أحدث الأخبار

صــديـقـي الـيـهـودي “الـحـاج” إدمـون عـمران الـملـيـح/ الدكتور عبـد القـادر حسين ياسين

+ = -

الدكتور عبـد القـادر حسين ياسينNamnlös10

لا زلت أذكر لقائي الأول معه.

كان ذلك منذ سنوات، في المعرض الـدولي للكتاب في باريس.

يومها، لم أكن أعـرف الرجل شخصياً…

وقال لي باتـريس بارا ، مـديـر دار “أندريه ديمانش” (التي أعادت نشر غالبية أعماله):

“هل تريد مقابلته؟ سيأتي ليوقع كتابه في السادسة مساء.”

تقـدمتُ منه لأعـرّف بـنـفـسي ولأقـول له:

“إنـه لـشَرَفٌ عـظـيـم لي ، يـا سـيـدي ، أن أتعـرّف إليـك! ،

لكنه، الرجل العجوز الهادئ الصموت،

سرعان ما وقـفَ بتمهـّلٍ وثِقَـلٍ ملحوظين،

وبادرَ بمَدّ يده.

ضاعَـت الجملة مني،

وحَـلَّ محلّها الارتباك حين أُواجهُ كبيراً في جَلال تواضعٍ كـتواضعه.

كان لقاء طويلا.

جلست لساعات برفقة هذا “الشيخ الجليل” ،

الذي يـنـاديـه الـمـغـاربـة ـ تـحـبـبـاً ـ بـ “الـحـاج عـمـران”.

ربما لحسن حظي، لم يأت كثر ذاك اليوم،

ليوقع لهم، ما أتاح لي وقـتاً ممتعاً.

تشعـب الـحـديث و “الـحـديث ذو شـجـون”.

وبالرغم من سنّه ومعـرفته وثقافته،

بقي الرجل متواضعاً إلى أقصى درجة.

بقيَ مـتـقـدّ الذهـن أيضا، ولم يـشـطّ للحظة.

ربما هو الدرس الأساس، والأول،

الذي تعلمته من إدمون عمران الملـيـح.

قـبـل حـوالي ست سـنـوات، في 16 تشرين الثاني 2010،

غادرنا الكاتب المغربي الكبير (94 عـامـاً)، بصمت وهدوء،

كما عاش سـنـواتـه الأخيرة.

عاشها بين الأحرف والكلمات، التي عـجـنها،

ليصنع منها بعـضاً من أجمل الكتب،

التي تعـيد تذكيرنا ببديهيات، لا أعـرف لِمَ نتناساها.

هي بديهيات العـدل والمساواة،

بديهيات الحق، الذي لا يسقـط ،

بل بقي إدمون عمران المليح يعتبر الإنسان ،

وما يمثله من قيمة إبداعـية وأخلاقية ،

هي “المذهب” الحقيقي الذي يجب احترامه.

غابَ إدمون عمران الـمـلـيـح!

غابَ المغربي الأصيل أوّلاً، حين التعريف بهويته،

ثم اليهودي كإشارة للديانة وحسب.

هكذا أراد أن يكون، في قرارته، وفي اعتبار الآخرين.

“أنا كاتب مغـربي يهـودي، لا يهـودي مغـربي”،

نافياً بذلك أن تكون الديانة مؤشراً على الهوية الوطنية،

ذاهباً إلى إدانة تهجير يهود المغرب إلى إسرائيل ،

وكل من تواطأ على تنفيذ تلك العمليّة،

معتبراً إيّاها بمثابة “سرقة مواطنين مغاربة! “

حين عاد في أواخر التسعـيـنيات إلى وطـنـه،

بعد ثلاثة عقـود أمضاها في منفاه الطوعي،

كان الجميع يعرف أنّها المحطّة الأخيرة ،

في مسيرة خاصة تكاد تختصر تاريخ المغرب الحديث.

هكذا أعاد إدمون عمران المليح (1917ـ 2010)

تأكيد التمسّك بجذوره الضاربة عميقاً في أرض أجداده،

منذ نزوحهم الكبير الذي تلى انهيار الأندلس.

وفي تلك الأرض، في الصويرة تحديداً كما أوصى،

دفن الكاتب الـمـغـربي الـيـهـودي ،

الذي وصفـته صـحـيـفـة The Independent البريـطـانـيـة

بـ “جـيـمـس جـويـس الـمـغـربي”.

ولد إدمـون بمدينة آسفي الساحلية العريقة ،

التي كان يحس دائما بأنه لا يزال مديناً لها،

وبأن عليه يوماً ما أن يرد هذا الدين…

لكن أصول عائلته تمتد إلى مدينة الصويرة التاريخية ،

وإلى منطقة آيت باعمران الأمازيغـية ،

المعـروفة بتاريخها في مقاومة الاستعـمارالـفـرنـسـي…

عمل أستاذاً للفـلسفة في المغرب،

وترك المغرب رفقة زوجته ماري سيسيل ديفور إلى فرنسا عام 1965 ،

إثر القمع الدموي لانتفاضة الجماهير في أحداث 23 آذار في الدار البيضاء،

واعتقاله وتعرضه للإهانة والإذلال والتعـذيب أيضاً،

من قِبل الدولة التي ناضل ـ إلى جانب مثقفين آخرين ـ من أجل استقلالها .

وفي منفاه الفرنسي كان يشتغـل صحافياً بالقسم الثقافي لصحيـفـة “لوموند”،

وكان منذ طفولته مفتوناً بالرسم،

وسوف تترجم هذه الفتنة إلى مجموعة من الكتب ،

التي ستقدم رؤيته الخاصة للفن التشكيلي،

مثل “العـيـن والـيـد” و”رحلة الـجـير الـبـحـرية”.

دفن الراحل في المقبرة اليهودية بمدينة الصويرة بناءً على رغـبـته،

المدينة التي كانت دروبها ومنازلها العتيقة ،

مسرحاً لأحداث عدد من الروايات

التي نبش من خلالها في تاريخ اليهـود المغـاربة،

ودافع عـبـرها عـن الهـوية رافضاً انسلاخ معظم الأسر اليهودية ،

من أصولها المغربية وتهافتها على الـهـجـرة إلـى “أرض الـمـيـعـاد”.

كان إدمون عـمران المليح واحداً من أكثر الكتّاب الـمـغـاربـة جرأة وشجاعة،

على الأقل بالنسبة لوضعه الخاص،

فهو الـمـنـاضـل اليهودي الذي يناصر القضية الفلسطينية،

ويرفض تهجير اليهود المغاربة إلى إسرائيل،

مثلما يرفـض توظيف “الـمـحـرقـة” لأغـراض إيديولوجية .

وكانت مواقفه هذه سبباً في رفض دار “لوسوي” الفرنسية ،

نشر إحدى رواياته التي اتخذت من مـذبـحـة صبرا وشاتيلا موضوعاً لها،

بدعـوى أن الكتاب “يحمل في طياته معاداة لليهود”،

ربما هذا ما سيدفعه للقول:

“أنا أكتب بالفرنسية، لكن لـغـتـي لا تـشـبـه لـغـة الـفـرنـسـيـيـن”.

ناضل إدمـون في شبابه من أجل استقلال المغرب،

والتحق بالحزب الشيوعـي وتعرض للاعتقال،

وسيترك الحـزب سنة 1959 نائياً بنفسه عن العمل السياسي المباشر،

وسيسافر في الستينيات إلى فرنسا ليستقر فيها أكثر من ثلاثة عقود،

ليعود إلى المغرب مباشرة بعد وفاة الملك الحسن الثاني،

الذي تلخـصـت علاقـته به في كلمة واحدة هي “المعـارضة”.

كانت آخر مواقـفـه منسجمة تماما مع روح البداية،

ففي الندوة التي نظمها “المعهد الفرنسي” في الرباط ،

صرح بأن حكاية المحرقة لا يجب أن تجعلنا نغـضّ الطرف ،

عما يقع في العالم من جرائم، مضيفا:

“إن كلمة لا شوا la shoah هي كلمة قامت الصهيونية باستغلالها ،

لأهداف سياسية وإيديولوجية، وهو نفس الشيء الذي يقع الآن”.

كما عـبـَّر عن دعـمه لنداء الشاعر عبد الطيف اللعبي ،

بخصوص الإعلاء من قيمة الشأن الثقافي في المغرب،

فالمليح كان يرى أن ما يسود الساحة الثقافية هو “غـبـار الـبـهـرجة والتسطيح”،

لذلك كان دائما يدعو إلى الانتصار للثقافة الحقيقية وجعلها عنصرا مؤثرا في المحيط.

كما ظل ينتقد الكتّاب الذين يمجدون “الفرنكوفونية” ،

ويعتبرونها سرّ تألقهم، مؤكدا أنه يكتب أدباً معـربياً لكن بلغة فرنسية،

داعـياً إلى نبذ الصراعات الناجمة عن الاختيار اللغوي،

وعدم تجاهل الأدب المغـربي الأمازيغي ،

والمكتوب بلغات أخرى كالهولندية والاسبانية.

هذه المواقف، جعلت العديد من دور النشر في فرنسا ترفض نشر كتبه،

لما تضمنته من مواقف معادية للفكرة الأوروبية حول إسرائيل ،

بإعـتـبـارهـا “واحـة الـديـمـوقـراطـيـة في الشـرق الأوسـط”…

ومع ذلك، لم يقدم إدمون عمران المليح أي مسوغات،

فالموقف الأخلاقي بالنسبة إليه، كان الأهم من كل شيء.

إضافة إلى كتاباته التي ستبقى من ركائز الروح المغربيّة ،

والأدب العربي والإنساني،

سنتذكر صوته الهادئ ونظرته النقدية التي تغذّي النقاش،

وانحيازه الدائم إلى الموقع المعارض.

في زمن المرتزقة وتجار الفتنة والانغلاق والتعصّب،

سنبقى نتعلّم من مفهومه العلماني لـ “المواطنة”.

وسـنـسـتـلـهـم حماسته في الدفاع عن العـدالة، ومواجهة الظـلـم.

إنّه المعلّم الذي شهد للحقّ حتّى اللحظة الأخيرة من حياته.

إنَّ رحيل إدمـون عمران المليح ، أكثر من خسارة للثقافة المغربية وحدها.

هي خسارة لمبدع أعلى شأن الأخلاق ،

مـبـدع شكل مكانة حقيقة في وعينا الثقافي، على الأقل.

لذلك من الصعب تعويض هذه القامة،

في زمن تفيض منه رائحة كراهـيـة الأديان المتناحرة

ويبقى المليح أحد أبرز الروائيين المغاربة الذين كتبوا بلغة موليير ،

أما نظرته للكتابة فتبقى فـريدة وخاصة، هو الذي قال:

“عادة ما تنسج حول الكتابة الأساطير،

وتنسج حول الكاتب هالة، فيما أن الأمر بسيط،

فهو يكتب مثلما الآخرون يرسمون أو يغـنـون أو يـبـيـعـون الخـضار”.

في الـثـالـثـة والـسـتـيـن بدأ الكتابة الفعـليّة،

وفي الـرابـعـة والـتـسـعـيـن أنهاها،

أو ربما تركَ لنا أوراقاً تنتظر النشر؟

فـلـنـتـأمـلْ … ونأمل!

Hits: 29

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°