أحدث الأخبار

إرادة المعرفة وإكراهات السلطة / ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخmajed1

بين السلطة والمعرفة أكثر من وشيجة اتصال وانقطاع أو انفصال، إذ ليست كل سلطة عارفة بالضرورة، ولا كل معرفة يمكن أن تكون قرينة سلطة، لا بالضرورة ولا بالاضطرار، ومثلما هناك سلطة انبنت على المعرفة، وإن تكن نسبية، كذلك هناك سلطة لم تنبن على أي من أدوات المعرفة، بقدر ما نشأت على الجهل بكل ما يحيط بها، ونعني بها هنا “السلطة الجاهلة” وهي نقيض السلطة العارفة أو العالمة بكل ما يحيطها من تفاصيل السياسة والاجتماع والفكر والفلسفة والعلوم، وإن بحدود معرفية، تؤهلها الخوض في عالم السياسة المعاصرة والفكر الحديث؛ وبالتالي العيش وسط عالم أبرز سماته التطور والتطوير واللحاق بسلم الحداثة، لا الاقتصار على التحديث فقط.

المعرفة – حسب فوكو- هي في واقع الحال دالة سلطة، بمعنى أن “كلاّ من السلطة والمعرفة يتضمن الآخر مباشرة، حيث لا توجد علاقة قوى من دون مجال معرفة يمثل البنية المترتبة عليها، ولا أي معرفة لا تفترض مسبقا ولا تؤلف في الوقت نفسه علاقات قوى”.
صحيح إن السلطة ينبغي لها أن تتأسس وسط حضور طاغ من المعارف، إلا أن كل سلطة قد تتصرف على هواها وهوى مصالحها، كما وعلى هوى مصالح أتباعها ونظامها الأمني، وأيضا وفق مصالح مشغليها، وليس بالضرورة وفق الصالح أو المصالح العامة، فمن مهام مراكز الأبحاث إنارة الطريق أو إعتامها أمام السلطة، في حلقات مترابطة من التواطؤ وتبادل المنافع ما بين الأداة الباحثة وتلك الحاكمة، حيث أن المعرفة ليست محايدة دائما، وامتلاكها قد ينفع كما قد يضر، وذلك بحسب من يريد استعمالها أو استخدامها وظيفيا، لهذه المصلحة أو تلك، أو لصالح سياسة ما أو سياسات طابعها التوظيف الاستعمالي لمجموع المعارف التي تضيء دروبا واسعة، وتنير فضاءات أوسع من أفق أي سلطة أيا كانت أو تكون: أسرية/عائلية، عشائرية أو قبلية، طائفية أو مذهبية،  مدنية أو عسكرية، محلية أو إقليمية أو دولية، حيث تأخذ السلطة ما يتوافق معها ومع مصالحها، وتترك الباقي إما للتنازع أو الصراع؛ تنازع وصراع الآخرين على جوهر سلطة لهم يرومون استملاكها أو الاستئثار بها أو استعادتها، وهم الذين يرون حقا لهم فيها مضاعا.

كل معرفة سلطة، لكن ليس كل سلطة خليقة بالمعرفة، من هنا قصور السلطة عن الكمال أو التمثيل الحقيقي والواقعي لما تدعيه أو تزعمه عن نفسها من صورة نمطية أو معيارية، وهي على عكس المعرفة ليست خليقة بالتبجيل أو تصديقها على الدوام، أو الثقة في كل ما تذهب أو تسعى إليه، طالما إن حقيقتها والحقيقة التي تنتجها مشكوك فيها، وبذا فهي نقيض الحقيقة، بينما المعرفة لا يليق بها غير الحقيقة والتسامي بها عن صغائر السلطة، على أن عملية احتكارها هي في الجانب الجوهري، محاولة احتكار (السلطة) للحقيقة، وتوزيعها أو إعادة توزيعها، بما يتفق ومصالحها الخاصة.

من هنا يمكن التأكيد مرة أخرى إلى ما ذهب إليه فوكو، من أنه “لا يجب اعتبار السلطة وكأنها ظاهرة هيمنة واحدة موحدة ومنسجمة ـ كهيمنة فرد على مجموعة أو مجموعة على مجموعة، أو طبقة على طبقة ـ بل يجب أن نعرف أن السلطة ـ إلا في حالة تقديرها من أعلى ومن بعيد ـ ليست شيئاً يمكن تقاسمه أو توزيعه أو انقسامه بين الذين يملكونها والذين لا يملكونها، بين الذين يمارسونها والذين يخضعون لها”.

وحدهم العنصريون والمستبدون لا يربطون أنفسهم ودائما إلا بالسلطة، على حساب الحقيقة والقانون والأخلاق والدولة، السلطة هي الغاية والمرتجى، أما الدولة فهي مجرد أداة بائسة للقفز إلى السلطة وتجهيل المعرفة، وتكريس الامتيازات وجعل المال العام لعبتهم الأثيرة لتحويله إلى جيوبهم؛ أما حرصهم المبالغ فيه على الوطن والمواطنين، فليس سوى غطاءا يغطون به عنصريتهم الميالة على الدوام إلى الانحياز للاستئثار بالمواقع السلطوية واستملاك المزيد من المغانم، عبر نهب المال العام وعدم القبول بشراكة الآخر في عملية “التداوي” بالسلطة من أجل تكوين الثروة، أو “التداوي” بالثروة من أجل تجميع المزيد من أرصدة الهيمنة على السلطة، أما المعرفة فهي ليست أكثر من غطاء أمني للكشف عما يهدد موضوعة استملاك والاستئثار بالهيمنة السلطوية.
لنترك الجوانب النظرية قليلا، ففي الواقع العملي غنى كامل يتيح لنا رؤية الزاوية والجوانب كاملة، حين النظر إلى حقيقة السلطة وهي تعبث بأقدار الناس، وتلعب النرد بقوانين الهيمنة وآليات الإخضاع والتفتيت متعددة الأشكال، من الطغيان الاستبدادي إلى الطغيان الطوائفي والمذهبي، عدا طغيان الأفراد في كل حلقة من حلقات السلسلة الطويلة التي تتكون منها السلطة، بمن فيهم مجموع الأفراد الذين يمنحون السلطة آليات اشتغالها، ومادة خضوعها وإخضاعها وقهرها لكل الواقعين تحت مؤثرات ومفاعيل النفوذ والهيمنة السلطوية التي تعود إلى سلطة الفرد أولا، ومن ثم تنتقل إلى مجموعة أفراد تكونهم السلطة بفعل العديد من أشكال وآليات الإخضاع وتقنياتها المتنوعة، مكونة ما يمكن تسميته بيروقراطية السلطة العميقة، وهي نواة السلطة في اكتمالها واكتمال جوهرها المتوافق مع شكل أو أشكال الهيمنة التسلطية.

أما المعرفة في هذه الحالة فهي ليست أكثر من حالة أمنية بوليسية تتوزع على عديد الأجهزة الأمنية والبيروقراطية التي تشكل الدرع الواقي لجوهر الهيمنة السلطوية، وذلك استنادا إلى تقارير المعرفة/المعارف الأمنية. الأمر الذي يدفع إلى القول أو الاستنتاج أن سلطة المعرفة هي ما ينبغي أن تكون دالة وضرورة معرفة السلطة بقضها وقضيضها؛ وذلك عكس المنطق السائد القائل بالحد من المعرفة للتغطية على السلطة، أو بتهرب السلطة من الحقائق الملزمة؛ حقيقتها هي أولا، وحقيقة سلوكها وممارساتها قبل وبعد تكريس هيمنتها على عناصر القوة والإكراه التي صيرتها سلطة مهابة، تقف على النقيض من موضوعة المعرفة كسلطة للضمير والأخلاق والحقوق والمواطنة، في دولة تحترم ذاتها وجميع آليات وقواعد تواصلها مع مجتمع الناس الأحرار العارفين تماما، وبالضبط مضمون سلطتهم وحدودها وحدود كل سلطة نشأت أو قد تنشأ على الهوامش أو في قلب الاجتماع الإنساني، وها هنا يناضل الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي في مواجهة كامل تشكيلة أيديولوجيات الإعاقة والتعويق، تلك التي تتبناها سلطات جاهلة بالمعرفة، وكل ما تعرفه لا يتعدى تقارير “المعرفة الأمنية”.

لهذا فكما للسلطة هيبتها، كذلك ينبغي أن يكون للمجتمع هيبته، وللثقافة هيبتها، كونها إحدى الآليات الرئيسة للمعرفة، على أن تغول السلطة واستبداديتها ووحشنة سلوكها وممارساتها المنفلتة من قواعد الانضباط للقانون، هي بالضبط جراء تخلي المجتمع أو عدم قدرته وقدرة قواه ومكوناته جميعها، بدءا من المثقف وصولا إلى الأحزاب والنقابات ومجموع القوى الأهلية والمدنية، على حماية الحقوق المدنية والمواطنية والديمقراطية، أو الحفاظ على مصادر ومصائر المجابهة مع سلطة تنحرف وتتغول ولا يمكن ردها إلى جادة الصواب والرشد والحكمة، في ظل استحالة أي نوع من أنواع الإصلاح، حيث التغيير هو الدواء الأوحد الناجع في مواجهة كل سلطة جاهلة، كما في مواجهة كل سلطة في مسلكياتها “تعرف وتحرف”.

المعرفة هي التعبير الأسمى عن إرادة التحرر، بل هي دافع رئيس نحو التحرر من أسر الجهل، أو الجهالات التقليدية، الخاضعة لماض أو مواض عفا عليها الزمن، واندثرت سردياتها من غير ما رجعة أو رجوع، كونها تحولت إلى جاهلية “تجدد” ذاتها تكرارا ونكوصا، عن ما كانت أو تكون، وكلما أوغل فيها الزمن وسابقها فحتى لا تكون لها الغلبة؛ من هنا ضرورة تكريس معارفنا كدافع للتحرر، وتكريس تحررنا كدافع للمزيد من المعارف، وتكريس جدلية الحداثة كدافع للتقدم والتطور، وتطوير أدواتنا الفاعلة، على درب ابتناء سلطة معرفة إنسانية، خالية من إكراهات وإرغامات الاستغلال والاستعلاء والعبودية والإخضاع والخضوع.

Hits: 36

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°