أحدث الأخبار

الـمـثـقـفـون الـعـرب وعـقـلـيـة الـقـطـيـع..!/ الـدكتور عبد القادر حسين ياسين

+ = -

الـدكتور عبد القادر حسين ياسين GetAttachment

شهدت السعـودية في الأسـبـوع الـماضي تظاهرات في مختلف المدن والمناطق ، تضامناً مع المعتقلين السياسيين. المشاركون الذين طالبوا بالافراج عن أبنائهم المعتقلين منذ أعـوام دون محاكمات، ردّدوا شعارات تـنـدد بأسلوب وزارة الداخلية “الممنهج في اعـتـقـال المواطـنـيـن وزجـّهم في غـيـاهـب السـجون دون حـسـيب، وبالمحاكمات القضائية الصورية التي تخضع لسلطة النظام الحاكم”. وفي هذا السياق، شارك المئات بمسيرات مطالبين “المنظمات الحقوقية والدولية بالتدخل العاجل للضغط على النظام الحاكم لوقـف مسلسل الاعتقالات والتعـذيب الذي طال الألوف “.

والـغـريب أن أحـداً من المثـقـفـيـن العرب  لـم يـكـتـرث ، حتى هذه اللحظة ، بمأساة نخبة سعـودية من المفكرين والمحامين والناشطين في مجال حقوق الإنسان. فـبـيـنما ينشغـل البعـض بقضية منع المرأة السعودية من قيادة السيارة ، ومنعـهـا من السفر “بدون محرم”  نجد أن هـذه النخبة ممنوعة من السفر حتى مع محرم. معظم هؤلاء من “ضيوف” السجون السعودية المنتشرة في طول البلاد وعرضهـا … خرجوا من السجن في السنوات الأخيرة ليجدوا أنفسهم في سجن أكبر حيث يحرم عليهم التنقـل والسفر إلى خارج البلاد حتى خلال عطلة صيفية يقضونها مع أطفـالهـم.

نذكر على سبيل المثال لا الحصر الدكتورمحمد سعيد الطيب ومتروك الفالح وعلي الديميني ومئات غيرهم أمضـوا سنوات طويلة في سجون النظام السعودي ، لا لسبب إلا لأنهم تجاوزوا الحظر المفروض على التعاطي بما يسمى الشأن العام . فالنظام السعودي يعتبرهم متطاولين على العائلة المالكة عندما يحلم هؤلاء بمشروع إصلاحي ينتشل البلاد من حالة التخلف السياسي والفساد الإداري والمالي وانعـدام العـدالة الاجتماعية واستقلالية القضاء.

وعندما إرتقى الملك سليـمـان بن عبدالعزيز العرش خرج هؤلاء وأصدقاؤهم من السجن الصغير بـ “مكرمة ملكية” وكأنهم مجموعة  من المتهتكين ضبطت متلبسـة باللواط تحت أستار الكعـبـة ، أوعصـابة من عـتـاة المجرمين  خرجت عن ثوابت العـقـيـــدة. ولكنهم اليوم يعيشون مأساة الحرية في السعودية وسجنها الكبير.
لـقـد ثبت بالتجربـة المؤلـمـة أن النظام السعودي لا يريد فكراً أو ثقافة سوى تلك التي تكرس هيمنته وتمجد “إنجازاته” على مرّ العصور. يريد النظام إنساناً يأكل ويشرب وينام ويمارس وظيفتـه العـضوية فقط لا غير. لا يريد كاتبـا أو صحفيا يحلل ويفكر ويعـرّي خطابه المبتذل ومواقفه المخـجـلة ؛ بل يريد أبـواقـا تردد الأسطوانـة المشروخـة  الرسمية بأنه “ليس بالامكـان …أبـدع ممـا كان!”.

لقد غـيـَّب النظام السعودي محاولات تجديد الخطاب السياسي والديني معاً . وبينما أفسح المجال لروايات المراهقة ، وخاصة تلك التي أصدرها كتاب النظام والتي تنبش المخزون الجنسي للشباب السعودي ، نجد انه يحارب دوماً أي محاولة لانتشـــال البلاد من ركودها الفكري.
وبينما تتداول وسائل الإعلام السعودية مثل هذه القصص والروايات المبـتـذلـة على صفحات الجرائد المحلية والفضائيات نجد أن الفكر الذي يحلل بواقعية ويطرح حلولا معقولة قد غـُيـِّب كلياً عن الساحة الإعلامية. فـأصحاب هذا الفكر يمنعون من الظهور على شاشات الفضائيات ليشرحوا رؤيتهم لمستقبل البلاد ونظرتهم لمأساتها الحالية وحلولهم المستقبلية.

فلماذا لا تستضيف محـطـة “العربيـة”  مفكرا مثل عبد الله الحامد ـ مثلا ـ  ليشرح لنا معنى العدالة في الإسلام  ، ومعنى المجتمع المدني ، ومغـزى الشورى في الإسلام؟ وكلها موضوعات قد كتب عنها هذا المفكر المُـجـدد… ولماذا لا تـقدم لنا مـحـطـة MBC اطروحات متروك الحامد بخصوص “التنمية المبتورة” والتي لم تصل الى منطـقـتـه الشمالية؟ لماذا لا يـُسـتـضـاف هذا المفكر ليحدثـنا عن تبعـيات هـذه التنمية ومخاطرها القادمة كما فعل على صفحات كتب لم تـُنـشـر إلا في الخارج ؟

ولماذا لا نستمتع بأمسية شعرية تستضيف الشاعر علي الدميني ليـُطرب مسامعـنا بكلمات خرجت من وراء القضبان ، وقوافي امتزجت بالعـزَّة في زمن الانبطاح؟ يـُغـَيـَّب كل هؤلاء لأن عندهم الفكر الذي يـُعـَرّي الخطاب الرسمي أمام ملايين المشاهدين العرب ، ولا يبقي لهم سوى الفضاء الالكتروني ومعـظمه يتم حجبه عن طريق المجهود الجـبـار الذي تقوم به السلطات السعودية. لماذا يبقى هؤلاء محرومين من مخاطبة المشاهدين للتلفزيونات العربية بينما يتصدر المجلس من هو غير قادر إلا على المديح والإطراء والتبجيل والتقـديس و”مسـح الجـوخ” ؟.
لماذا يـُسمح لشعراء الغـزل الرخيص و”الحكواتية” بالسفر الى خارج البلاد ويبقى هؤلاء محاصرين في بلادهم دون جوازات سفر؟
لا يوجد أي سبب لمنع هؤلاء من السفر، فهم ليسوا مجرمين ولا مختلسين للاموال العامة او الخاصة ، وليسوا “مـُفسدين في الارض” … جريمتهم الوحيدة أنهم تـحـدثوا عن أحـلام بسيطة ربما تتحول في المستقبل الى كوابيس تقلق النظام … وبينما يـُسمـــح للشباب الضائع والتـافـه بالسفر الي الخارج لكي ينشروا غـسيلهم القـذر في العـواصم العـربية والأوروبيـة نجد أن النخب الفكرية الجريئة مصادرة حقوقها في التنقل والكلام.
ولا يحتاج المرء الى خيال جـامح لكي يتصور مدى الضغـط النفسي الذي يعـيشه كل من في عقله ذرة فكر ، وفي وجدانه نخوة، وفي عاطفته صدق، مع قضايا العرب والمسلمين. ثـمـة مأساة حقيقية يعيشها هؤلاء بعيداً عن الأضواء وخلف الكواليس. والاسماء التي ذكرتها هـنا ليست إلا لمجموعة صغيرة مُحـيدة ،  ولكن هناك المئات يعانون من نفس المشكلة والجور. وليس لهؤلاء ملجأ كجهاز قضائي مستقل يحسم أمرهم ويطلق سراحهم. قضاياهم تبقي عالقة ومعلقة وفـقـا لأهـواء أصحاب السمو الملكي.

قبل أكـثـر مـن 40 عـامـا كتب الشاعر المصري المناضل أحـمـد فـؤاد نجـم قصـيدته المشهورة “ممنوعـات” وكان يتـحدث عن كل العرب الممنوعين من الاحتجـاج عـنـدما قـال :

“ممنوع من السفر ،
ممنوع من الغـنا ،
ممنوع من الكلام ،
ممنوع من الاشتياق ،
ممنوع من الاستياء ،
ممنوع من الابتسام ،
وكل يوم في حـبـك ،
تزيد الممنوعات …
وكل يوم باحبك ،
أكتر من اللي فات …
حبيبتي ، يا سفـينة ،
متشوقة وسجينة ،
مـُخبر في كل عـقـدة ،
عـسكر في كل مينا ،
يمنعـني لو أغير ،
عليكي أو أطير ،
بحضنك أو أنام ،
في حجرك الوسيع ،
وقلبك الربيع ،
أعود كما الرضيع ،
بحرقة الفـطام …
حبيبتي ، يا مدينة
متزوقة … وحزينة ،
في كل حارة حسرة ،
وفي كل قصر زينة ،
ممنوع من إنّي اصبح ،
بعشقك أو أبات …
ممنوع من المناقشة ،
ممنوع من السكات ،
وكل يوم في حبك ،
تزيد الممنوعات…
وكل يوم بحبك ،
اكتر من اللي فات..!!”

وبـعــد ؛
في بـلـد تحـكـمـه القبيلة ،ويكرس عـقليـة القطيع….
ربما ينبغي على هذه النخب أن تحسم خيارها الآن … وقبل فوات الأوان.

Hits: 64

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°