أحدث الأخبار

ما حكاية قرية الغجر المحتلة وشمالها اللبناني؟ / سليمان الشيخ

+ = -

سليمان الشيخ30

لكي يدرك القارىء حقيقة هذا العنوان، فإنه يتوجب فكفكة عناصر هذا التركيب الغريب الذي اجتمع تحت عنوان واحد، فقرية الغجر السورية المحتلة من قبل القوات الإسرائيلية تحتل موقعا فريدا، قلما توجد قرية أخرى شبيهة بها في الموقع والظروف التي أحاطت باحتلالها، ففي العام1967 وعندما هاجمت القوات الإسرائيلية الجولان السوري،

أصابتها الحيرة إزاء ما ينبغي فعله بالنسبة لقرية الغجر الواقعة على رأس سهل الوزاني اللبناني من الجهة الشمالية، وهي في موقعها هذا الذي يحاذي نبع الوزاني، وتحاذيها قرية المجيدية اللبنانية من الجهة الشمالية الغربية، في حين أن قرية العباسية اللبنانية أيضا تحاذيها من الجهة الشمالية الشرقية، أي ان موقع الغجر كما رسمته اتفاقيات العشرينيات من القرن الماضي، بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي، تم تثبيت موضعها في الأراضي اللبنانية، وتبعد عنها أقرب قرية سورية هي قرية بانياس، عدة كيلومترات في مرتفعات الجولان.
موقع قرية الغجر هذا أوجد ارتباكا لدى القوات الإسرائيلية، أثناء حرب العام 1967، ووفر وقتا وآخّر احتلالها كي تنجو هذه القرية من التدمير، في حين دمر الاحتلال الإسرائيلي مئات البلدات والقرى والمزارع في الجولان السوري بعد احتلاله، وأبقى على قيد الحياة خمس قرى فقط، من بينها قرى الغجر ومجدل شمس ـ وهي أكبرها في عدد السكان ـ ومسعدة وبقعاتا وعين قنية، نظرا لحسابات معينة لدى المحتل.

وكان الجيش السوري قد استعاد في أثناء حرب العام 1973 مدينة القنيطرة عاصمة الجولان، واستعاد أيضا نحو 600 كيلومتر مربع من مساحة تقدر بنحو 1850 كيلو مترا مربعا، وهي مساحة كامل الجولان والمساحة المتبقية نحو 1250 كيلومترا مربعا، ضمته إسرائيل إليها في العام 1981.
لم يستمر الاحتلال الإسرائيلي بالتنعم بالهدوء، حسبه أنه سيستمر طويلا، نظرا لفرضه القوة والبطش من قبل جنوده المتربصين في قرية الغجر، وعلى حدودها وعلى الكتف الشمنالي الغربي لنبع الوزاني الذي أقام في وسطه مضخة لضخ المياه لقرية الغجر والمناطق المحيطة بها. فقد واجهه سكان القرى التي بقيت على قيد الحياة بتحركات واحتجاجات وإضرابات عديدة، أشهرها الهبة الانتفاضية التي رفض فيها سكان القرى الجولانية الخمس، استلام الهويات الإسرائيلية التي فرضت عليهم بعد العام 1981، ومن بينهم سكان قرية الغجر، ورفع الجميع شعار «المنية ولا الهوية».

إذا ما كان عدد سكان قرية الغجر قد عد بالمئات في العام 1967، فإنهم أخذوا في الازدياد تدريجيا، ليصل عددهم بحسب بعض التقديرات إلى نحو ثلاثة آلاف نسمة حاليا، ولما كانت مساحة القرية محدودة ولا تحتمل الزيادة المتوقعة في عدد الوحدات السكنية التي أخذ أهالي الغجر يبنونها، ما ألجأهم للتوسع في البناء خارجها، وخصوصا في المساحات الشمالية المحاذية لها، وهذه المساحات الشمالية تعتبر من الأراضي اللبنانية. من هنا نبعت مشكلة التعقيد الحاصل في الترتيبات المتعلقة في حاضر ومستقبل هذه القرية.

وما يجدر ذكره هنا، أن القوات الإسرائيلية لم تمنع أهالي قرية الغجر من البناء في الأراضي اللبنانية، لذلك فهي شريكة ومتواطئة في ما آل إليه الحال بعد ذلك. وكان من الطبيعي أن تطلب المقاومة والدولة اللبنانية من القوات الإسرائيلية الخروج من الجزء الشمالي من القرية، والذي أقدمت إسرائيل على احتلاله في العام 2006.
وكان قائد القوات الدولية في الجنوب اللبناني ـ اليونيفيل ـ الجنرال مايكل بيري نبه قبل أيام قليلة، وبإلحاح إلى ضرورة مراعاة «الخط الأزرق» الذي ثبت الحدود الفاصلة بين لبنان والكيان الصهيوني، على ألا يتم تجاوزه أو العبث به، كما وأكد على ضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية الواقعة ضمن المساحة التي توسع بها أهالي الغجر وبنوا مساكنهم فيها. ونشير هنا إلى أن القرار الأممي رقم 1701 طلب من القوات الإسرائيلية الغازية أن تغادر الأراضي اللبنانية المحتلة منذ العام 1978، وكان قد توسع هذا الاحتلال ليشمل مساحات جديدة في العام 1982، فيما كان قد لاقى مقاومة شديدة أجبرته على إخلاء مواقع كثيرة، واستمرت المقاومة اللبنانية تقوم بعملياتها البطولية إلى العام 2000، حيث تم إجبار القوات المحتلة والمتعاونين معها من اللبنانيين، الخروج من لبنان ـ ما عدا مزارع شبعا وبعض تلال كفرشوبا.

وكانت القوات الإسرائيلية قد تمددت واستولت على المزيد من الأراضي في لبنان، وسيجت بعضها ومنعت حتى رعاة الماشية من اللبنانيين الاقتراب من نبع الوزاني ـ على سبيل المثال ـ وعدم سقاية قطعانهم من الماشية، وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى عشرات القرى المحيطة والقريبة من النبع، ومنعت عنها السقاية والارتواء، علما أن القانون الدولي المتعلق بالمياه، يؤكد على ضرورة استفادة البلدات والقرى المحيطة بمياه الينابيع والأنهار التي تنبع وتسير في أراضيها.
هذا وكان لبنان قد أقام مشروعا لسقاية القرى والبلدات اللبنانية القريبة من نبع الوزاني، من خلال جر تلك المياه بقساطل وأنابيب تم تمديدها في ظروف عصيبة، ووصلت المياه إلى بلدة الطيبة، حيث أقيمت خزانات لتوزيع المياه على بقية القرى القريبة.

المهم أن الأمم المتحدة ارتأت تحديد الحدود بين لبنان والكيان الصهيوني، نظرا للتجاوزات التي مارسها أثناء احتلاله، وفعلا فإن الطواقم الفنية أعادت رسم الحدود وقمعت بعض التجاوزات من خلال ما سمي بالخط الأزرق، وهو اللون الذي تستعمله الأمم المتحدة كشعار لها، كان ذلك في العام 2000، وبعد أن تم تحرير الجنوب اللبناني. أما بالنسبة لشمال قرية الغجر اللبناني، فإن القوات الإسرائيلية ثبتت الاحتلال بعد حرب العام 2006، ولذلك فإن لبنان الرسمي والشعبي يطالب بضرورة إخلاء القوات الإسرائيلية من تلك المنطقة، وتحرك قائد القوات الدولية في الجنوب اللبناني وتصريحاته، ما هي إلا استجابة للمطالب اللبنانية المحقة.

Hits: 24

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°