أحدث الأخبار

أنقرة وأزمات الدولة المريضة / ماجد الشّيخ

+ = -

majed1ماجد الشّيخ

لم تكن نهاية المحاولة الانقلابية الفاشلة، سوى بداية رأس جبل الأزمة التي تعاني منها تركيا في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخها، فقد دخلت تركيا وبإرادتها حلقة الأزمة المتجددة: أزمة الهوية وأزمة السلطة الحاكمة بالفعل، وتلك الموازية وحتى تلك العميقة،

وفي خلال كل هذا أزمة مجتمع ودولة، ما تني تتعثر في مواجهة تثبيت سماتها الخاصة كدولة/أمة ناجزة، رغم توصيفات الأوربة والعثمنة والحكم الذي يوصف بالسلطاني والاستبدادي والديكتاتوري، ومحاولات “الأسلمة” التي تتمازج مع العلمنة لدى قطاعات واسعة من الشعب، فيما الأقلية المتطرفة دينيا وأن سعت لتطبيق “الأسلمة”، فهي في المقابل لا تعادي محاولات العثمنة، حفاظا على ما تعتقده هويتها القومية، تلك التي يسعى القوميون الأتراك لجعلها أيقونة الدولة والمجتمع التركي، في مواجهة طموحات القوميات الأخرى بالاستقلال أو الانفكاك من أسر وهيمنة الدولة التركية.

هي الأزمة أو الأزمات المتراكبة والمضافة، في الدولة المأزومة الحائرة بين هوياتها المتنافرة، ما يجعل من تركيا اليوم وكأنها حقل تجارب سياسية لدى النظام، وحقول تجارب مختلفة لدى المؤسسة العسكرية من جهة، و”رأسمالية الدولة” الموازية التي تهيمن على العديد من القطاعات الواسعة من الاقتصاد وبنى المجتمع المدني والتعليمي والجامعي، من قبيل “حركة الخدمة” بزعامة فتح الله غولن، ومن قبيل تلك المؤسسات التي طورها الجيش بشكل مستقل داخل الاقتصاد الوطني.

إنها الأزمة وقد بدأت، فلا مفر من استكمال حلقاتها الواحدة بعد الأخرى، فالمحاولة الانقلابية الفاشلة، رسالة من رسائل عدة، ينبغي فهمها واستيعابها، كونها إشارة من إشارات المعارضة وأحجامها الصاعدة والهابطة ضد النظام، من داخل المجتمع المدني، ومن داخل المؤسسة العسكرية، ومن على حوافها من مؤسسات سلطة

موازية وتلك العميقة، التي بدت غير منظمة ولا موحدة في الساعات الانقلابية العصيبة، الأمر الذي أتاح للسلطة الحاكمة إعادة تنظيم صفوفها والانقلاب كرة أخرى جديدة على خصومها ومنافسيها دفعة واحدة، في مواجهة تتلبسها روح الانتقام، موازية فيها موقفها المضاد للديمقراطية وقيمها، تماما مثلما ذهب الانقلابيون إلى ذات الموقف المضاد لقيم المجتمع المدني والديمقراطية؛ حتى بات الأتراك بمجموعهم، يعيشون معطيات “انقلاب مزدوج”، جرى من خلاله إهدار قيم وأخلاقيات الديمقراطية، والدوس على حقوق الانسان وتشويه نزاهة القضاء، والعودة بتركيا الدولة والمجتمع إلى الاعتلال المرضي من جديد، كتلك الفترة التي شهدتها سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، لجهة فقدان الاستقرار، وعودة اضطرابات الدولة المريضة، وإن يكن ليس لجهة المعطيات الاقتصادية والاجتماعية والتنافرات السياسية، وإنما لجهة وحدة الأمة التي أصيبت في الصميم، جراء خلافات عميقة على السلطة وطبيعتها، وتغول بعض أطرافها الحاكمة ونزوعها للاستفراد بها، في مقابل حرمان قطاعات واسعة اقتصادية وسياسية جرى ويجري تهميشها، في المتن كما في هوامش الديمقراطية الانتخابية، التي لا تعبر بشكل مطلق عن معايير وموازين قوى المجتمع المدني.

لهذا كان الانقلاب والانقلاب المضاد، رأس سنام الاختلال الفاحش الذي بات يعانيه مجتمع الدولة والمجتمع المدني والقضائي والأكاديمي والاقتصادي والاجتماعي، وبالطبع من ضمنها المؤسسات العسكرية والأمنية، وهذه الأخيرة هي التي استطاعت أو حاولت التعبير عن ضيمها وتبرمها وضيقها، فلم تفلح هذه المرة، الأمر الذي سوف يبقيها على حافة “الانفجار”، كلما سنحت لها الفرصة، لا سيما وأن انقلاب السلطة المضاد سوف يخلق العديد من حالات الضيق والتبرم بالأحكام التي يمكن أن تصدر، ومنها أحكام الإعدام في حال جرى تشريعها من قبل البرلمان.

رسائل الانقلاب عديدة، وأكثر من أن تحصى، إذا قرئت بشكل موضوعي، بعيدا عن المصالح الأنانية والنرجسية، وهوى الانتماءات الفئوية ورغبات وأماني الخارجين من وطنياتهم وهوياتهم الواسعة، إلى اتجاهات أكثر ضيقا وهويات أكثر من قاتلة.

انتهى الانقلاب، نعم ربما، لكن الانقلاب الآخر بدأ يواصل هيمنته على السلطة، بل كل السلطات الموازية والعميقة، حتى باتت “الأردوغانية” واحدة من مكملات التضاد مع “الأتاتوركية” وتمثيلاتها العسكرية من جهة، ومع “حركة الخدمة” وتمثيلاتها الاقتصادية والمالية والاجتماعية بكل ثقلها وأثقالها من جهة أخرى، الأمر الذي يعني أن الوضع التركي بانقلاباته، بات يقف على أبواب الجحيم وفي أتونه الملتهب، بغض النظر عن مدى التزام القوى السياسية بديمقراطية الانتخابات وتقاليدها ومعاييرها القاصرة.

على العموم يمكن القول أخيرا، وفي ضوء المحاولة الانقلابية الفاشلة الأخيرة، أن الجنرالات وفي أي مرة قادمة، قد يلجأون للانحياز إلى الوسائل السياسية، لإجبار الحكومة على الانصياع لمطالب الشعب والمجتمع، ذلك أن خبرة الوعي بالانقلابات ومعطيات السياسة والاقتصاد في بلد كتركيا، أضحت تشكل كابحا رئيسا أمام العودة إلى حكم الطغم العسكرية.

Hits: 5449

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°