أحدث الأخبار

أردوغان – غولن: ماذا فعلتما بتركيا؟/ ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخmajed1

  الانقلاب التركي الفاشل، كان مجرد لحظة من لحظات نزوة عابرة، لكن الانقلاب “الناجح” الذي ما زالت تداعياته تتوالى وترين بكلكلها على كامل الحياة التركية، هو ذاك الذي سيبقى مقيما لفترات طويلة من الزمن، وفي طريقه سوف تسقط الكثير من الضحايا والخسائر والخسارات الشعبية والمجتمعية، حسما من هيبة وكبرياء الدولة التركية، في ظل ما بدا ويبدو أفعالا مبيتة، وردود فعل انتقامية تطهيرية تجاوزت كل الحدود. 

  ويبدو أننا ما زلنا أمام غيض من فيض ما شهدناه يجري اليوم في تركيا، في ظل انكشاف، بل انفضاح الصراع الخفي والمعلن في بعض جوانبه، بين حليفي الأمس: حزب العدالة والتنمية ورمزه الأبرز رجب طيب أردوغان من جهة، و”حركة الخدمة” بزعامة فتح الله غولن من جهة أخرى، لندرك اليوم أن تركيا كانت تعيش، وقد باتت تعاني الأمرّين، أمام نموذجين لاستبداد شرقي – إسلاموي لا يوفر مطمحا ولا غنيمة إلا ويريدها لنفسه، وقيمة مضافة لسلطته، سيما وقد باتت طموحات السلطة أحادية، رغم الانتخابات في حال أردوغان وسلطته الفردية المطلقة، ورغم تلال الأموال لدى غولن وسلطته الموازية، التي هدفت إلى تكريس سلطة فردية مطلقة، بدعم من طموحاته السلطوية الشمولية، وممن يقف وراءه من قوى أجنبية.

  أليس هذا الذي يجري في تركيا اليوم، سوى صنيعة النزوع الاستبدادي، لدى عدد من سلطات الأمر الواقع، تنازع واحدتها الأخرى، من داخل المؤسسات العسكرية والأمنية من جهة، وعبر المؤسسات المدنية التجارية والاقتصادية والإعلامية والأكاديمية من جهة أخرى؟. وفي الحالين يجري إخراج تركيا الدولة والمجتمع من حال التعافي والاستقرار، ليجري إدخالهما غرفة العناية الفائقة، على ما كان الحال

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، يومها كان الجيش هو القطب الأبرز في التنازع على السلطة، أما اليوم فقد دخلت تركيا بجمعها وجموعها عسكرية ومدنية في أتون صراع أهلي، قد يمهد لسنوات عجاف من حرب أهلية فعلية، وإن لم تكن، فرمزية، تملأها الكراهية والتضاد و”القسمة الضيزى” بين أبناء المجتمع والشعب الواحد، وهذا كفيل بإطاحة كل ما راهن الشعب التركي وقواه السياسية والحزبية على أن يكون فاتحة الدخول إلى جنة الاتحاد الأوروبي، لكن التطورات الأخيرة وتداعياتها المستمرة، والتي قد تستمر طويلا، وأطول مما تتوقع السلطة، تدفع بتركيا خطوات إلى الوراء، في اتجاهات جحيم آسيوي أكثر استبدادية، من استبدادات مماثلة مرت على تلك البلاد، ومما تمر به بلادنا الآن في ظل الثورات المضادة، وصراعاتها مع أنظمة الاستبداد الحاكمة، ومع شعوبها التواقة للتحرر من نير عبودية الاستبداد السلطوي السياسي الحاكم، والديني الساعي للاستبداد بدوره هو الآخر بالسلطة السياسية وتلك الأهلية.

 إن مقاتل الدفاع عن السلطة والتشبث بها، ولو بأثمان مرتفعة، أو محاولة استجلابها والقبض عليها بأي ثمن، تكاد تودي بتركيا الدولة/الأمة، وتعيدها سنوات إلى الوراء، وربما إلى حكم الملل والنحل العثمانية القديمة، في تلبية لطموحات أفراد لا تربطهم بالمجموع التركي سوى “قرابات” النزوع السلطوي، و”غرابات” الوظائف الاستثمارية لطرق ودروب الوصول إلى السلطة، أو التشبث بها بالنواجذ، وتلك طرق السلطويين بشكل عام، فكيف هي حال قوى “الإسلام السياسي”، ممن يعتبرون أن الله منّ أو قد يمنّ عليهم بالسلطة والجاه و”القرض الحسن”؟ أما صندوق الانتخاب فهو سلم صاعد في اتجاه واحد، وليس له تلك الأهمية التي توليها المجتمعات المدنية المواطنية لسلطة الحق والحقوق والواجبات الدستورية.

 اليوم وغدا لن ينجو أردوغان ولا غولن من حساب النفس العسير، ومن حسابات شعبهما، حين يتوقف الجميع أمام السؤال الكبير: أردوغان – غولن، ماذا فعلتما بتركيا؟ حينها من يغفر لمن؟ لا سيما في حال استمرار الصراع العنيف، وحين لا تستطيع تركيا كدولة أن تستعيد مكانتها التي كان يمكن أن تجعلها دولة الحداثة والتنوير الرائدة في منطقتها، قبل أن تأتي بعض غربان لتطيح نموذجها الذي كان

يمكن التماهي معه أو محاكاته، وإذ بنزوع السلطة الفردية المطلقة وصراعاتها، والطامعين بالحلول والإحلال، يحطمون هيكل ذاك النموذج الذي يشارف على أن يستحيل خرابا.

  فمن ينقذ تركيا غير عقلانية السياسة، وساسة الحداثة والتنوير والعلمانية في ظل عودة تركيا إلى أحضان شعبها، بدلا من احتضان ذاك التنظيم أو تنظيمات الانتحار والقتل الوحشي، وهو ما أذاق الأتراك مرارات العيش والتصادم وانفلات الصراعات الداخلية، بعد استقرار نعمت خلاله تركيا برغد العيش والتقدم والنجاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وهذا كله يضع النموذج التركي على المحك؛ محك الاستمرارية أو القطيعة، بكل ما تعنيه هذه الأخيرة من انقطاعات في سبل السلطة الناضجة، والحكم الرشيد، والديمقراطية الحقيقية التي يجب أن تقلق كل الحريصين على مستقبلها، ومستقبل تركيا سواء بسواء؟.

Hits: 119

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°