أحدث الأخبار

الحياة السياسية بين “الـتـسامح” و”الاعـتـراف بالغـيـر”/ الدكتور عبد القادر حسين ياسين

+ = -

الدكتور عبد القادر حسين ياسينGetAttachment

“قـد لا أوافـقـك عـلى ما تـقـول ،

ـلـكـنـني عـلى إستـعـداد لأن أضحي بـنـفـسي،

لـلدفاع عـن حـقـك في قول ما تريد “

فولتير

تحفل الحياة السياسية والفكر والإعلام والصحافة في العالم العربي بكمّ هائل من الأكاذيب والنفاق وكل ما يرمي إلى تجنب الحقيقة في محاولات ذكية للتهرب من الإفصاح عنها ملبسة إياها أقنعة مزورة تخدع الرأي العام وتضلله.

ويعزز نمو هذا ” الفن” وتطوره وازدهاره، تعدد الأديان والطوائف والمذاهب والإثنيات التي تتقاسم في ما بينها هذه الرقعة أو تلك من الأرض. وقد جرى في السابق وصف هذا التقاسم بالتعايش بين الطوائف، إلا ما كان من أمر التعايش السلمي بين الأنظمة وبالأخص قيام الحرب الباردة حيث راح يرخي بظلاله على هذه النعوت، فاضطرت الحياة السياسية إلى التحدث عن العيش المشترك كتعبير جرى تداوله في الإعلام ، لأن التعايش يتم بين فرقاء ومعسكرات ودول متناحرة تعيش على الدوام في ظل حرب غير معـلنة.

وقد أضيف أخيراً تعبير لافت جديد هو المساكنة الذي يـقـصـد بـه المساكنة الطائفية في مجتمع متعـدد الطوائف.

ما أود إثارة النقاش حوله بالضبط، هو الفرق بين التسامح والاعتراف بالغير. فقد طرحت مسألة التسامح باكراً في تاريخ البشرية ، وخاصة عندما احتل الامبراطور قسطنطين الاول (337-280) عرش روما ، وبسبب ملابسات تاريخية تغلبت عليها لعبة توازنات القوى أطلق للمسيحيين حرية العبادة وأحاطهم بالدعم والتشجيع من دون أن يتخلى عن مركزه كـ “حبر أعظم ” لرجال الدين الوثني الروماني. ومن مفارقات تاريخ الكثلكة ان يحتفظ بابا الفاتيكان بهذا اللقب حتى يومنا هذا.

إن المسيحية ، كما الإسلام واليهودية وأديان الشرق الأقصى كلها، تعرضت للانشقاق وظهور البدع والفرق والمذاهب وحركات الإصلاح وأتباعها إلى ما لا نهاية. وعلينا الإقرار أن الآخر آو الغير قد لا يكون دائماً في معتقداته ورؤيته للقيم كما نريد ونشتهي.

فما العمل؟ إما أن نتبنى سلوكاً تناحرياً قمعياً يصل إلى حد القتل والتضييق والتعسف والتنكيل أو ننهج اسلوباً آخر.

وهذا السلوك الآخر هو الذي يقودنا إلى تحري ذلك عبر مراحل التاريخ، لأن تبنيه والسير فيه قد يتطلبان تطوراً نوعياً في علاقة البشر في ما بينهم وخاصة على مستوى السلطة السياسية والدينية وموقفهما ، فما بالك لو كانت السلطة الدينية والزمنية في يد واحدة؟

هل نتذكر أن الخلافة الإسلامية ظلت قائمة حتى 1924 وانه حتى عام 1929 ظل الفاتيكان على موقفه من انه أسير ورهينة لدى الدولة الايطالية حتى توقيعه اتفاق “لاتران” مع موسوليني؟

في مؤتمر حول الحوار بين الأديان والحضارات شنَّ المفكر اللبناني علي حرب هجومه الرائع على فكرة التسامح معلناً زيف هذه الدعوة داعياً إلى الاعتراف بالآخر كشرط ملزم للحوار.

وفي رأيي المتواضع فـإن هذا الموقف كان علامة فارقة تطرح أرضا ليس الإرهاب ونبذ الآخر ورفضه فحسب ، بل أيضا المضي العاجز والمتخاذل في لغة التسامح ومنطقه. فهل تكريس التسامح هو الطريق إلى حالة أرقى أم الاعتراف بالآخر هو السبيل الوحيد؟ فلا المسيحيون في المجتمعات “الإسلامية” هم رهائن وأسرى في ذمة المسلمين ، ولا المسلمون في المجتمعات الأوروبية العلمانية هم عملياً أسرى ورهائن قيم وعلاقات يرفضونها لكنهم يعيشون في ظلها ويخضعون لقوانينها. ذلك لأن المساواة الحقيقية والفعلية أمام القانون ليست كافية بل على الدولة أن تتخذ موقفاً وسلوكاً مختلفين ، وهذا هو الذي يقودنا بالضرورة إلى البحث عن دولة خالية تماماً في كل بنيتها الفوقية من أي انتماء ديني آو مذهبي أو عرقي.

وهذا ما يفترض حياداً كاملاً في قوانينها وإداراتها ومؤسساتها ، وبالأخص التعليم بجميع مراحله حيال المعتقدات الدينية وشعائرها. فالاعتراف بالآخر وبالغير لم يعد كافياً ، وان كان ضرورياً ، بل أصبح من الضرورة بمكان قيام الدولة العلمانية التي يستطيع في ظلها كل المواطنين (لا الرعايا) أن يمارسوا دورهم الكامل كمواطنين.

أما بماذا يؤمنون أو لا يؤمنون ولأي دين ينتمون أو مذهب أو طريقة فهذا مكانه المنزل وأماكن العبادة والصلاة أو المدرسة الخاصة لا التعليم الرسمي الذي لا يعتمد أي تربية دينية قط. إذ كيف نتوقع ونسعى للوحدة الاجتماعية في مجتمع نجعله على الدوام عرضة للتمزق الديني والطائفي والمذهبي الخ…؟

هل يصح أن نفصل ـ كما الخيّاط ـ لكل دين وطائفة ومذهب وطريقة دولة على مقاسه، فتصبح الدولة اتحاداً هـشاً غير متماسك سريع العطب لمجموعة الأديان والطوائف والمذاهب بل الدول والدويلات، كما هي الحالة في لبنان والعراق؟

هـل صحيح أن الخلاف هو حول الله كقيمة مطلقة التي لا علاقة لها برؤيتنا ولا بمعتقداتنا وعباداتنا وطقوسنا، أم الخلاف في حقيقته هو حول إنتاج السلع المادية الضرورية للحياة ووسائل الإنتاج والتبادل والسلطة السياسية؟

تلك هي المسألة ،

وهـنا ينصب النقاش.

Hits: 34

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°