أحدث الأخبار

ساحات لصراع “الأناوات” والهويات العدمية!/ ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخ

الوضع الوطني الفلسطيني ليس على ما يرام، بل هو أسوأ مما كان في كل مفاصل ومراحل الكفاح التحرري، منذ ما قبل أوسلو، وما بعد إنشاء السلطة الفلسطينية، وانقلابها ذاتيا، وتحولها موضوعيا، في اتجاهات لم تعد تؤشر إلى قدسية القضية الوطنية، ولا إلى التزام معايير ودلالات المسألة الفلسطينية كما تبدّت منذ نشوئها.

ففي غياب قيادة كاريزمية صلبة، لم يكن ليتوقع أن يستمر حال الوضع الوطني على ما كان عليه في بداية سنوات الكفاح الأولى، وفي ظرف موضوعي أشد تعقيدا وانفلاتا وانفلاشا مما سبق، ليس على الصعيد المحلي والعربي، بل والاقليمي والدولي، بحيث بات للطائفية وللتمذهبات الدينية والأيديولوجية أنظمة لم تعد تخجل من انفضاح أهدافها وتدخلاتها وسياساتها المداهنة، كما بات للعنصريات الشعبوية نظاما دوليا راعيا، يحنو على دولة الاحتلال الكولونيالي الاستيطاني الأكثر تجذرا في ممارسة الأبارتهايد، واضطهاد شعب آخر.

لقد “استعادت” القضية الوطنية الفلسطينية، في ظل واقع وشروط “الهيمنة العدوة” وآليات السيطرة للقوى المضادة للتاريخ والحداثة والتنوير، ولتطلعات الشعوب بالتحرر والعدالة والكرامة والديمقراطية، استعادت وضعية “الساحة” على ما كانته الساحة اللبنانية يوما، منذ بدايات الحرب الأهلية وما قبلها وما بعدها، وصولا إلى اللحظة التي ما فتئت تشهد العديد من التدخلات المتعددة في شؤون “الساحة/الوطن”، بدءا من تدخلات نظام “الشقيق” أو أنظمة “الأشقاء”، وحتى القوى الإقليمية والدولية.

وفي هذا التوصيف، لا يختلف منظور “الساحة” الفلسطينية، بل هناك العديد من أشكال التفوق النوعي في مدى التدخلات والتداخلات في ما تتعرض له القضية الوطنية، وهي تتحول إلى “ساحة”، مجرد ساحة لم تعد تجد لها في قواها الذاتية
وقيادتها المفترضة أي مرجعية من أي نوع، لا في مواجهة جبهة الأعداء، ولا في مواجهة الجبهات المتنافسة على وراثة منظمة التحرير، ومصادرة إرث قرارها الوطني المستقل، وتراثها الوطني كقيادة منفتحة ومتسامحة ومتنورة وعقل حديث. ولا في مواجهة محاولات تذويب الوضع الوطني الفلسطيني وإلحاقه بالوضع الاقليمي، واستكمال حلقات تفادي “حل الدولتين”، وذلك انسجاما مع تذويب الهوية الوطنية الفلسطينية، وهو الهدف الاستراتيجي الكامل للحركة الصهيونية منذ بدايات بدء تجسيدها كيانها الاستعماري، فوق أرض الوطن الفلسطيني.

لكن ما أتى ويأتي من بعض الوضع الوطني، انقساما وتشرذما وتباعدا عن الهدف الوطني العام، وخلق قيادات رديفة تنسق مع قوى خارجية إقليمية وأنظمة وتنظيمات وميليشيات “أممية” طائفية ومذهبية، يكاد يكون له الوقع الأعمق على زيادة الشرخ والتباعد بين قوى “الساحة” التي صارتها فلسطين، بفعل مسلكيات وممارسات بعض أبنائها وتنظيماتها ذات الصبغة الدينية، أو تلك المؤيدة لأنظمة الاستبداد المعادية لشعبها، وهي تنحرف عن بوصلة التحرر الوطني لتنشىء ساحاتها وملاعبها الخاصة، تنغيصا على قوى المشروع الوطني وفي مواجهته، بدلا من صب جهودها في مواجهة العدو الوطني.

لقد أمست سلطات التناحر الوطني، هي “اليد العليا” الغالبة، والأكثر نمذجة لسلوك البعض الخارج عن وطنية الكفاح التحرري الفلسطيني، والاتجاه للانخراط في سرديات مسلكيات لا علاقة لها بفلسطين (القضية الوطنية) سوى بالإسم، وما جعجعة مؤتمري طهران واسطنبول على اختلاف القوى التي شاركت في فعالياتها “السياحية”، سوى اللاقيمة المضافة لعهد تكريس الانقسام الوطني، السياسي والجغرافي، والفئويات السلطوية التي لم تعد تلتزم عهود تمثيل شعبها وقضيته الوطنية، بقدر ما انحرفت بوصلاتها للتمثيل عليه، لدى من أجادوا ويجيدون تجارة “التمثيل التضامني” الهادف إلى خرق وحدة الهدف الوطني، واختلاق قوى خارج الصف الوطني، ومنحها “براءة اختراع التمثيل”، وكل ذلك على حساب منظمة التحرير الفلسطينية التي لم تعد للأسف تجد من يدافع عنها، أو يعيد إليها اعتبارها  الكفاحي، ويؤكد على صيغة تمثيلها الكياني الموحد للكل الفلسطيني، إلا إذا كان ذلك في خدمة أهدافه الفئوية والفصائلية، وهذه قضية تدخل في صلب تحول الوضع القيادي الفلسطيني إلى “بطن رخوة”، لا يملك مقومات صلبة للدفاع عن ما يفترض أنه من مهامه الرئيسة، لا في مواجهة العدو، ولا في مواجهة من ينافسه على سلطة معلقة بحبال الهواء.

ولهذا تحولت السلطة إلى سلطتين، كلاهما تستميت دفاعا عن مصالحها ومصالح أفرادها، وتحويل المكان أو الأمكنة الفلسطينية إلى ساحات صراع دامية، بين أضداد يختلفون على كل شيء، ولا يتوحدون أو يأتلفون سوى على مبدأ الصراع الذاتي، من أجل تكريس سلطة “الأنا”. وهذا هو للأسف حال الفلسطينيين في لبنان (عين الحلوة)،- كما في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي ساحات الصراع الرئيسة مع العدو، أما انتقال سرديات ومفاهيم استثمار “عنصر الساحة” الصراعي الفلسطيني إلى تلك المؤتمرات الخلافية والإشكالية في كل من طهران واسطنبول وربما غيرها، فهو إيذان بالخروج من ميادين الصراع مع العدو الإسرائيلي، لا للتصادم معه، والإيغال في التنافس والتنازع بين “الأناوات” المختلفة، وبينها وبين تلك الأكثر والأشد اختلافا و”داعشية”؛ حتى باتت القضية/الساحة واحدة من مجالات التصارع التناقضي على الهوية، فيما الدين يتحول إلى ساحات تصارع دامية ضد كل الهويات الوطنية، وذلك في محاولة مستميتة لتدميرها من جهة، ومن جهة أخرى لتأكيد الهوية/العدم، فهل هذا ما يراد أن تبلغه القضية الفلسطينية على أيدي أصحاب الهويات العدمية؟.

Hits: 1

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°