أحدث الأخبار

كنافة بين نارين: لا تنسوا “هيلين توماس”/ د. زياد الوهر

+ = -

د. زياد الوهر%d8%af-20%d8%b2%d9%8a%d8%a7%d8%af%20%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%87%d8%b1

لا شك أبدا أن الكنافة النابلسية سيدة الحلويات العربية قاطبة وبمختلف أصنافها الخشنة والناعمة والمبرومة وبين نارين… وقطعا فموضوعي اليوم لن يكون عن الكنافة وطرق إعدادها وأنواع الجبن المستعمل فيها رغم حلاوتها ولذتها، ولكني اليوم سأسلط الضوء على أكثر الوظائف صعوبة وأكثرها خطورة ألا وهي مهنة الصحافة،

فالصحفي مثله مثل الكنافة بين نارين فإما أن يقول الحقيقة كاملة وبلا رتوش أو تحريف فيحترق تماما وقد يتم قتله أو تصفيته أو على أقل تقدير فصله من عمله، وإما أن يكون مهادنا منافقا متلاعبا بالألفاظ والكلمات ومحوّرا للحقائق ومداهنا للسلطان وأعوانه وأصحاب المال وبالتالي فتكون أخباره لا طعم لها ولا رائحة وتفقد فيها كنافته كل مقومات الكنافة اللذيذة.

وهنالك العديد من الضحايا الذين وقعوا ضحية لآرائهم الصادقة والمباشرة فسحقتهم القوى السياسية والمالية التي تتحكم بمقدرات هذه الدولة أو تلك، في حين أن المداهنون منهم قد تربعوا على مرتبة الشهرة والمجد ويرافقون ذوي السلطان في كل تنقلاتهم وتلقى أخبارهم الاهتمام والرعاية الكاملتين.

وقد تكون الصحفية الشهيرة جدا “هيلين توماس” هي واحدة من أكثر الصحفيين الأمريكيين الذين اشتهروا وبزوا أقرانهم فتلقفتها وسائل الإعلام الأمريكية وقدمت لها الدعم والمساندة التي يتمناها أي صحفي ناجح وعلى مدى عقود من الزمن.

توفت هذه الصحفية منذ ثلاث سنوات مضت وطواها التراب، وفجأة اختفت وبلا إنذار كل إنجازاتها ومسحت سيرتها الذاتية من معظم وسائل الإعلام الأمريكية وحتى الجائزة التقديرية التي كانت تقدمها إحدى الجامعات باسمها قد تم إيقافها تماما… كل ذلك لانها تجرأت وقالت الحقيقة عن ذلك العنصر القوي الخفي الذي يدير السياسة الأمريكية من خلف الكواليس ألا وهو “اللوبي الصهيوني”.

ففي إحدى المقابلات التلفزيونية التي أجريت معها قالت وبالحرف الواحد “أن اليهود قد احتلوا فلسطين وأقاموا دولتهم على أرض ليست لهم وطردوا شعبها وشردوهم وهم لاجئون في معظمهم حتى يومنا هذا… لذا لا بد لهم أن يخرجوا وينصرفوا من تلك الأرض ويعيدوها لأصحابها وأن يعودوا من حيث أتوا إلى بولندا وألمانيا وأمريكا”… كانت هذه الكلمات كفيلة جدا بتحطيم كل إنجازات هذه المرأة، فكلماتها قد أطلقت المارد من قمقمه وخرج اللوبي الصهيوني يهاجمها ويتهمها بمعاداة السامية وخاصة أنها من أصل عربي لبناني.

لم يشفع لها سجلها الحافل ولم يردعهم مرافقتها لكل الرؤساء الأمريكيين منذ عهد جون كينيدي وانتهاء بالرئيس باراك أوباما الذي نعاها قائلا: “هيلين كانت من الرواد الحقيقيين في الولايات المتحدة، وقد اعتلت منصب عميدة الصحافيين الأميركيين بسبب إصرارها على ازدهار الديمقراطية في المجتمع الأمريكي، فقد كانت

تتسم بالجرأة، ومحاسبة القادة الأميركيين من خلال أسئلتها الشجاعة جدا، إنها الرائدة الحقيقية” التي حطمت الحواجز لأجيال من النساء في مجال الإعلام.”

هذه هي هيلين توماس لمن لا يعرفها وأنصح المهتمين بالقراءة عنها والاستزادة من سيرتها من خلال الاطلاع على كافة تفاصيل حياتها والتي تعج بها صفحات عديدة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

ذلك هو الصحفي الذي يخلص لعمله ولا يخضع للضغوط مهما كانت، فنقل الخبر أمانة وإخفاؤه خيانة وتحريفه من أجل هذا الطرف أو ذاك مسؤولية سيحاسبه عليها التاريخ.

فالقلم الذي يكتب الحقيقة مثله مثل اللسان الذي ينطق بها فكلاهما عزيزان هذه الأيام، فالمراقب لما يجري حاليا في عالمنا العربي وإعلامنا المقروء والمرئي يدرك كم الأكاذيب وتنوعها، فتضيع الحقيقة بينها ويلتبس علينا الأمر.

ومنذ بداية الربيع العربي السيء الذكر قتل العديد من الصحفيين والإعلاميين إما غدرا أو نتيجة لوجودهم في مناطق الجبهات الساخنة، وطوت الأحداث وتسارعها تضحياتهم وغابوا عن الساحة وانقطعت أخبارهم ونسينا ما قدموه لأمتهم وصحافتهم وقضيتهم، في حين لا يزال الكثير منهم يقبع داخل أقبية سجون الأنظمة المظلمة يتلقون كل أنواع وصنوف التعذيب والمهانة والإذلال، ولم يهبّ لنجدتهم أحد وتركوا لمصيرهم وحدهم يعبث بهم جلاوزة النظام وكلابه.

أما الصنف الثاني أعاذنا الله وإياكم منهم ومن شرورهم فقد انتشروا بيننا مثل الجراد وبات الصالح نادرا والطالح طاغيا، فتربعوا على صهوة الحصان وقادوا ركب الصحافة إلى أتون الحرب الطائفية وإذكاء نار الفتن، فيكتبون لمن يدفع أكثر، فاليوم هم ليبراليون وغدا إسلاميون، لا تعرف لهم لونا مميزا أو مبدأ ثابتا.. هم الأعداء الحقيقيون من أبناء جلدتنا وعمومتنا.

ولكثرة هذا الصنف من الصحفيين بات الأمر أكثر صعوبة في الحصول على الخبر إلا من الوكالات الأجنبية والتي لا تخلو أيضا من هذا الداء، فلكل منها أجندة خاصة تسير عليها ولا تحيد عنها وأغلبها تميل إلى التشكيك في قدرات العرب والمسلمين والتقليل من شأنهم وتحقير تاريخهم وتشويه دينهم من خلال تسليط الضوء على النماذج المشوهة من العرب والمسلمين، وهنا احتار عقلي إلى أين أتجه لأحصل على الحقيقة ولو لمرة واحدة أم أنني من المفروض أن أتبع دائما مبدأ المؤامرة في كل شيء وحتى وإن طلّق زيد زوجته أو تزوج عمر إمرأة أخرى.

ولذلك فإنني ومن هذا المنبر المحترم أقدم احترامي الشديد وتقديري لكل الصحفيين الذين قالوا الحقيقة وسعوا لها وقدموا حياتهم رخيصة لأجلها ولأجل هذه الأمة العربية المنكوبة ببعض أبنائها وولاة أمرها… ولعشاق الكنافة بين نارين من قراء صحيفتكم الكرام أقول “صحة وهنا”.

د. زياد الوهر

z_alweher@hotmail.

Hits: 142

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°