أحدث الأخبار

المـَطـران هـيلاريـون كـَبـّـوتـشـي…سَــلامـاً!/الدكتورعبدالقادرحسين ياسين

+ = -

الدكتورعبدالقادرحسين ياسين

غـيـَّـبَ الـمـوت يـوم أمس، في العاصمة الإيطالية روما ، المطران هيلاريون كبوتشي ، مـطـران الـقـدس ، عن عمر يناهز 94 عاما.

في رقبته صليب، وعلى أكتافه هموم القضية، وفي عـيونه حلم فارق أذهان الكثيرين ، لكنه بقي متشبثاً بنبتة زيتون من القدس تختزن حنيناً الى ارض أحبها، ومقاومين أمـَّن لهم يوماً سلاحاً. اجتاز الحدود حتى اعتقـل متلبساً “بجريمة المقاومة” .

ولد المطران هيلاريون كبوتشي عام 1922 ، وفي عام 1965 أصبح مطرانًا لكنيسة الروم الكاثوليك في القدس. عـرف عـنه مواقفه الوطنية وانتماؤه للقضية الـفـلسطينية، فلم يمنعه مركزه الديني من دعم الثورة الفلسطينية ، واستثمار علاقاته مع الفاتيكان لتوضيح الممارسات والاعتداءات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني أمام العالم.

إعـتـقـلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي المطران كبوتشي عام 1974 ، ووجهت إليه تهماً عدة منها نقل السلاح والاتصال والتعاون مع جهات معادية لإسرائيل،  وحكم عليه بالسجن 12 عاما . قضى سنوات من محكوميته قبل أن يتوسط الفاتيكان ودول أوروبية للإفراج عنه وإبعاده حيث عاش في منفاه في روما.

في شهر شباط عام 2009 كان المطران كبوتشي على متن سفينة الإغاثة التي كانت تحمل الأمتعة والغذاء لأهالي غزة المحاصرين على يد السلطات الإسرائيلية ، وتمت مصادرة كل ما فيها وطرد كل من تواجد هـناك إلى لبنان. وكان المطران من ضمن المتضامنين مع الشعب الفلسطيني على متن السفينة “مافي مرمرة” في أيار عام 2010.

وعند سؤاله عما اذا كان “شفى غـليله” بمشاركته في أسطول الحرية يستنكر السؤال ويستفـيض: “المطران راع وأب لا يمكنه رؤية أبنائه يتعذبون ويبقى مكتوف الأيدي، الراعي عندما يرى الذئب مقبلاً يضحي بالغالي والنفيس لحماية قطيعه”. ويردف قائلاً: “أنا راع ، ورعـيتي هي الشعـب الفلسطيني بأكمله ، ورعايتي لا تتوقف عند رحلة هنا او محاولة هناك. ”

كان يرى صورة المسيح في وجه كل إنسان معذب مضطهد ويتساءل :”فما بالك إذا كنا نتحدث عن الشعب الفلسطيني الذي لم يشهد العالم في القرن الأخير ظلماً قاسياً كالذي كابده وما زال؟”

وفي أواخـر الـعـام 2010 نادى المطران هيلاريون كبوتشي بوثيقة تهدف إلى مخاطبة الكنائس الغربية من أجل الدفاع عن القدس والقضية الفلسطينية. وتعتبر الوثيقة مناشدة ورسالة من مسيحيي الأراضي المقدسة إلى كافة مسيحيي العالم بضرورة التحرك من أجل حماية المقـدسات في فلسطين وتحديداً في مدينة القدس لما تمثله من مكانة دينية خاصة لدى الطوائف المسيحية في شتى بقاع العالم.

لـقـد خـلـَّـف رحيل المطران كبوتشي حزناً عميقاً في قلب كل فلسطيني ، نظراً للسيرة النضالية الحافـلة والمواقف الوطنية التي تمسك بها المطران في دفاعه عن الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية إلى جانب مكانته وسمو منزلته الدينية.

جـَسـَّـد المطران كبوتشي في حياته نموذجاً للمناضل الصلب المتمسك بالقيم المدافع عن الحقوق والثوابت والرافض للمساومة. وشكل مــعلماً نضالياً يحتذى، عندما غـلّب النضال ضد الكيان الصهيوني على ما عـداه، وعندما جعل المكانة الدينية في خدمة هذا النضال.

كان صوتاً صارخاً في برية هذا العالم ، دفاعاً عن عدالة القضية الفلسطينية. وكانت أمنيته أن يعود إلى فلسطين وأن يدفن في ثراها المقدس . لقد عاشَ كالطيفِ الخفيِّ الجناحِ، ينأى بنفسِه عن أن يثـقـلَ عـلى أحدٍ بطلبٍ أو حاجةٍ، يأسرُ القريبَ والبعيدَ بتواضعِه، وجميلِ أخلاقِه .

ظـلَّ المطران هيلاريون كبوتشي وفيـاً لمبادئه حتى الرمق الاخير، يبحث بين الفرص عن احتمال جديد للعودة، ويرفض عروض الاستقرار في الشرق ويبرر ذلك بقوله: “لن أعـود من منفاي إلا إلى القدس، هناك دفنت قلبي، هناك ينتظرني لأعـود واسترجعه”.

عندما بلغني نبأَ رحيلِ المطران هـيلاريون كبوتشي إلى مثواه الأخير، إعـتراني حزنٌ عميقٌ، لم أتصور أنني ما زلتُ قادراً على تحمله في زمنٍ  اعـتدنا فـيه على فراقِ الـمـنـاضـلـيـن، واحداً تلو الآخر، كأجلٍ محتومٍ، في دنيا فانيةٍ، ربيعُها خريفٌ، وصيفُها شتاءٌ.

ليس مردُ الحزنِ أن الأجلَ اختطفَه منا ؛ فالموتُ لا ريبَ حقٌ، لا جدالَ فيه، لكني اعترف أنني فُجِعـتُ، لأنني شعرتُ أنني فـقـدتُ بفـقـدِه حيزاً واسعاً من ذاكرتي الشخصيةِ، ومَعْلَماً مضيئاً في نفسي. فمنذ لقائي الأولِ معه، عرفتُ أنَّه من النوعِ الذي يفـتخرُ الإنسانُ بمعرفـتِه، ويثري بصداقتِهِ؛ فقد كانَ رحمَه الله في حياتِه هادئَ الحركةِ، وفي نمطِ تعاملهِ مع الآخرِ خافتَ الصوتِ، شحيحاً بكلماتِه، غنياً بمعانيه، عميقاً بأفكاره.

بعدَ كلِّ لقاءٍ كنتُ أخرجُ بانطباعٍ جديدٍ، وإعجابٍ كبيرٍ، وتقديرٍ عالٍ، لما يظهرُ لي من زواياه المضيئةِ، المتجددةِ في مكوناتِ شخصِه، فقد كانَ رحمَه اللهُ كالدرةِ النادرةِ، لا تكشِفُ عن معدنِها إلا بالقدرِ الذي يرضيها.

كان عـندما يتكلمُ في قضيةٍ تعنيه، يتحولُ من شخصٍ هادئٍ، قـليلِ الكلماتِ، إلى متحدثٍ لبقٍ مندفعٍ، مليءٍ بالحماسِ، قويِّ الحجةِ، صلبِ القـناعةِ لا تملكُ لنفسك عـنه حولاً، إلا الانصياعَ له، والإيمانَ بما يقول.

إن هذه الصورَ المبتسرةَ اليسيرةَ، لم تكنْ سوى لمحاتٍ سريعةٍ مختارةٍ على عجالةٍ، من شريطٍ محفورٍ في الذاكرةِ، لا تستطيعُ أن تعطيَ الفقيدَ حقَّه.

المطران هـيلاريـون كـبـوتـشـي
سـلامـا وتحيـة ،
فـفي التحيـة الحياة…
التحية هي المحافظة على وديعتك التي  أودعـتـهـا ،
لدى كل من لا يزال مؤمنـا بأن المقاومة هي كل ما نملـك ،
إنهم قليلون ، معزولون ، وهم ـ مع ذلك ـ يواصلون طريق المقاومة :
أبجدية من أعطوا للبشـرية ،
عبر تاريخها الحضاري الطويل الذي يمـتـد عبر آلاف السنين ،
ما تستحق به الاقـامة على الأرض .
ستبقى علماً خفاقاً في تاريخنا وملهما للأجيال التي ستقتفي أثرك مناضلا وشهيداً،
وسيسجل شـعـبـنـا اسمك بالنور في شوارع القدس،
التي عشقـتها وأفـنيت عمرك من أجل حريتها.

 

Hits: 49

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°