وزيادة مظالمه مظالم أخرى، ليضع أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وفي قطاع غزة تحت مرمى تهديد السلم الأهلي المضاف إلى تهديد السلم الوطني، فأي عدالة وحكم رشيد يمكن أن تحققها السلطة الحاكمة والمحكومة في ذات الوقت لصالح أجندات غير وطنية، وما الذي يمكن أن تجلبه السلطة الفردية والأحكام السلطوية غير تعميق الأزمات الاجتماعية وخلق المزيد من الشروخ والانقسامات السياسية، وأي عدالة أو مساواة يمكن أن تحققها أنظمة سلطوية، لا تقيم سوى عند حدود الاختلالات البنيوية لوظائفها المتعارف عليها، وفي ما “تخترعه” و”تكتشفه” في سياق تسلطها من وظائف دخيلة، لا حسيب ولا رقيب عليها، وقد أتيح لها مع الوقت سلوك دروب التفرد ونهب المال العام، وكل هذا لا يفاقم سوى الكراهية وغضب الناس وتفلتها من ضوابط ومعايير الالتزام بما أرادته وتريده السلطة من انتظام محكوميها وانقيادهم لأوامرها، خاصة وأن المرحلة هي مرحلة تحرر وطني لا مرحلة بذخ ورفاهية سلطة، على حساب شعب يعاني مرارات الاحتلال وظلمه، وظلم ذوي القربى سواء بسواء.

Hits: 19

الوسم


أترك تعليق
follow this link for more
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°