أحدث الأخبار

“مـَـرَضْ أكـابـِـر…!!” / الدكتور عبد القادرحسين ياسين

+ = -

الدكتور عبد القادرحسين ياسينGetAttachment

كنت أتناول طعام الغـداء في أحد المطاعم الشعـبية في ستوكهولم .

فجأة تنظر إليَّ سيدة سويدية ، على الطاولة المجاورة، وتسألني مرتاعة ،

وكأن كوبرا قـد لدغـتـهـا :

” أنت تأكل اللحوم ” ؟

نظرت إليها وسألتها ” ألا تأكلين اللحوم ، يا سـيدتي ” ؟

قالت تنفي عن نفسها التهمة :

“مستحيل … تصور هذا الشيء الذي تأكل لحمه الآن كانت له عينان ،

وكان يمكن أن ينظر إليك ، وأن تحبه ، و ها أنت تأكله…

لا بد أن لديك عقدة نفسية ،

ألا تشعر بشيء من تعـذيب الضمير ” ؟

قلت لها : ” هل قرأت عن أناس سقطت بهم الطائرة ،

وعـُزلوا فوق قمم جبال الأنديز الشاهقة في أمريكا الجنوبية ،

فاضطروا لأكل جثث رفاقهم القتلى ” ؟!

هل تعرفين ، يا سيدتي الفـاضلـة ، كيف يمكن أن يجوع الأطفال ،

جوعاً مزمناً فـتـتـورم بطونهم وتهزل أطرافهم ،

حتى يضحى منظرهم ” مقززاً ” لك ولأمثـالك ؟

هل قرأتِ شيئاً عن البرازيل حيث تدرب الطفلة على البغاء منذ العاشرة ،

وحين يصبح عمرها 12 عاما تصبح مومساً محترفة ؟

هذا ، يا سيدتي ، لا يحدث في بابل القديمة ،

ولا في أدغـال بورنيو ،

وإنما في البرازيل ،

“بلد المعجزة الاقـتـصادية ” !

هل أتاك حديث الأطفال الفلسطينيين ،

الذين كانوا يطاردون القطط والكلاب والجرذان،

في أزقة مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة،

بحثا عن ” وجبة ” تبقيهم على قـيد الحياة ؟!

المسألة ، في رأيي المتواضع ، إنه ليس أمام الناس البسـطاء المعـدمين ،

وبخاصة أولئك الذين تـُسمونهم تأدبا بـ ” العالم الثالث ” ،

دائما خيار كاف في أن يكونوا لطيفين ،

وتنطبق عليهم مقاييس اللطف المبنية على الشبع والتخمة ،

كما هو الحال في ” العالم الحر “.

إن حب الثقافة لا يمنع إنساناً يكاد يتجمد من البرد،

من أن يحرق كتاباً ليتدفأ عليه ،

والعطف على الحيوان لا يمنع إنساناً يتضور جوعاً من أكله .

وحبّ الإنسان لا يمنع إنساناً مسحوقاً من قتل الذين يسحقونه .

إن المسألة ، يا سيدتي الفاضلة ، ليست مسألة حضارة وتخلف ،

ولم تكن المسـألة ، في يوم من الأيـام ،

مسألة ” شرقي بربري” أو ” غربي متمدن ” .

إن المسألة ، ببساطة ، هي مسألة حاجة وانتقاء …

مسألة القدرة على الاختيار والتي يقابلها ، بالضرورة ،

فعل الشيء الوحيد الممكن ، حتى لو بدا ذلك الممكن أقل لطفاً .

كان بود المسحوق أن يربي قطة أليفة في بيته ،

لكنه جائع إلى درجة أن لا وقت لديه للقطة ،

ولا رغـبة للقطة في البقاء لديه .

كان بود كل امرأة أن تربي أطفالها ،

وتجلس بطمأنينة ، لولا أن الجوع والفاقة والظلم …

هذه الأمور كلها أرغـمت بعـض الأمهات ،

على طرد أبنائهن من البيوت لكي يموتوا جوعاً …

بعيداً عن أعينهن ولا يموتوا أمامهن .

كان بود الأطفال ، في فـلسطين والعراق والسلفادور،

ونيكاراغوا وموزمبيق وغيرها ،

أن يكملوا اللعـبة المرحة …

لكن الشيء الذي كانوا يلعبون به ،

انفجر بين أيديهم ومـزَّق أجسادهم الصغيرة .

كان بود الأطفال أن يكملوا الطريق إلى المدرسة ،

لكن الجوع – “والجوع كافر” ، يا سيدتي –

جعل الطريق إلى صندوق مسح الأحذية أقـرب .

كان بود الآباء أن يكملوا الملاحظات التربوية ،

لكن قنابل” العم سام” تساقطت فوق المعامل ،

والمدارس والحقول والبيوت الآمنة .

كان بود الناس أن لا يجوعـوا …

وكان بودهم أن لا يموتوا ….

وأي مكان تجدين فيه الفقير والمظلوم …

لا تقولي أنه غبي إذا قرر اتباع هذه الطريق ،

بل قولي إنه مسحوق ،

أوصله الظلم والفقر واستغلال “العالم الحر” إلى هـنا .

لم يبحث أحدكم بعـد عن “العـقـدة النفـسية” ،

التي تجعل الإسرائيلي يقتل أطفال المدارس ،

الذين خرجوا للتعـبير في مظاهرة سلمية،

عن رفضهم للإحتلال الإسرائيلي…

لم يكلف أحد منكم نفسه عناء أن يسأل الإسرائيلي ،

الذي يقتل .. ويقتل … ويقتل… ،

ويتشبث بالخطأ الذي تـقـتـنـعـون أنه ” أمر واقع “.

أنتم ، في “العالم الحر”، أكثر قدرة على دراسة الذين يموتون .

معـذرة، يا سيدتي، هذا الاستطراد كله ،

قد يبدو لا علاقة له بأنني آكل اللحم …

إن مجموعة الظروف التي نعيشها، نحن الفلسطينيون،

لا تسمح لنا بأن نحمل عـقـداً نـفـسية…!!

إن العـقـد الـنـفـسية ” مرض أكابر”،

نحن نحمل آلام وتشوهات جسدية ،

تبدأ بالفم والمعـدة والساقين …

تبدأ بالحاجة إلى البيت… والأهل … والوطن …

هل تعرفين، يا سيدتي، ما هو الوطن ؟!

لا بد من الاستطراد الدائم …

الألم المزمن طبخ الهموم الفلسطينية كلها وصارت “شوربة ” …

لقمة لا بد أن تحمل للفلسطيني رائحة الهموم كلها.

أنتم ، في ” العالم الحر “، لديكم الوقت لتربية القطط والكلاب،

وإجراء مسابقات للضفادع … ،

وتحليل أنواع الابتسامات … ،

ونحن مهددون في المخيمات وبيوت الطين،

مهددون بالجوع والمرض والقنابل الإسرائيلية الأمريكية الصنع.

لذلك، لا ندقق كثيرا بنوع الطعام في الوجبة ..

أو حتى طريقة الطهي .. أو بكمية الملح ..

نحن، يا سيدتي، نأكل لنعيش …

أما أنتم فتحاولون أن لا تسأموا العيش ، ولذلك تـنـتـقـون …

نحن ، ببسـاطة شـديدة ، لا وقت لدينا للعـقـد النـفـسية…!!

الوقت الوحيد المتروك لنا هو الاستفادة ،

حتى الحـد الأقصى ، من واقعنا أننا أحياء.

وليس ثمة شك في أنك تعرفين أن الحياة ،

بدون عـدل وحرية ، ووطن ليست حياة …

Hits: 54

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°