أحدث الأخبار

“الـرّضـا بـما قـَـسـَّمَ الـقــَضا”!/ الدكتور عبـدالقـادر حسين ياسين

+ = -

الدكتور عبـدالقـادر حسين ياسين

فـرغـت ، في الأسـبـوع الماضي، من قـراءة التـقـرير السـنـوي لـ “الـمـعـهـد الـدولي لأبـحـاث السـلام” والتقـرير السـنوي لـ “صـنـدوق الـنـقـد الـدولي”.

كثيرون جداً، بالملايين ، هم الذين يجهلون ان كلفة الصراع الـعـربي ـ الإسرائيلي هي الأغلى والأعلى في مقابل أية كلفة أخرى، وبالنسبة الى أية منطقة أخرى في العالم.

فهذه البقعة المتأجّجة،
والموضوعة فوق نار النزاعات المختلفة،
والصراعات العميقة الجذور،
والحروب الصغرى والكبرى،
تعتبر ، وفقاً  لتـقـرير  “الـمـعـهـد الـدولي لأبـحـاث السـلام”،
الأكثر إنفاقا على التسلُّح في العالم.
والأكثر اشتعالاً بالحروب والاضطرابات والصراعات،
من كل لون ،
والأكثر تسلُّحاً،
والأكثر دمويَّة.

وتـعـتـبـر ، وفـقـاً لـتـقـرير “صـنـدوق الـنـقـد الـدولي”،
الأكثر فـقـراً، والأكثر تخلُّفاً،
وجهلاً وبؤساً وتعاسة…
وليس ثـمـة إمكانيـة للمقارنة مع منطقة أخرى أو قارة أخرى.

فـالـعـالـم الـعـربي هـو الأكثر ثراءً بالموارد الطبيعية،
والتي لا ينفق منها على مشاريع الإنماء ،
وتحسين الأوضاع المعيشية والخدمات الصحية ،
إلا النزر اليسير،
والأكثر إهمالاً حتماً، وعلى كل الصعـد،
وفي شتى الحقول والمجالات.
والأكثر بؤساً.
والأكثر كآبة.

دولـة عـربيـة واحـدة تملك نصف احتياطي العالم من الغاز الطبيعي.
وأمـيـر سـعـودي واحـد يملك ثروة توازي ثلاثـة أضـعـاف مـيـزانيـة بـنـغـلادش…
ثـمـة منظومتان لأثر الفقر على الشعـوب ،
منظومة توّلد التذمر والرفض والتعبير عن ذلك بشكلٍ ظاهرٍ ،
ومنظومة توّلد “الرضا بما قسم القـضا” …
وهناك أسباب عديدة تؤدي إما للمنظومة الأولى وإما للمنظومة الثانية .
والشعوب الـعـربيـة التي طال عهُدها بالإستبدادِ ،
والقمع وتقديس الحكام و”الإمتنان” الشديد لهم ،
هي الشعوب التي تعيش في ظلِ المنظومةِ الثانيةِ .

التفكيرالسلبي وسيادة القانون   تتشدق معظمُ الدول العربية بأنها ” دول سيادة القانون ” ،
وهو أمر يحلق في “سماءِ الكلامِ والتمني” ولا وجـود لـه في الواقعِ .
فمعظمُ هذه الدول تسود فيها القراراتُ الكبرى الصادرة عن ” سيادة الرئيس” أو “صـاحب الجلالـة” ، وهي قرارات غير ديموقراطيةٍ وكثيراً ما تكون مساندة للفساد والانحراف والمصالح الشخصية مع غيبةٍ شبه كاملةٍ لسيادة القانون.

وفي ظل مُناخٍ كهذا ، لا يكون من المُستغرب أن تتـفـشى السلبية ،
فالناسُ يشعرون بجدوى المشاركة في الأمور العامة،
عندما تكون محكومةً بحقِ بسيادةِ القانون ،
وعلى العكس،  فإنهم ينكمشون داخل ذواتهم ويتقاعسون عن المشاركةِ،
عندما تسود تصرفاتُ الأقوياءُ النابعة من الهوى أو المصلحةِ،
وغالباً ما تكون غير ذات جدوى بالنسبة للمجتمع .
وهكذا ، فإن هناك علاقة طردية بين “عـدم سيادة القانون” و “سلبية المواطنين” .  لقد أفـرزت الأنظـمـة العربيـة ما يمكن أن نطلق عليه ” ثقافة القطيع ” .
فالحكومةُ من جهةٍ تتعامل مع الشعب كقطيع من الأغـنـام .
والشعب ، من جهـتـه ، يعتاد على ذلك …
فيسلك المواطنون أشكالاً عديدة من السلوك تدخل كلها ضمن  سلوك القطيع،
حيث تتوارى الفردية التي هي أساس حقوق الإنسان.

ومن الواضح أن ثقافة القطيع لا يمكن ان تفرز الا السلبية،
فالإيجابية موقف فردي للإنسان بوصفه فرداً لا عضواً من أعضاء القطيع .
وينسجم مفهوم القطيع ونظرة الحكومة للشعـب كقطيع،
مع فكرةِ الشعبِ المجردة والمطلقة والتي لا تعني دائماً ،
أن الشعبَ هو مجردُ لفظٍ للتعبيرِ عن مفرداتٍ مفصلةٍ هي المواطنين .
وهكذا تكتمل الصورة :

فالطغيان يخلق كياناً وهمياً اسمه “الشعب”،
(ليس هو بالضرورة المواطنيين) ،ويخلق ثقافة القطيع ،
وفي ظلها ينعم الطغاة بسلبية هائلة من المواطنين (أفراد القطيع) ،
تبلغ قمتها عندما يكون السواد الأعظم من المتعلمين ،
مخاصمين للمشاركة في أية انتخابات وهو عرضُ طبيعي لثقافة القطيع .
ويـبـدو لي أن  الزعمـاء العرب باقون في السـلطـة حتى قيـام السـاعـة ،
طـالمـا أن الشعوب العربية ، بملايينها الـ 380 ،
إرتضـت أن تكون مجرد قـطيـع من الـخراف!!

Hits: 71

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°