أحدث الأخبار

إشكاليّة العلاقة بين الفكرِ والواقع/ الدكتور سامي الشّيخ محمّد

+ = -

الدكتور سامي الشّيخ محمّدالدكتور-سامي-الشيخ-محمد

ما طبيعة العلاقة بين الفكرِ والواقع وما شكلُها ؟ أيُّ من الفكرِ والواقعِ يتقدَّمُ على الآخَر ، الفكر أم الواقع ؟

ثمّةَ علاقة تربط الفكرَ بالواقع ، على نحوٍ جدليٍّ متَبادَلٍ يؤثِّرُ ويتأثر كلٌّ منهما فيها بالآخر . والعلاقة بين الفكر الّذي هو خلاصةُ صُوَر الواقعِ وتمظهراتِه المختلفةِ على نحوٍ عقلانيٍّ منطقيٍّ من جهة ، والواقع الملموس الخاضع لسنّةِ التغيُّرِ والتطوّر من جهةٍ أخرى لا تخرجُ عن احتمالاتٍ أربعة :

الاحتمال الأوّل : تطابق الفكر مع الواقع ، الأمر الّذي يجعلُ العلاقةَ بينهُما تتّسمُ بالثّباتِ والسّكونِ النّسبيين .. لا يتقدّمُ فيها واحد على الآخر ….

الاحتمال الثّاني : تأخُّرُ الفكرِ عن الواقع ، ما يضفي على الفكرِ طابعَاً تراجعيّاً ويسمهُ بسمة التخلّف والتأخّر … عن مواكبة الواقع في لحظته التّاريخيّة المتَعيِّنة .

الاحتمالُ الثّالثُ : تقدُّم الفكر على الواقع ، ما يسَمُ الفكر بطابعٍ تقدميٍّ يتجاوز وضعيّة الواقع الرّاهن ذاتِه ، باتّجاهٍ أكثرَ تقدّماً وازدهاراً يُسهمُ في تطوّر الواقع بشكلٍ مستمرٍ دون توَقُّفٍ وانقطاع .

الاحتمال الرّابع : علاقة الفكر بالواقع وفقَ الاحتمالات الثّلاثة آنفةِ الذّكر في آنٍ معاً .. ففي لحظة مّا قد يتطابقُ الفكرُ مع الواقعِ ويتساوق معهُ : وفي لحظةٍ أخرى قد يتأخّر الفكرُ عن الواقع … وفي لحظةٍ ثالثة قد يتقدّمُ الفكرُ على الواقع … في مدى زمنيٍّ تاريخيٍّ منظورٍ ومُحَدّد .

من هنا تتفاوت المجتمعاتُ الإنسانيّةُ وتتباينُ في درجةُ تطوّرِها وازدهارها الاجتماعي والحضاريِّ ، في مجالات الحياة المُختلِفة . الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة والثّقافيّة ، والرّوحيّة والأخلاقيّة.

فتخلّف الفكر عن الواقع هو حالُ المجتمعات المتخلّفة ، غير المتطوّرة . وتطابقُ الفكرِ مع الواقعِ ، هو حالُ المجتمعات ، الّتي تشغلُ موقعاً تاريخيّاً وسطاً بين المجتمعات المُتَخَلِّفَةِ والمجتمعات المُتَقَدّمَة ، فتكون غير متخلّفة وغير متقدّمةٍ في واقِعِها المُعاش . أمّا تقَدُّمِ الفكرِ على الواقعِ فهو سِمةُ المجتمعات المتطوّرة المتقدّمة ، المُنتجةِ للعلومِ والمعارِفِ والتّكنولوجيا الحديثة .

أما الاحتمالُ الرّابعُ لعلاقة الفكرِ بالواقعِ ، – (التطابقِ والتأخُّرِ والتّقَدّمِ ) – فهو حالُ المجتمعات المضطربةِ غير المستقرّة تاريخيّاً .

من هنا تبرزُ أهميّةُ الحاجةِ لامتلاك وعيٍ تاريخيٍّ يتقدّمُ على الواقعِ ، بغرضِ تنميتهِ والنّهوضِ بهِ ، ودفعِ عجلَة التطوّرِ والتَقَدّمِ الاجتماعيِّ والحضاريِّ ، نحو مساراتٍ تاريخيّة أفضَلَ ، تُحقّقُ الازدهار والرّفاه لجميعِ أفراد المجتمع ، عبرَ علاقةٍ تلازميّةٍ فاعلةٍ ومثمرةٍ ، بين النّظريَّةِ والممارسة العمليّةِ ، النظريّة الّتي تُشخِّصُ الواقِع وتؤثّرُ في عمليّة تحوّلِهِ التّاريخيِّ ، والمُمارَسَة العمليّة المُبصِرَة الواعية بفعلِ ملازمةِ النّظريّة لها ، والّتي بدورها تفحصُ النظريّة وتصوّبُ المفاهيم الّتي تنطوي عليها ، فالنظريّةُ من غيرِ الممارَسَةِ العمَليّةِ جوفاء ، والممارَسَةُ العمليّة من غير النظريّة عمياء .

الأمر الّذي يستدعي ضرورة امتلاك وعيٍّ نقديٍّ متطوِّر ، عبرَ حيازة المعارف والعلوم الإنسانيّة الأكثر تقدّماً في العالم ، والشّروع العمليِّ في تأسيسِ وامتلاكِ هندسةٍ اجتماعيّة ، تتولّى الإشرافِ والرّعايةِ التربويّةِ والمعرفيّةِ والأخلاقيّةِ للنّاشِئةِ في مجتمعاتنا الرّاهنة ، على نحوٍ علميٍّ مُنَظَّم ، تُسهمُ وتتكاملُ فيها الجهود المجتمعيّة والمؤسّسيّة كافّةً .

Stchm962@gmail.com

Hits: 15

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°