أحدث الأخبار

تـأمـُلات في الـدَّعـارة الـفـكـريــة / الدكتور عـبد القادر حـسين ياسـيـن

+ = -

الدكتور عـبد القادر حـسين ياسـيـنGetAttachment

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي،

وتراجع حركات التحرّر الوطني في “العالم الثالث”،

وإشتداد الهجمة الفكرية والإيديولوجية والسياسية والإعلامية،

ضدّ الماركسية والفكر الاشتراكي واليساري عموماً،

انقلب قسمٌ لا يستهان به من مُنظـّري المادية الجدلية والمادية التاريخية،

ودُعاة الاشتراكية ، ومن المناضلين الأشدّاء ضد الإمبريالية…

إلى التشنيع الرهيب ضد ما كانوا يدعـون إليه من فكر ومبادئ وقيم وتوجهات،

وتحوّلوا خلال عـقـدين من أشرس نـُقاد “الفكر الرجعي المتخلف” ،

إلى مُروّجين ومُسوقين نُجباء للطائفية والمذهـبـية والسلـفـية…

ولكل ما يمت لهذه الأنساق المفاهـيـمـية والسياسية بصلة.

وتتزايد أعداد “التائبين” من المثـقـفـين،

فيقوم بعضهم بـ “النقد الذاتي”،

ويُعلن غيرهم أنهم “اكتشفوا” هشاشة تلك النظريات والإيديولوجيات،

التي التزموا بها عـشرات السنين…

أما الرهط الآخر فيضع إمكاناته المعـرفية والثقافية والسياسية،

و”خبراته التسويقية” بتصرف السُلطان وسلطاته، أو المال وكانزيه.

لقد أصبحت هذه التحولات الفجائية ظاهرة تستحق التأمل والبحث والدراسة ،

فهل هي نتيجة طبيعية لـ “مراجعات” نقدية ضرورية،

أم أنها مسألة متعلقة بأخلاقيات المثـقـفـين العـرب،

وإنتهازية فاضحة عـند جزء منهم؟!…

فلو كان الأمر يعود إلى تصحيحات معرفية وثقافية وسياسية على أسس موضوعية،

لكانت المسألة مطلوبة فعلاً،

أما أن يقوم المثـقـف بإعلان “توبته” من فكره ومسيرته السياسية والثقافية،

ويتبرأ من انتمائه الحزبي بانعطافة خطيرة،

وكأنه كان مُجرماً وجاء الآن يطلب الصفح والعـفـو

عن نهجه الوطني أو الاشتراكي والتحرري.

ونستذكر في هذا الشأن ما كتبه عبد الإله بلقزيز في كتابه ” نـهاية الداعـية”،

من أنّ هؤلاء “التائبين” ينتقلون اليوم ـ فرادى وزرافات ـ

“من ماض مُـثخن بأسباب الخجل إلى حاضر مغمور بالأمل”.

لا وقت لمحاسبة الضمير في هذا الانتقال …

فلقد بدأ هـؤلاء “رحلة الشتاء والصيف” نحو ضفة جديدة مأمونة،

فلا مجال للعودة عـنها أو للتوقف في منتصف الطريق.

ثم لا شيء يغريهم بأن يأتوا ذلك:

“لقد انهزمت العروبة ـ قالوا ـ ، والوطنية، والاشتراكية،

وانهار معسكرٌ وجدار،

فما الذي يبقيهم في الأوهام؟!.

هذا هو منطقهم في الذهاب وفي الإياب.

ومن في نفسه ذرّة من شك في ذلك، ما عليه سوى أن يقرأ مقالاتهم التي دبجوها لهذا الغرض” (عـبد الإله بلقزيز ، ” نـهاية الداعـية”، صفـحـة 88).

من المؤسف أنّ ما يجري ليس له من اسم سوى “الدعارة الفـكرية”،

وبيع الذات والمعرفة والخبرة لمن يدفع أكثر،

وإلا كيف أصبحت العـروبة لدى هؤلاء دعوة شوفـيـنـية عـنصرية وأكذوبة إيديولوجية،

وكيف لم نعد مجتمعاً عربياً، بل مجموعات قبلية وعشائرية وطائفية وأقليات،

وكيف ظهر لهم أن حقوقنا التاريخية ليست سوى خرافة أمام “حق” الصهاينة في فـلـسـطـيـن، وكيف أن الحديث عن الأعـداء والمطالبة بالحقوق المشروعة ،

أصبح مجرد “كلام خشبي” ومنطق عـفـا عـلـيه الزمن؟!.

وفي المقابل لم تخضع فئة من المثقفين الشرفاء لسوق البيع والشراء،

وبقيت ـ على الرغـم من العوز والحرمان والإقصاء ـ متمسكة بمواقفها ،

وثوابتها ومبادئها وكرامتها.

ولم تلجأ إلى “حظيرة التائبين”،

لأنها لا تبحث عن الشهرة والنجومية الزائفة والكسب الرخيص ،

والخلاص الذاتي على حساب المجتمع.

لعبة “التوبة” المذلة هي أعلى أشكال الانبطاح في الثقافة العربية،

لكن من حسن حظ الأمة أن قسماً من مثقفيها “لم يتب” ،

عن ماضيه الفكري ومواقفه المبدئية،

وما زال يقاوم ويـبـدع.

Hits: 15

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°