أحدث الأخبار

آليات تكريس الامتيازات والمغانم السلطوية/ ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخmajed1

ما كان مضمرا في زمن مضى، صار اليوم أوضح، بل أوقح في طلب استملاك السلطة بشكل أو آخر، بحق ومن دون وجه حق، بانتخابات أو من دونها، بالإكراه والاحتيال، بالتزوير والنصب، بالاستبداد أو التشليح، حتى غدت سلطة الاستبداد البيروقراطية خبيرة بكل طرق وأساليب الإقطاع في الهيمنة، وكذلك وهي تقيم صرحا هائلا من رأسمال رمزي وفعلي، يتعهد كل طرق واساليب الرأسمال المتغول في إبراز وحشيته في السيطرة على حيوات ورقاب الناس، بل في ما يتجاوز الحدود والبلدان.

فقد ساهمت السلطة بفضل كل هذا، في تحويل الدولة عن مهامها الأساسية وسلبتها مسؤولياتها، وأوردتها موارد الفشل، وتحول بعضها إلى عصابة ومافيات وطغم مالية واقتصادية ونخب سياسوية وثقافوية، هيمنت على الفضاء المجتمعي والسياسي العام وأفسدته، وأفسدت في طريقها كل ما يمكن أن يقيل الدولة من عثرات تحولها إلى دولة فاشلة وفاسدة، تعادي الديمقراطية ودولة المؤسسات والقانون والمواطنة، وتلك بالأصل ليست من سمات دولنا في الفضاء العربي والإقليمي، بل إن تجاربها جميعها جرى استنباطه من تراثها وإرثها الماضوي القديم، أو مستورد من تجارب الآخرين، في الشرق/الآسيوي أو الغربي، ولكن من دون قواعد معيارية، عقلانية وأخلاقية ثابتة وملزمة.

بالنظر إلى كل هذا، لا تتساوى أو يمكنها أن تتعادل تلك الديمقراطية المفقودة أو الموؤودة على الدوام، مع الانتخابات وصناديق الاقتراع، ذلك الأسم على غير المسمى المقصود، فهناك بون شاسع ليس بين المسميات، بل بين حقيقة تلك التسميات

ومعانيها ومبانيها، فيما بين تجربة وأخرى، بين سلوك وممارسة وإيمان بها، فنحن نعيش في عوالم مختلفة، لا يجمعها سوى الشكل، أما الجوهر فهو مختلف بالتأكيد بين ممارسة وأخرى، وسلوك وآخر، وذلك وفق تعدد وتنوع واختلاف المرجعيات الثقافية والسلطات التي تسعى إلى تكريس امتيازاتها ومغانمها، حيث الفروق واضحة بين سلطة بيروقراطية عسكرية/أمنية أو سياسية، نالتها أو تسعى لتكريسها لذاتها، وسلطة تسعى لامتلاكها أول مرة، وفي الحالين نحن في مواجهة حالة من تعكير صفو “الأمن الانتخابي” حين لا يكون هناك عمليا وبالفعل انتخاب حقيقي، يقوم به الفرد بذاته ولذاته، تحديدا لمجالات المصلحة، والانتفاع والإيمان بقيم سياسية وثقافية وأخلاقية، لا يجري تعهيرها سياسيا أو ماليا أو طائفيا أو مذهبيا، لتجري عملية الانتخاب قبل أن يقوم الفرد ذاته بالانتخاب، نيابة عن ذاته ولمصلحته كما يراها هو، لا كما يريدها المعنيون بالحفاظ على سلطة “استاتيك السلطة” الخاصة، الساعية لهدف أو أهداف تكريس امتيازاتها ومغانمها السلطوية، بعيدا عن المصلحة أو المصالح العامة.

لا يختلف هذا الوضع في العديد من الدول المتخلفة أو الحديثة الفاشلة، بغض النظر عن طبيعة أنظمتها، حيث “السيادة العليا” للاستبداد، وحيث يسود الاقطاع المالي السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني، أو الاقطاع الديني الطائفي والمذهبي، الذي سبق له وهيمن على الفضاء العام وحياة الأهالي، قبل أن يهيمن على الحياة السياسية، ويسيطر على السلطة، التي آلت وتؤول إليه بفعل التشوهات التاريخية التي حكمت مجتمعاتنا ودولنا، قبل أن يجري تكريس الامتيازات والمغانم بالغلبة والإكراه، أو بالوراثة والتوريث، أو بالقوة العسكرية والأمنية، حتى بصندوق اقتراع لم ولن تكتمل اركانه الاخلاقية وآلياته المعيارية والفنية، بفعل الهيمنات السلطوية وتحكماتها باقتراع الأفراد والجماعات، الخاضعة بدورها لمفاتيح تتبع الطغم المالية بالواسطة، أو الطغم السياسية مباشرة.

ليس هناك من ديمقراطية يمكن إنضاجها دستوريا وقانونيا خارج التجربة والممارسة، أو خارج السلوك الحي لخبرات بشرية، يمكنها أن تمتلك أو تكتسب حيزّات إنضاجها لذاتها أولا، قبل أن تسقطها على التجرية، فالمجتمعات بأفرادها

وجماعاتها هم الذين يُنضجون بأنفسهم ذواتهم، ومن ثم يعمدون إلى إنضاج تجاربهم، استنادا إلى خبرات مدفوعة الثمن؛ سبق لأناس آخرين ممن سبقوهم وان اختبروا قدراتهم وإمكانياتهم وهم يرتقون سلم التطور نحو ارتياد ساحات وميادين التجربة.

لذلك لا يمكننا ممارسة ديمقراطية الخيارات الحرة، من دون ممارسة ذواتنا نحن أولا؛ كقوى بشرية فاعلة، يقع على عاتقها تطوير آليات خياراتها الحرة، من دون التساوق أو الانسياق خلف مصالحة أصحاب المصالح الخاصة، أو الانسجام معها، والتوافق النرجسي مع انحيازاتها للذات/الذوات الأنانية، فهذه أو تلك ليست خليقة بالانحياز إلاّ لمصالحها ومنافعها الخاصة.

أما الديمقراطية، فهي كالعلمانية الشرط الشارط لدخولنا آفاق ورحاب الحداثة والمعاصرة. كذلك يشكل مفهوم الدولة المدنية المعادل الموضوعي، والتعبير الضروري لحال من التعلمن يصنعه الناس/ كل الناس المواطنون الأحرار، وهم يحددون خياراتهم ومصائرهم، كونهم عماد الدولة الحديثة، ومواطنوها الأحرار، المساهمون بصنعها وإنتاجها، وإلا فإن دولة السلطة الاستبدادية لا تعتبر أن من مهام “رعاياها”، أو “عبيدها” تلك المساهمة التي هي وقف على روح الاستبداد وتغول ووحشية أصحاب المال والسلطة، ممن آلت وتؤول السلطة لهم بفعل المال، أو ممن آلت وتؤول إليهم الكثير من رؤوس الأموال بفعل السلطة. وفي هذا المجال إسألوا نوابا ووزراء وموظفين كيف تحولوا بفعل “السلطة العميقة” وبيروقراطيتها إلى سلطويين بامتياز، وكيف تحولت سلطتهم إلى آلية لإنتاج وتفريخ الأموال ونهب المال العام وتدوير الاقتصاد الوطني وتحويله إلى اقتصاد نخبوي خاص، يتقاسمه العديد من أركان السلطة واحتكارييها سياسة واقتصادا وتجارة.

وهنا تحديدا إسألوا بيروقراطية العسكر وأتباعهم في مصر، وفي العديد من الدول المشابهة، كيف تحولت الدولة على أيديهم إلى حطام دولة، يتحكم في سياستها واقتصادها ومجتمعها، مجموعة من الجوعى لمتلازمة “سلطة عميقة” لا تقيم أي وزن لحريات شعبها، بقدر ما يراد لقاهرة المعز أو أي عاصمة مشابهة، أن تكون قاهرة أهلها وشعبها، في هذا الزمن الاستبدادي البشع.

فأي ديمقراطية يمكن ابتناؤها في هذه الحالة، وأي انتخابات يمكن أن تكون كذلك؛ وهي تسعى لتكريس امتيازات من حكموا بالإكراه والغلبة الأمنية والعسكرية والقمع الشمولي العميم، وتثبيت المغانم السلطوية كحق لا يريدون أن ينازعهم فيه أحد. وفي هذا لا تختلف حال السلطة العتيقة، وحال السلطة المستجدة أو الجديدة، فهذه كتلك؛ كلها في التغول السلطوي والنهب والفساد سواء.

Hits: 38

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°