أحدث الأخبار

الإتكاء المـُريح عـلى المـُسـَلــَّمات الغـيـْبـيـَّة..!! / الدكتور عبـد القـادر حسين ياسين

+ = -

الدكتور عبـد القـادر حسين ياسين GetAttachment

ليس ثمة شك في أن الاكتشافات العلمية والإنجازات التكنولوجية هي طابع هذا العصر.  نقرأ عن الإنجازات في الصحف اليومية والمجلات الأسبوعـية، ونراها مجسدة على شاشات التلفزيون. صور ناطقة تكاد أن تكون قابلة للـَّمس ، ومع هذا نجد الكثيرين ممن يتعصبون للدين، بالمفهوم القاصر والمشوَّه ، ينكرون كل هذه المشاهدات الحية للاكتشافات العلمية والإنجازات التكنولوجية الرائعة والخطيرة على مستقبل الجنس البشري قاطبة، وتراهم يدَّعون ببساطة بطلانها وزيفها.

وثمة فريق آخر لا يرى في هذه الإنجازات العـلمية موضوعاً قابلا للتأمل أو الإعجاب ، أو حتى ممارسة الدهـشة، ذلك أنهم يرون فيها “تحصيل حاصل”، وان كل ما يرونه من اختراعات ومنجزات وأقمار صناعية وصواريخ عابرة للقارات وسفن فضاء تجوب آفاق الأفلاك البعيدة والقريبة ورد ذكره  ، في رأيهم ، في القرآن.

ويستشهدون لك بالآيات القرآنية الكريمة ويفسرونها ويحللونها على النحو الذي تبدو لهم  ـ وحـدهم!! ـ  متطابقة مع هذه الاكتشافات العلمية الجديدة التي سفح الغرب والشرق من شبابهما وعمرهما أجيالا وأجيالا للوصول إليها.

أن هذا الإتكاء المريح والسهل على مثل هذه المسلــَّمات الغـيبية ، كفيل بان يقتل عند شبابنا وأجيالنا الصاعـدة دافع البحث والسؤال والتحليل والاكتشافات، وكفيل بأن يعمق الفوارق الحضارية بين المجتمعات النامية في العالم الثالث، وهو إحدى الدوافع الخبيثة لتعميق خرافة “التفـوق العرقي”، وإحباط كل القدرات والمواهب الخلاقة عند أبناء العالم الثالث في مجال التخصص العلمي.

إن الدول الإمبريالية ، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ، تعمل بلا هوادة على توطيد مثل هذه الـقـناعات الساذجة عند العامة، وعـند بعض المثـقـفـيـن ، لكي يوهموا أبناء هذه المجتمعات النامية بان بلادهم بالفعل هي “وطن الدين والأخلاق والروح” فقط، وان عليهم أن يكتفوا بهذا التقسيم ويألفوه ما دام هذه التقسيم يعمق في النهاية المسافة الحضارية بيننا وبينهم ، ويوفر لهم دائما أسواقاً لمنتجاتهم، ويضمن لهم في الوقت نفسه استثماراً كاملا للمواد الخام التي تزخر بها دول العالم الثالث، وبخاصة الدول العربية.

إن نقدنا للغرب أو رفضنا للعالم المـُصنـَّع لا يكون بالرفض أو الإنكار، ما دام هذا الإنكار يظل يراوح في الحدود الإقـليمية ، ويعمل على هـدم الدوافع الحرة الخلاقة للبحث والعمل والاكتشاف عند الشباب ، وما دام هذا الإنكار لا يقدم بديلا للمواجهة ، ولا يقدم خطاً علمياً وإنجازاً حضارياً خاصاً بنا
ويتفق مع القيم السائدة في مجتمعـاتـنـا :عـلـم يبني ولا يهدم،عـلم لا تستغـل منجزاته لقهر الشعـوب وسلبها حريتها.

في كتابه القيم”تأملات في الحضارة الغربية”، يقول الدكتور شين ماكبرايد، وزير خارجية آيرلندة السابق والفائز بجائزة نوبل عام1974 : “إن التقدم الذي شهدته العلوم في الغرب دليل على الانهيار الأخلاقي في العالم”.

ومن نافلة القول أن التقدم العلمي الذي شهدته أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية لم يصاحبه نمو معادل في المسؤولية الأخلاقية . ويؤكد علماء الاجتماع الأوروبيون أنفسهم أن السنوات السـبـعـين الأخيرة شهدت انهياراً كاملا في الأخلاقيات العامة . ونتيجة لذلك أصبح العلم غيـر مصحوب بالحكمة القائمة على المسؤولية الاخلاقية يشكل خطراً كبيراً على بقاء البشرية بكاملها.

إن “المسؤولية الاخلاقية” ، في رأي الدكتور ماكبرايد ، “تقتضي إيمانا أخلاقيا” بمهمة الإنسان وأخيه الإنسان ليعيشا معا، ويتقاسما معا الجمال والخيرات التي وفـَّرها لهم العالم.

لست ضد أي نقد يوجه للغرب والعلم في الغرب على صعيد التوظيف والتوجيه ، ولكنني ضد مبدأ الإنكار الكسول القانع بما هو عليه، والغافـل الذي لا يرى في الغرب ونهضة الغـرب الكبرى أي داع من دواع التحدي والمواجهة التي تتطلب منا فعلا تاسـيـسياً صحيحاً لنهضة علمية فيها من روحنا وقيمنا الشيء الكثير…

 

Hits: 16

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°