أحدث الأخبار

بئس الإرهاب الفتنوي المشؤوم / ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخmajed1

ليس من مهمة للدين أو للمتدينين العبث بأقدار الناس ومصائرها، ومن أراد الانتحار فلينتحر، ما شاء له هوى الموت على قاعدة الايمان بكوابيس أو أحلام التسري بالحواري؛ فما هذا من الإيمان أو القناعات الشخصية أو الخاصة، بل هو فعل ارتدادي لهزات تلازم الانسلاب واللاوعي في رغبته الحادة بالانفصال عن الواقع، والاتصال بتهويمات فوق واقعية متخيلة، حتى القناعات بها مهزوزة وغير ثابتة. ولا يختلف المنتحر عن المحرض في هذه الحالة، فالاثنان سواء في الضلال وعتم سوء السبيل والمآل.

الارهاب الفتنوي في هذه الحالة، وفي كل الحالات التدينية، واحد من مضادات العقل ومصداته أمام الحقائق الكونية أو كونية الحقيقة التي تطاردها تلك الثلل من “جهاديي” الأصوليات الظلامية، على اختلافها، اختلاف أديانها وطوائفها ومذاهبها، تلك التي حلت محل العالم في رؤيتها لذاتها، وفي تغييب الآخر وعدم رؤية العالم كواقع موضوعي موجود، قبل أن يوجد هؤلاء وأولئك ممن لا يرون سوى أنفسهم وذواتهم وهي تتفتت وتنفجر وتنتحر، بل تذهب للتلاشي بدون حساب النفس والعقل، وإن بعقاب الانتحار الذاتي، أملا بحيازة “مفاتيح الجنة” وامتلاك أو تملك حورياتها، ضمن عوارض ومتلازمات أكثر من أن تحصى لدى الشخصية التديّنية؛ ناقصة العقل والدين حقا وفعلا.

صار “الجهاديون” انتحاريون في كل مكان، وما عاد الايمان الراجح هو الوازن، صار الارهاب والقتل هو المؤهل للدخول إلى “الجنة” والحلم بلقاء حورياتها، كمحفزات مصلحية لذات مأزومة، لا تبحث إلا عن خلاصها الذاتي كيفما اتفق، وليس إيمانا بالباري وشريعته السمحاء التي ينبغي أن يعقلها الإنسان قبل أن يتوكل أو يعزم.

على أن تمذهبات الحروب الفتنوية التي لن تبقي ولن تذر، واحدة تسعى للخراب وقيامة الموت من رقدته في كل لحظة، وأخرى تنشر الخراب معمما ضد الجميع، جميع الناس من كل الأجناس، فيما جمع الطوائف المتمذهبين يصبون حمم القتل والدمار والخراب ضد البشر والحجر، وكل ما يتنفس حياة في عالمنا، وفي عصرنا هذا.

في جردة حساب منتقاة، ووفقا لبيان صادر عن مستشفى الفلوجة، فقد بلغت حصيلة الخسائر منذ سقوط المدينة بيد “داعش” نحو 13 ألف قتيل وجريح من المدنيين، فضلاً عن تدمير شبه كامل في شبكات الكهرباء والماء والاتصالات والطرق والجسور، إذ تفيد الإحصاءات بتدمير نحو 400 مدرسة و200 جامع و38 مركزاً صحياً ومستشفى، ونحو 7 آلاف منزل، بين دمار كامل وشبه كامل، وأكثر من 6 آلاف متجر وسوق، إضافة إلى أكثر من مليون نازح يقيم غالبيتهم في الخيام ومعسكرات اللجوء. أما في سوريا، فأمر التوظيف السياسي والتوجهات التدميرية لمعظم أطراف الصراع فيها لا يختلف، وكذلك وفي القاع اللبنانية فقد أراد انتحاريوها ومشغليهم ومحرضيهم أن يكونوا فاتحة عمل أمني أكبر، ومدخلا لتخريب أشمل.

هذه لمحة موجزة عن حال الشؤم الذي لم يبلغ مبلغه بعد، إذ مآلاته مفتوحة على مصاريعها في اتجاهات ليست مجهولة، فماذا بعد كل هذه الانتحارات والاندحارات والانحدارات التي تكتنف واقع “الأمة” بدولها ومجتمعاتها وشعوبها، وهي تنتحر على وقع انقساماتها, حتى بتنا مجتمعات متعادية، وأسرا وعائلات متقاتلة، ومذاهب متناحرة، وطوائف تضاد واحدتها الأخرى، بهدف الإزاحة والإقصاء والاستبعاد عن غنيمة السلطة، وقد تحولت إلى سلطات، لا تعترف واحدتها بالأخرى، وهزيمة السلام والاستقرار السياسي والاجتماعي، حتى لم يبق من “الأمة” سوى تلك الأشتات التي تعيد تفكيك ما كان موجودا إلى مكوناته أو طواطمه البدائية الأولى: قبائل وعشائر لا ذمم لها ولا عهود، لم يفلح الدين، كما لم تفلح الدولة أو الفكرة الوطنية والمصالح العامة بإعادة لم شمل ما كان يوما بداية الوطنية الجامعة، في مواجهة

تحديات الاستعمار والتبعية. وها نحن نعود لنترحم على أيام الاستعمار التي لم تكن كلها تغرق في حلكة السواد، كما هي أيامنا هذه.

Hits: 4836

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°