أحدث الأخبار

وعد بلفور  جريمة حرب استعمارية لم يشهد لها التاريخ/ بقلم : اكرم عبيد

+ = -

بقلم : اكرم عبيدlowest-price-brand-new-special-design-maplewood-fountain-font-b-pen-b-font-font-b-black

منذ تسعة وتسعين عاما أعطى وعد بلفور من لا يملك لمن لا يستحق واستولدت أطول وأعمق واخطر قضية سياسية حولت المنطقة العربية والإقليمية لساحة لصراع مفتوح بعد زرع الكيان الصهيوني المصطنع في فلسطين المحتلة بالقوة والعدوان وارتكاب أبشع الجرائم والمذابح بحق البشر والشجر والحجر .

والهدف سياسي اقتصادي تحت يافطة دينية توراتية خرافية تلموديه مزيفة بعدما تلاقت  المصالح الاستعمارية مع مصالح الحركة الصهيونية العالمية في قلب الوطن العربي بشكل عام وفي فلسطين بشكل خاص .
في أواخر القرن الثامن عشر تعرف مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل على الأسقف الأنغليكاني وليم هشلر في فيينا عام 1880وتبني فكره الصهيوني وتعمد ربط الفكر السياسي الصهيوني العنصري بالعامل الديني وقال” إن المشروع الصهيوني مشروع الهي وان العمل على تحقيقه امر يستجيب للتعاليم التوراتية “

وأصبح الأسقف بوقاً من أبواق الدعاية الصهيونية في أوربا وتعمد استثمار علاقاته الدينية والدبلوماسية لترتيب بعض اللقاءات الهامة مع القيصر الألماني ومع السلطان العثماني في تلك المرحلة للمساهمة في إقامة ما يسمى الوطن القومي اليهودي في فلسطين لكنه فشل .

وفي الحقيقة لم ييأس وانتقل إلى بريطانيا ورتب لقاءا مهما بين هرتزل وصديقه آرثر بلفور عام 1905 وشكل هذا اللقاء قاعدة الانطلاق لتامين الغطاء السياسي الدولي للمشروع الصهيوني مع ذلك لم يكن بلفور قادراً على ان يجعل من الوعد اساساً مركزياً في السياسة البريطانية لو لم يشاركه في ذلك شخص آخر هو لويد جورج الذي اصبح فيما بعد رئيس للحكومة البريطانية وقد ذكر في كتابين له هما “حقيقة معاهدات السلام” وذكريات الحرب” ان حاييم وايزمن الكيميائي الذي قدم خدماته العلمية لبريطانيا في الحرب العالمية الاولى هو الذي فتح له عينيه على الصهيونية حتى اصبح اكثر صهيونية من وايزمن نفسه.

وعندما تشكلت الحكومة البريطانية برئاسة لويد جورج وآرثر بلفور كان وزيراً للخارجية بدا وكأن كل شيء بات مؤهلاً لتمرير بيان الوعد مما سهل الأمر في انجازه لتحقيق الاهداف الإجرامية الصهيونية في فلسطين في الثاني من تشرين الثاني عام 1917وللاسف بدعم ومساندة بعض الانظمة العربية المتصهينة وفي مقدمتها النظام السعودي والاردني نظام الملك فاروق في مصر .
ومما يثبت هذه الحقاق ما نشرته وزرارة الخارجية البريطانية من وثائق سرية تم العمل بموجبها من العام 1919حتى العام1939بما فيها تلك التي تتعلق بتوطين اليهود في فلسطين.

ومن أهمها مذكرة وضعها آرثر بلفور عام  1917 وقال بوقاحة ما بعدها وقاحة ” ليس في نيتنا حتى مراعاة مشاعر سكان فلسطين الحاليين مع أن اللجنة الأمريكية تحاول استقصاءها، وإن القوى الأربع الكبرى ملتزمة بالصهيونية، وسواء أكانت الصهيونية على حق أم على باطل، جيدة أم سيئة، فإنها متأصلة الجذور في التقاليد القديمة العهد، وفي الحاجات الحالية وفي آمال المستقبل، وهي ذات أهمية تفوق بكثير رغبات وميول السبعمائة ألف عربي الذين يسكنون الآن هذه الأرض القديمة».‏

أما بالنسبة للاستيطان اليهودي في فلسطين فقد أوصى في الجزء الأخير من هذه المذكرة بما يلي: ” إذا كان للصهيونية أن تؤثر على المشكلة اليهودية في العالم، فينبغي أن تكون فلسطين متاحة لأكبر عدد من المهاجرين اليهود ولذا فإن من المرغوب فيه أن تكون لها السيادة على القوة المائية التي تخصها بشكل طبيعي سواء أكان ذلك عن طريق توسيع حدودها شمالاً (أي باتجاه لبنان) أم عن طريق عقد معاهدة مع سورية الواقعة تحت الانتداب (الفرنسي)، وللسبب ذاته يجب أن تمتد فلسطين لتشمل الأراضي الواقعة شرقي نهر الأردن”.‏

وفي هذا السياق لابد من التعرف على صاحب الوعد المشؤوم وما هي خلفياته ؟؟
كان بلفور من المؤمنين أن التاريخ ليس سوى أداة لتنفيذ الهدف الإلهي وأن الإنسان مكلّف بالعمل على تنفيذ هذا الهدف، وأن أول ما يتطلبه منه ذلك الإيمان أولاً أن ثمة هدفاً إلهياً وثانياً بإمكانية تحقيق هذا الهدف أياً تكن الصعوبات.‏
آمن بلفور كما أوضح في كتابه «العقيدة والإنسانية» أن الله منح اليهود وعداً إلهياً بالعودة إلى أرض الميعاد وأن هذه العودة هي شرط مسبق للعودة الثانية للمسيح وأن هذه العودة الثانية تحمل معها خلاص الإنسانية من الشرور والمحن ليعم السلام والرخاء مدة ألف عام تقوم بعدها القيامة وينتهي كل شيء كما بدأ.

‏اكتسب بلفور هذه الثقافة من عائلته وخاصة من والدته التي تركت في شخصيته الدينية بصمات واضحة من إيمانها بالعقيدة البروتستنتية المرتبطة أساساً بالعهد القديم وبما يبشر به من خلال النبوءات التوراتية ولذلك فإن بلفور عندما صاغ الوعد بمنح اليهود وطناً في فلسطين كان يعتقد أنه بذلك يحقق إرادة الله.‏

في الحقيقة لم يكن العامل الديني السبب الوحيد وراء إصدار الوعد كانت هناك مصالح لبريطانيا ذات بعد استراتيجي وقد توافق العمل على خدمة هذه المصالح ورعايتها مع هذا الإيمان الديني ما أدى إلى الالتزام بالوعد وتنفيذ ففي الأساس كانت بريطانيا قلقة من جراء هجرة يهود روسيا وأوروبا الشرقية الذين كانوا يتعرضون للاضطهاد في بلادهم وفي عام 1902 تشكلت «اللجنة الملكية لهجرة الغرباء» واستدعي هرتزل إلى لندن بترتيب من القس هشلر للإدلاء بشهادته أمام اللجنة، فقدم مطالعة هاكم بعضاً مما جاء فيها: «.. إذا كنتم ترون أن إبقاءهم هنا – أي في بريطانيا- غير مرغوب فيه، فلابد من إيجاد مكان آخر يهاجرون إليه دون أن تثير هجرتهم المشكلات التي تواجههم هنا لن تبرز هذه المشكلات إذا وجد وطن لهم يعترف به قانونياً وطناً لليهود.‏
هنا كان لابد بعد صدور قانون بوقف الهجرة في عام 1905 من تأمين ملجأ بديل فكان قرار بلفور بمنح فلسطين وطناً لليهود ليعطي من لا يملك إلى من لا يستحق.

كان بإمكان بريطانيا التدخل لمنع تهجير اليهود من أوروبا الشرقية إلا أنها وجدت أن لها مصلحة في توظيف هذه العملية في برنامج توسعها في الشرق الأوسط فحولت قوافل المهاجرين إلى فلسطين بعد أن منحتهم الوعد بالوطن وبعد أن وفرت لهم الحماية والمساعدة اللازمتين.‏

وقد تجلى الدور البريطاني الفعلي من خلال دعم النشاط الاستيطاني اليهودي في فلسطين عندما دعمت الحكومة البريطانية نشاط السير “موشي مونتفيوري” اليهودي البريطاني الثري وابن إحدى العائلات اليهودية الثرية في بريطانيا وقد أضيف إليه دعم شخصي من قبل الملكة فكتوريا.

لتجسيد فكرة توطين اليهود في فلسطين التي اختلقها زعماء الدول الغربية لدوافع استعمارية وذلك بقصد السيطرة على المشرق العربي في وقت كان فيه  الصراع الامبريالي الاستعماري محتدماً حول اقتسام ممتلكات الإمبراطورية العثمانية ورأت بريطانيا أن فكرة توطين الجماعات اليهودية في فلسطين ستمكنها من حماية مصالحها الاستعمارية في الشرق  التي توافقت على اهداف ومصالح الحركة الصهيونية وفي مقدمتها :
حماية قناة السويس والطريق البري إلى الهند وحاجتها إلى قوة تعمل على حماية تلك المنطقة إذ قام زعماء الحركة الصهيونية وفي مقدمتهم “حاييم وايزمان” “وناحوم  سوكولوف” بدورهم في دمج مصالح الحركة الصهيونية بمصالح بريطانيا فكثفوا الاتصالات مع كبار مسؤولي الحكومة البريطانية مثل “لويد جورج”، “وهربرت صموئيل”، فكان مشروع أسرة “روتشيلد” لتأسيس جامعة يهودية في فلسطين، كما استغل الصهاينة ظروف الحرب لتحقيق أهدافهم التي تركزت حول انتصار الحلفاء، وإقامة الانتداب البريطاني في فلسطين على أمل انتهاء هذا الانتداب لتسليم البلد للجماعات اليهودية الذي سيستمرون في خدمة المصالح الاستعمارية البريطانية وزيادة الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

ويعتبر وعد بلفور جزءاً من جريمة الانتداب البريطاني على فلسطين وهو انتداب قرره مؤتمر سان ريموا عام 1902 وفي عام 1922 أقرت عصبة الأمم الانتداب بما فيه الوعد بعد الحرب العالمية الثانية وما رافقها من مجازر نازية اتسع نطاق الهجرة اليهودية من أوروبا الغربية هذه المرة وليس من أوروبا الشرقية وحدها إلى فلسطين وتحول الوعد بوطن قومي لليهود إلى دولة سرعان ما اعترفت بها رسمياً منظمة الأمم المتحدة في عام 1948.‏
ولا شك أن هذا الوعد بكل ما يحتويه باطل ولا يستند إلى المنطق والقانون كونه صدر عن دولة لا صلة لها بالموضوع الذي يتناوله الوعد الجريمة لأن بريطانيا لم تكن قد احتلت فلسطين وليس لها أية مسؤولية على الجماعات اليهودية وبالتالي هو وعد ممن لا يملك لمن لا يستحق ومن جهة أخرى صدر عن دولة إلى هيئة غير رسمية هي الوكالة اليهودية التي ليس لها صفة تمثيلية في فلسطين وليس لها أية علاقة بها.

ويتنكر الوعد الجريمة لتعهدات بريطانيا للعرب بالاستقلال وحق تقرير المصير حسب الرسائل المتبادلة بين الشريف حسين ومكماهون عام 1915 ويحمل التصريح تناقضات أخرى في طياته مثل عدم مراعاته للأكثرية الساحقة من عرب فلسطين في حين يظهر حرصه على الأقلية اليهودية وحقوقها داخل فلسطين وفي البلدان الأخرى

لذلك إن هذا الوعد الجريمة يؤكد أن سلوك القوى الاستعمارية الكبرى لا ينبثق من اعتبارات الحق والإنصاف ولا من قوتها ودقة نصوصها  أو شرعية منطلقاتها بقدر ما تستقيها من مضمون فرض الأمر الواقع وحكم القوي للضعيف وبالرغم من ذلك فان وعد بلفور ليس الاول ولن يكن الاخير فالوعود كثيرة من وعود ومواقف الادارة الامريكي الى وعود الانظمة العربية المتصهينة بالتطبيع والتنسيق الامني وفي مقدمتها النظام الوهابي التكفيري في السعودية وقطر وسلطة معازل اوسلو في رام الله .

Hits: 22

الوسم


أترك تعليق
follow this link for more
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°