أحدث الأخبار

أمـَّة تعـيش عـالـة عـلى غـيـرها! / الدكتور عـبـد القـادر حسين ياسين*

+ = -

الدكتور عـبـد القـادر حسين ياسين*GetAttachment

لـعـلـنـا لا نـضيف جديدا إذا قـلـنـا أن القيم الثقافية العالية في العالم العربي قد تراجعت ،

وحلت مكانها مظاهر مادية مؤذية أصبحت تسود حياتنا ،

وتتحكم في حركتـهـا اليومية ،

وهي تـقـيس الفرد بحجم السيارة التي يركبها ونوعها ،

وعـدد العمارات التي يملكها ومستواها ،

وما على جسده من قماش وأين خاطه ،

وما في بيته من رياش ،

وليس مُهما ـ بعد ذلك ـ أن يكون في عـقـله شيئ.

في البيت العربي الحديث نجد التلفزيون والفيديو والـ DVD والثلاجة ،

والغسَّـالة ، وغـسـَّالة الأطباق والمكنسة الكهربائية ،

وكل أنواع الكماليات الحديثة.

يتناقش الـعـربي حول كرة القدم ،

ويعرف أسماء لاعبيها في كل دولة من دول العالم ،

ولكنه لا يتعامل مع الكتب والمجلات ،

وليس في بيته مكتبة ولا آلة كاتبة ،

ولا يعرف اسم مؤلف واحد ،

حتى ولو كان يسكن نفس الشارع وربما نفس العمارة…

وكل هذه ظواهر مقلقة نلمسها جميعا وتـدرك عواقبها قـلة واعية ،

لأنها تنتهي بنا ، في نهاية المطاف ،

إلى أمـَّة تعيش عالة على غيرها،

تستهلك ما ينتج الآخرون ،

وتساق إلى حيث يريدون لها أن تكون …

لا تبدع ، لأنها لا تقرا ،

ولا تخترع ، لأنها لا تفكر ،

ولا تـُعـمـل عـقـلـهـا في شئ ،

لأنها ـ ببساطـة شـديدة ـ مشغولة بمطالب المعـدة ….

وغـني عن البيان ، أن التنبيه إلى خطورة هذه القضية يتجاوز قدرة الفرد،

وعلاج خللها يتجاوز طاقة وزارة ،

لأنه يتوقف على المكانة التي نريدها للأمـة العربية ،

والسياسة التي نـقـررها لنبلغ بها هـذه الـمـكانة ،

والنهوض بها مـُوزع على هيئات عديدة ،

استكانت منذ زمن طويل وأصبح شعارها.

“ليس بالامكان أبدع مما كان..!!”

إن بداية الإصلاح تكمن في أن يعي المثقفون الحقـيـقـيـون دورهم وأن يدافعوا عنه…

ولا أذيع سراً إذا قـلت أن أشباه المثـقـفـين ،

(وهم ، بالمناسبة ، أشد خطرا من الأميين)

زحفوا على الصفحات الثقافية في الصحف الرئيسية وفي أجهزة الاعلام ،

وجعلوا منها شيئا غـثا لا لون له ولا طعم ،

وإن كانت له رائحـة تزكم الأنوف .

فمن العـيـب أن يبقى كاتب شريف عـضوا في اتحاد كتاب لا يتبنى قضية جادة ،

ولا يدعم موقف كاتب مناضل ،

ولا يعرف له أحد نشاطا ، وان يبقى على الحياد؛

ذلك أن ادعاء الاستقلالية ، في مثل هذه الحالة ،

ضربٌ من الانتهازية لا نرضاه لهم ولا يرضونه لأنفسهم .

إن العودة بالثقافة نفسها إلى معاناتها الأولى ،

دونه جهاد شاق على جبهات عريضة وعديدة يبدأ بالمدرسة ،

وقد انهارت تماما منذ سنوات عديدة ؛

فلم يعد بها مكتبة ، ولا تشترك في مجلة ،

ولا تقيم ندوة تناقش قصة،

وينتهي بالمكتبات العامة التي انتهى بها المطاف،

إلى مخازن للكتب تعـبث بها الفـئران ،

ومختلف ألوان الحشرات الزاحفـة والطائرة …

وعـبر هذا الطريق هناك المؤسسات الثقافية العـديدة ،

ونوادي الخريجين، وهيئات التدريس والنقابات المهنية المختلفة ،

كلها مطالبة بأن تسهم في بعث ثقافي يستهدف تنوير المواطن ،

وشحـذ العـوامل الايجابية في أعماقه ، ليتفاعل وينفعـل ،

ويترك مكان المتفرج إلى موقف المشارك .

وقبل ذلك كله ، لا بد من التأكيد على المناخ الثقافي،

ورفع الوصاية عن الشعب ،

فلا تحدد الدولة للكاتب ماذا يكتب وإنما يكتب على مسؤوليته ،

ثم تقول الجهات القـضائية رأيها فيما كتب بعد أن ينشره ،

إذا رأت الحكومة في ذلك خروجاً على القانون،

فنحمي التأليف والنشر من كل رقابة مسبقة ،

مهما كان طابعها سياسية كان أو دينية …

ولا تحدد الدولة للشعب ماذا يقرأ وماذا يدع ،

وتحول بينه وبين ما ينشر في الخارج من أبحاث ودراسات ،

ذلك أن الحوار الفكري دعامة أية حياة ثقافية حية ،

ولا يقوم إلا حول وجهات النظر المختلفة،

ومن تصارع الآراء تولد الأفكار العظيمة .

إن دور المثقفين العرب الحقيقيين يكمن في العمل على إيجاد المناخ الملائم ،

لتنمو فيه الطاقات المبدعة والحقيقية المرتبطة بمستقبل الإنسان العربي ،

ومحاربة كافة العناصر التي تعرقل الإبداع الحقيقي ،

وتعمل على إجهاض القيم الروحية النضالية ،

التي تبدو في التراث العربي والتراث الإنساني ،

وفي علاقة الفرد اليومية بالحياة ،

وهو يناضل من اجل الخروج من مشاكل التخلف وصقيع التبعـيـة .

وبـعــد ؛

إن الاديب الملتزم ضمير الشعب وقوة خلاقة ،

ومفتاح لباب الأمل والطمـوح الإنساني الرحب .

كما أن العمل الجماعي المنضبط والحوار الديمقراطي ،

وتحويل المؤسسات الثقافية إلى ميدان للخلق والإبداع والتلاحم ،

ومواجهة المشكلات الاجتماعية والسياسية التي تعاني منها الشعوب العربية ،

مواجهة صريحة وجادة ، ومحاربة العناصر الانتهازية التي تتسلل إليها ،

والتي لا علاقة لها بالابداع والأدب كعملية حضارية رفيعة المستوى،

وخلق جسور التعاون بين المؤسسات الثقافية ،

والتصدي لوسائل الإعلام التي لا تخدم مصلحة الجماهير ،

كل ذلك يمكن أن يؤدي إلى جعل الروابط الثقافية وتوعـيتها وترشيدها،

ثم قيادتها لتحقيق مـُـثــُل التقدم والحرية ومَحو الأمية ،

والقضاء على الجهل بكافة أشكاله،

ورفع المستوى الثقافي للإنسان العربي وشحذ وعـيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كـاتب وأكاديمي فـلـسـطيني مـقـيـم في السـويـد .

Hits: 4610

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°