أحدث الأخبار

مكافحة الإرهاب بالتقاضي لا بالصواريخ والطائرات/ كامل الحساني

+ = -

كامل الحسانيthumbnail_kamels%20picture

عشية أحداث سبتمبر 2001، كان وزير الخارجية الأمريكي حينها في العاصمة البرازيلية ريو دي جانيرو، فقال ردا على أسئلة الصحفيين أن بضعة مجرمين إرهابيين لن ينجحوا في تغيير طريقة حياة الأمريكان، ولكن لسوء الحظ، فأن السيد باول كان متفائلا أكثر مما يجب، لأن الأمريكان ومعهم الغرب وأغلب الدول على وجة البسيطة وشعوبها قد تغير إسلوب حياتهم بالفعل بسبب إستخدام الوسائل غير المناسبة لمواجهة هذا النوع من الإرهاب.

لهذا فأن أمريكا والغرب وعموم دول العالم التي تحملت وتتحمل الآن تضحيات بشرية ومادية وإقتصادية ونفسية هائلة ، تبعها اليوم تغييرات في المزاج الشعبي الأمريكي والغربي ضد الإسلام والمسلمين بطريقة تنذر بمخاطر داخلية وإممية، دفعت الرئيس الأمريكي اوباما ومعه الكثير من عناصر حزبه الديمقراطي للتحذير منها ، خاصة عندما توجه المرشح الجمهوري ترامب الى التشكيك بالوطنية الأمريكية للمسلمين ومشروعه في إتباع سياسة خاصة إتجاه أكثر من مليار مسلم على الأرض.

رغم الخطاب الأمريكي الغربي الذي حاول ويحاول أن يفرق بين الإسلام والإرهاب فإن نوعية الأساليب التي أرادوا بها مواجهة العصابات الإرهابية جعلت في رأي الكثير من الناس في المجتمعات العربية والإسلامية وحتى الدولية وكأن هذا التحدي هو مواجهة عقائدية ، وخاصة عندما واجهت الدولة التي تضررت أو تهددت بالإرهاب بإستخدام جيوشها الجبارة لفتح جبهات حربية مع هذه العصابات في أفغانستان والصومال والعراق وسوريا واليمن وبعض دول شمال أفريقيا ،وقد تتورط هذه الدول العملاقة بحروب دولية مع عصابات إرهابية في دول إخرى مثل باكستان أو إيران ،إذا لم تقوم بمعالجتها بطريقة جنائية كما عالجت في السابق عصابات ومافيات تهريب المخدرات والبشر وغيرها من التنظيمات الإجرامية التقليدية التي نجحوا بالقضاء عليها وخلق المؤسسات والوسائل المحكمة التي سيطرت على نشاطاتها.

كما أن المواجهة العسكرية الشاملة والخطاب الإعلامي السطحي الذي تعرضه الحكومة الأمريكية والدول المتحالفة معها خلقت رأي عام عند شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ،وحتى في دول أسيا وكل التجمعات الإسلامية في القرارت السبعة، تؤشر بأن هذا الصراع عقائدي ضد الإسلام والمسلمين ، على الرغم من تأكيد الإدارة الأمريكية ومعها الإدارات الغربية التي تردد بأن الصراع هو ضد مجموعات إجرامية متوحشة وليس ضد الإسلام والمسلمين ، ولكن أساليب المواجهة المسلحة بالجوش والترسانة العسكرية العظيمة وسقوط بعض الضحايا الأبرياء غذت من روح الصراع العقائدي دون أن تطفئه ،خاصة مع ما نشاهده من إزدياد التيارات والحركات الإرهابية وتنوعها وإستمرار الملتحقين بها من المفلسين والمحبطين أوالمغرر بهم وأصحاب الأمراض النفسية الذين وجهوا أو يهددوا بتوجيه ضربات مؤلمة للمجتمعات المتحضرة في شرق العالم وغربه ، والسبب يعود في تقديرنا المتواضع ، الى غياب حملة قانونية جزائية قضائية واضحة تعالجها بحجمها وطبيعتها الجنائية التي تحقق القصاص العادل والردع المطلوب لكل من يخطط الإشتراك مع هذه التيارات المجرمة.

الحقيقة، حتى الحملة الجنائية المحدودة التي قامت بها الإدارة الأمريكية لمحاسبة بضعة متهمين كبار في (كونتنموا بي) لم تكن إلا عبارة عن مسرح “بطولي ” إستعرض به المتهمين بأسمائهم وألقابهم وتواريخهم الإجرامية وكأنهم قاموا بمهمات نضالية ، تحول بعضهم في نظر بعض فئات المجتمعات العربية والإسلامية الى (فرسان) عقائديين بدلا من كونهم قتلة مجرمين ، ولا نريد أن نخوض بالصراع السياسي الداخلي والدولي الذي إنتهت به قضية معتقلي كوانتناموا في أمريكا ، أكثر من ذلك ، فقد فأن الإدارة الأمريكية قد ورطت معها كل الدول التي ألزمتها بالإشتراك بهذه الحملة بما عرف على لسان ادارة بوش الإبن ، أما معنا أوضدنا ،ومنها دول التحالف الخليجي العربي التي أصبحت مضطرة لمجارات السياسة الأمريكية بحسناتها وسيئاتها ومنها ركوب موجة محاربة الإرهاب بالحملات الحربية الواسعة المسلحة .

الأسوا من ذلك فأن إسقاط الدكتاتوريات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبعهُ إسقاط كل بقايا مقومات وعناصر منظومات حكم القانون التي بنتها شعوب هذه المنطقة بسيئاتها وحسناتها على مدى القرون الماضية ، لتحل بدلا عنها الأحكام القبلية والدينية التي عجزت عن معالجة العلاقات و النشاطات الجنائية والمدنية والعائلية في المجتمعات التي تحررت من الدكتاتوريات ،فتسللت من خلال هذه الفوضى بكتريا وفايروسات المجموعات الإرهابية للقاعدة وداعش والميليشات الإيرانية وعصابات المال السياسي الإخرى ،التي أنتجت:

أولا: مؤسسات أمنية وقانونية وقضائية جبانه إنحرفت عن تطبيق التشريعيات التقليدية التي طالما كانت ناجحة في ضبط الإجرام في هذه المجتمعات ، ومكنت مؤسسات إنفاذ القانون من القيام بمسؤلياتها الضبطية والتنفيذية؛

ثانيا : وفر تنصل المؤسسات الأمنية والقضائية وتخبطها وفسادها الغطاء للعصابات الإرهابية بالعمل المريح الذي مكنه من إرتكاب هذا الكم من الفضائع الجرمية الجماعية ضد الكثير من المجتمعات المسالمة في البلدان العربية والإسلامية والغربية؛

ثالثا: تقصير الجهود الإعلامية التي تقوم بها الجهات الوطنية والدولية المسؤلة عن المتابعة الإعلامية بعرض دور السلطات إنفاذ القانون (المؤسسات الأمنية والقضائية ) التي أخرجت أبو عمر البغدادي من سجنه في العراق المصري أيمن الظواهري ، واليمني ناصر الوحيشي والروسي عمر الشيشاني ، وأبو مهدي المهندس الذي يصول ويجول في العراق ليشجع اشكال من المجرمين التابعين الى إيران وحرسها الثوري ، كالخزعلي والبطوطي وابو درع وغيرهم الذين يصولون ويجولون في العراق؛

رابعا :إستغلت هذه التنظيمات الإرهابية لغة الصراع العقائدي مع الجهات الدولية والوطنية لتجبر مؤسسات أمنية وقضائية بتحصينها من الملاحقة الجزائية القضائية ، بل وضعت نفسها فوق كل منظومة قانونية وقضائية، بحجة الواعز الإلهي الديني العقائدي الذي يحصنها من المسائلة الدنيوية؛

خامسا: أن تحصين هذه المجموعات الإرهابية من الملاحقات الجزائية ونزول حكومات بعض الدول بالتفاوض معها ،خلق بيئة وثقافة مجتمعية أما مستسلمة لهذا الواقع شجعت حتى المترددين بالإنضمام إليهم ، لا بل وصل هذا الإستسلام الى المؤسسات الأمنية و الرسمية والمهنية وحتى مدارس القانون في بعض مجتمعات المبتلية بالإرهاب التي تعتبر أن محاسبة هذه المجموعات “المقدسة ” ومحاسبتها أمر غير مقبول ومعقول .

أكثر من ذلك ، أن الدول التي وقعت ضحية الإرهاب الإجرامي تحت مسمى (الدفاع عن الإسلام) ,ومعها الدول التحالف الدولي التي تقوم بدعمها, لم تعالج اسباب الفوضى القانونية والقضائية التي كانت أحد أهم أسباب تكاثر الإرهابيين وتوسعهم ،فقامت بمعالجات إعلامية للتيارات الإرهابية أوحت للراي العام المحلي والدولي بأن الصراع مع الإرهاب و الإرهابيين هو صراع عقائدي سياسي ديني ، وأهملت تقديم التحدي القانوني الجنائي ،الذي يجب أن يتركز على سلطات وطنية ودولية تطبق العدالة الجنائية على عصابات قاتلة ومفلسة تتستر بالإسلام ، فعلى سبيل المثال أن الإدارة الأمريكية تصرف مئات من الملايين من الدولارات سنويا على مؤسسات إعلامية ممولة من الحكومة والكونكريس لمكافحة الإرهاب بخطاب رتيب و فقير وممل من النادر أن يثير شهية المستمع والمشاهد الإسلامي أو العربي ويقنعه بطبيعة هذا الصراع ويشجعه على تولي مسؤليته الوطنية والدينية والأدمية في الإبلاغ أو التصدي الإيجابي للإرهاب والمخططين للأعمال الإجرامية .

واخيرا، فإنه من النادر أن يصل الى الراي العام الإجراءات الجزائية الوطنية والدولية التي نفذت ضد المتهمين بالإرهاب وطبيعة الأحكام الحضورية والغيابية بحقهم ،ولهذا فان القصاص من الإرهابيين والمتورطين بتقديم التسهيلات الإجرامية لهم لم يكن بالوضوح الكافي الذي يطمأن الراي العام بتحقيق القصاص العادل بحق الإرهابيين ،ويخلق الردع الخاص والعام ضد كل من يخطط للإلتحاق بالعصابات،هذا بالإضافة الى ذلك ،نلاحظ غياب الخطاب الإعلامي الذي يوضح النتائج الوخيمة من عمليات الإنتقام الفوضوي الذي تعقب عمليات تحرير المجتمعات من العناصر الإرهابية ونتائج هذه التصرفات على تمسك بعض الأهالي بواقع حكم العصابات الإرهابية ،ولهذا فلا بد من جهد توعوي حرفي قانوني قضائي يوضح للعامة والخاصة الجرائم التي ترتكبها المجاميع الإرهابية (أفرادا ومجموعات) في الشرق الأوسط وشمال افريقيا والتبعات الجزائية للمساهمين في الإرهاب الدولي ،وأهمية حكم القانون في دحر الإرهاب و إعادة الإستقرار وحماية الحقوق المدنية وتحقيق التنمية .

كامل الحساني

خبير قانوني / مؤسس ومحرر موقع العدل نيوز

kamil@thejusticenews.com

 

Hits: 21

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°