أحدث الأخبار

من القدس إلى “كيتو”.. ومن المحروسة إلى المفرق/ حمد نزال

+ = -

thumbnail_HNazzalحمد نزال

تعني كلمة “كيتو”- عاصمة دولة الإكوادور في اللغة الأصلية “وجه الرب”. إن مقولة “مصر هبة النيل” هي دقيقة تماماً لكنها في الواقع تبدو مثل مزحة إذا ما قورنت مع المقولة التي تصف عاصمة تلك الدولة اللاتينية ضئيلة المساحة والسكان.

وتقع بين جبال عظيمة دائمة الخضرة بفضل المناخ المعتدل والمتنوع على مدار العام. كثيرا ما تأتيك الفصول الأربعة في يوم واحد بما في ذلك الشمس الحارقة والأمطار الغزيرة.

كيتو هي أيضا نقطة “منتصف الأرض” ومن هنا تجيء التسمية الإسبانية للدولة. والجبال التي تحيط بالمدينة هي أيضا موطن لأكثر من بركان نشط وبركان خامد من بينها بركان “كوتوباكسي” المخيف المتأخر عن موعده مئة عام!

بسبب تموضع البلاد في أعلى الجبال، يهب هواء منعش طلق يُنصح به من كان عليل التنفس. لقد تحدث العلامة التونسي ”إبن خلدون” بإسهاب عن هذا في باب أثر “المناخ في النفس البشرية” . وما زال كتابه مرجعاً عظيما في حديث العلوم رغم أنه رحل قبل 700 عام. وهذا ينطبق على العلامة “أبو عثمان الجاحظ” وكتابه الخالد “الحيوان”.

وإنا أتحدث عن هذه المدينة اللاتينية ، أتذكر المحروسة.. مصر والأشهر الثلاثة التي أمضيتها فيها قبل اندلاع “الربيع″ بأيام قليلة.

***

كنت أستغرب كيف أن كاتبا كبيرا مثل “نجيب محفوظ” لم يغادر كثيرا خارج حارته الصغيرة في أحد أحياء المدينة. من أين يأتيه كل ذاك الإلهام!

من يعرف المدينة يدرك تنوع القاهرة وتلونها وسرعة تحركها. تستطيع أن تمشي في حارات وازقة قديمة لأربع ساعات من غير أن تشاهد سيارة واحدة. فقط بهائم من خيول وجمال وحمير تجر العربات وتحمل البشر.

ثم تنتهي الحارة الشعبية عند جبل كبير لا يظهر منه إلا باب حجري صغير تحتاج أن تنحني لتدخل فإذا بها مدينة كاملة مختبئة بلا خجل داخل مدينة أخرى منزوية عن زحمة الشوارع والسيارات ومئات البشر الذين يروحون ويجيؤون حاملين ومحملين لمئات من الأشياء التي تعرفها ولا تعرفها..

ثم المئات من الجالسين على المقاهي يدخنون ويلعبون الورق والدمينو… ويأتي رجل يضع “الفول السوداني” حبات بسيطة على كل طاولة في المقهى، إن أكلت واحدة عليك أن تشتري بجنيه.

إنها مدينة كثيرة الألوان بهيجة العمران عتيقة التراث وأناسها طيبون يعشقون المرح ويحبون الحياة، وقد أرجع “إبن خلدون” سبب ذلك لهواء القاهرة الرطب الدافئ المشبع بتيارات نهر النيل الإفريقية.

كنت قد شرعت بعد أشهر من الإقامة في “الجيزة”، بكتابة مقال في وصف المدينة الساحرة “أم الدنيا” فتزامن هذا مع “ثورة إبريل” وأحداثها وجاءا مرتبكا مختلطا مثل “الثورة” ونشر في صحيفة “القدس العربي”، وهذه الأخيرة دائما ما تأخذني إلى مدينة المفرق شمال الأردن.

***

بدأت الكتابة في “القدس العربي” منذ عام 1993، وكان الفضل في ذلك للشاعر الأردني “أمجد ناصر”. لقد نشأت أنا أيضا في “المفرق” وكان أحمد النعيمي شقيق الكاتب رفيقا يطلعني على ما يكتبه أخوه في “لندن”. لقد أفلت من قبضة البلدة الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها العشرين ألفا. إن أول ما قرأنا كان “مديح لمقهى آخر” – باكورة أعمال يحيى النعيمات وهو أسمه الحقيقي – بالإضافة إلى الكتب التي كنا “نستعيرها” من مكتبة “أمجد” (من غير علمه ). كان شقيق الشاعر “يقطع″ صفحة الإهداء، ويحتفظ بها ويعطيني الكتاب. من مكتبة أمجد ناصر عرفنا “تيسير سبول” و “غالب هلسة” جنبا إلى جنب مع غسان كنفاني ودرويش والقاسم وشاعر الاردن “عرار”.

اليوم، أتحسر على “القدس العربي” والملحق الثقافي الذي كان يديره “ناصر”.. ليست القدس ما كانت عليه!

***

ومن القدس إلى مدينة المفرق، التي تضاعفت أهميتها بفعل استضافتها للاجئين السوريين في مخيم الزعتري ومعظمهم لا يدرك أنه ما زال في بادية الشام الجنوبية. أهمية “الفدين” وهو اسمها القديم تأتي من كونها مفترق طرق كما أنها تقع على خط التجارة الروماني القديم الممتد آلالف الأميال من روما إلى العراق مرورا بها. كما أن هواء المدينة – –قديما على الأقل- كان وصفةً لعلاج مرضى التنفس وكان فيها “مشفى” أموياً.

تحديدا إلى هواء البادية في “الفدين” نقل الخليفة الأموي معاوية زوجه “ميسون بنت بحدل الكلبية” بعد أن أكتأبت من جو الغوطة ولم يرق لها القصر المزخرف بالذهب والفضة والديباج الرومي وبعد أن اشتاقت لهواء البادية وهي تقول: لبيت تخفق الأرواح فيه / أحب إلي من قصر منيف. ولبس عباءة وتقر عيني / أحب إلي من لبس الشفوف…

***

لم يعد بإمكان المسافر العربي العادي التمتع بخيارات كبيرة. لا مكان له في بغداد، ولم يعد بالإمكان التسكع في حارات دمشق أو الإقامة لشهر في القاهرة، وتونس -التي كنت طبعت فيها كتابي الأول بتوقيت غير ملائم (2010) – باهتة. وبمناسبة حديث الطبع، وبما أن الشيء بالشيء يذكر، أحيانا واحيانا لا يذكر، فقد كان الروائي التونسي “كمال الرياحي” هو من أقحمني عتبة المطبعة.

كنت في “أبوظبي” أهاتفه قلقا على كتبي التي ُسلب بعضا منها أثناء “شغب الربيع″ وكان الرياحي الشاعر الحساس المحب للموسيقى والحياة يخاطبني وهو في الشارع حاملا هراوة و منخرطا في لجان الحماية الشعبية في العاصمة تونس يحمي حبره وأسطوانات موسيقاه العتيقة بجدية تامة مثلما يذود عن “هارون”، ولده.

***

الآن، وأنا أطبع كتابي الثاني “دبدوب في مول” ما زلت احمل ذات التساؤل حول جدوى الكتابة أو القرأة في ظل سقوط، نعم سقوط بغداد والقاهرة ودمشق!

وأيضا، أحمل ذات التساؤل الذي طرأ عام 2010، وهو كيف أضمن شحن عشرين نسخة منه – سواء براً أو بحراً أو جواً الى اهلي في غزة.

كيتو الإكوداور

كاتب من الاردن، مقيم في واشنطن

الوسم


أترك تعليق

follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً