أحدث الأخبار

حميمة الأماكن / عبد الهادي شلا

+ = -

عبد الهادي شلاladda ned (2)

في المقهى الذي أرتاده لشرب القهوة والهرب من ضجيج العمل بحثا عن إستراحة أجدني أتجه إلى طاولة في مكان بعينه وأجلس في مكان قريب منها إن كان يشغلها أحد رواد المقهى العابرين وبمجرد أن يغادره أقفز إليها فرحا مسرورا!

تتوارد الأفكار وتحضر صور أماكن مشابهة في أكثر من بلد عشت فيه أو زرته.

لماذا أجد راحتي الكاملة في هذا الركن من المقهى مع أن كل ركن فيه مريح وهادئ،فلا أجد جوابا شافيا إلا أنني أبسط الأمر و أقنع نفسي بأن علاقتي بهذا المكان قد توطدت منذ جلست فيه أول مرة دون أن يرافقني أحد أو يقطع خلوتي مع نفسي و أفكاري المبعثرة التي جئت ألملمها .

كتبت فيه الكثير من الموضوعات ووضعت الكثير من الأفكار لقصص أو رسومات تحولت إلى لوحات .
تولدت في هذا المكان العديد من المشاريع الأدبية والفنية التي نفذتها خلال السنوات الماضية.
ورأيت وجوها جديدة تشابهت مع وجوه كثيرة رأيتها في أماكن كثيرة فغمرتني سعادة إستعادة اللحظات الجميلة لحظات عمر مضى ولن يعود بجماله وبهائه إلا في وجود من رافقنا تلك الأيام والأماكن،لهذا فالمكان يجدد اللحظات بروح جديدة وحالات تجعلنا نمعن ل في قيمتها اللحظات ونردد قول عمر الخيام:
( واغنم من الحاضر لذاته : فليس في طبع الليالي الأمان )

توارد في ذهني أيضا أماكن أخرى في بلاد عشت فيها،أحببتها لأمر ما .. قد يكون جمال المكان أو صحبة أصدقاء .

أذكر أنني في زيارة لقصر الحمراء في مدينة غرناطة الإسبانية منذ أربعين عاما قد وقفت عند أحد نوافذ القصر المطلة على الوادي العميق وخطر ببالي سؤال كلما تذكرت المكان قفز إلى ذهني وهو: كيف سقط هذا القصر المحصن والعظيم في أيدي الإسبان وإقتحموا أسواره الحصينة؟!

و أذكر أني حين زرت مدينة الأقصر في جنوب مصر ذات شتاء بعيد سحرتني ألوان غروب الشمس وهي تتبدل رويدا رويدا وتنعكس على التلال التي تحيط بالنيل العظيم في لوحة ربانية رائعة.

وما زلت أحتفظ بحجر ملون حملته في زيارتي لقبرة زوجة أغاخان القابع على الربوة العالية بصفحة النيل، و أنني شربت شربة ماء بكف يدي بينما المركب الشراعي يمخر بنا خلاله لنعبر للشاطئ الأخر.

و أذكر وسأبقى أذكر زيارتي الأولى للقدس والسير في أزقتها العتيقة و يدي تلمس جدرانها بينما أصابعي تتبع ما خطه التاريخ عليها وكنت أرى وجوه الفاتحين تملأ الأفق وسمعت أصوات السيوف وقرع الطبول.
ورأيت وجوها فزعة قلقة غاضبة حزينة.
أقسمت أنني لن أزورها مرة أخرى وهي على حالها هذه يجثم على صدرها الإحتلال وتدنسها قطعانه المتوحشة.

هناك نخلة عتيقة تتوسط بيتنا القديم، أراها في كل أحلامي.. أحن إلى طفولتي يوم كنت ألعب مع أخوتي حول حوضها المزروع بالريحان .

و هناك شجرة كبيرة في مكان جميل كنا نجلس في ظلها أقرأ فيه عيون حبيبتي وأسمع شدو صوتها.

الأماكن الحميمة كثيرة ولكل منا المفضل منها.
وأماكن أخرى و أحداث لا نرغب في إستحضارها لكرهنا لها وعدم تآلفنا معها، ولكل منا منها نصيب.

Hits: 17

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°