البريطانيون يصوّتون.. والعالم يراقب: «نكون أو لا نكون» ليست فقط المشكلة!

+ = -

860x484

على رجلٍ واحدة يقف الاتحاد الأوروبي اليوم، مراقباً البريطانيين يغادرون إلى استفتاء ستحدد نتائجه وجهة مستقبل التكتل. الانقسام الحاد بين الناخبين يُجسّد حيرةً أمام المفترق. البقاء في الاتحاد هو في مصلحة الجميع، بريطانيا مؤثّرٌ أوروبيا واتحاد لا يواجه عدوى الاستفتاءات، مع لاعب دولي باق تحت مظلته. أو الخروج من الاتحاد، لتذهب بريطانيا في بناء «الاستثناء» على راحتها، ويرتاح التكتّل من النكد والمكابح التي تشكلها لمشروع يتبنى تحقيق أقصى وحدة ممكنة. الخيارات في منتهى الضيق كما وضعها قادة الحملتين: نكون أو نكون، أو تكون أوروبا لنكون.

إذا كان من فائدة للاستفتاء، فهي فتح هذا النقاش على مصراعيه. العالم معني أيضاً، بتحالفاته وخصوماته الدولية، مراقباً أكبر تكتل سياسي واقتصادي يعيش مخاضاً عصيباً. الجوار العربي ليس خارج نطاق التأثّر، رغم ابتلائه بنفسه، ويمكنه التساؤل إن كان لأوروبا أن تُخرِج أفضل من سيرة عقود الخذلان والخيبات.
الاحتمالات مفتوحة على أقصاها، فيما الاستطلاعات مستمرة في إظهار المنافسة الشديدة والتزاحم بين حملتي الخروج والبقاء. الفروقات طفيفة جداً، ولن يحسمها سوى مترددين يشكلون نحو بضع نقاط مئوية. لذا ستبقى الأنظار والأعصاب مشدودة حتى اللحظة الأخيرة من مضي 15 ساعة تصويتية، يدلي فيها ما يقارب 46.5 مليون بريطاني بقولهم الفصل.
عاصمة الاتحاد الأوروبي بروكسل تتصرف بحذر شديد، فهي أكثر المعنيين وتدرك تماماً أن التصويت أبعد ما يكون عن كونه تحديداً لمستقبل دولة عضو. المؤسسات الأوروبية ستفتح أبوابها طوال النهار والليل، مترقبةً بدء ظهور النتائج بعد منتصف الليل قبل أن ينجلي الأمر تماماً في ساعات صباح الجمعة.
المؤسسات الأوروبية حافظت على التكتّم الشديد، مكررة رسالة واضحة تدعو البريطانيين للبقاء، متجنبة إثارة أي هلع بالحديث عن خطط الطوارئ التي تم إعدادها. صحيح أن هناك إنكاراً، لكن المصرف المركزي الأوروبي، على الأقل، لديه خطته للتحرك فوراً مع الصدمة المتوقعة في الأسواق المالية، إذا فاز معسكر الخروج.
هناك لوم؟ بالطبع، لكن الجميع يكتم غيظه. رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون جرّ معه التكتّل لهذا الامتحان العصيب، في وقت مشؤوم يشهد ارتفاع موجة الأحزاب المتطرفة الرافضة لمشروع الوحدة الأوروبية. مهما أنكر ذلك، فصورة الحملتين تقول الكثير عن محركات الاستفتاء. إنها في النهاية معركة داخل حزب المحافظين، لكونه تقريباً الوحيد المنقسم بعمق تجاه العضوية الأوروبية.
لم يستطع كاميرون حتى ضمان وحدة حكومته، ليخرج خمسة وزراء مصطفين في خندق الخروج المعادي له. لم يخترع شيئاً في النهاية. تصرف على طريقة القاعدة الديبلوماسية الشهيرة «إذا لم يمكنك حلّ مشكلة فاجعلها أكبر»، أو على طريقة المثل الشائع «إذا لم تكبر فلن تصغر». لكنه حينما سئل حول تلك الملامات، ردّ أخيراً بالتبرير الذي لم يقنع أحداً «في النهاية عليك طرح هذا السؤال والإجابة عليه، أوروبا تغيرت كثيراً منذ السبعينيات (دخلت بريطانيا في الاتحاد سنة 1973)، وإن لم يكن (الاستفتاء) الآن فسيكون في المستقبل».
القضية كبرت بالطبع. الساحة الأوروبية شهدت استنفاراً سياسياً يدعو البريطانيين لعدم ارتكاب خطأ لا رجعة عنه. وزراء وزعماء قالوا ذلك، في تصريحات أو مقالات نشرتها الصحف البريطانية، مركزين على تأكيد المنفعة المتبادلة، وأن التململ الشعبي يمكن استثماره لإصلاح التكتل. كان رئيس الوزراء الهولندي مار روتا، الرجل الرصين والصريح بشكل لافت، الوحيد الذي تحدث بتفاؤل مستشرفاً أن خروج بريطانيا «لا أعتقد أنه سيحدث، لأن المزايا واضحة بجلاء سواء لبريطانيا أو لأوروبا».
المنافسة على المترددين لا تجعل العواصم الأوروبية مسترخية أبداً، رغم مسارعة نحو 1300 رجل أعمال بريطاني لتحذير مشترك من مغبّة الخروج. حملة الطلاق مع أوروبا لعبتها بإحكام، ضاربة بكثافة على وتر العصبية البريطانية القومية. هكذا خرج ممثلو الحملة بتقديرات ممتازة بعد المناظرة التي استضافتها «بي بي سي» عشية الاستفتاء. عمدة لندن السابق بوريس جونسون ردد، كما فعل قادة آخرون للحملة، مخاطباً الأنا البريطانية: «يقولون لا خيار لدينا، نقول لهم أنتم تقللون من شأن هذا البلد.. هذا الخميس يمكن أن يكون يوم استقلال لبلادنا». المسألة طرحت، بنجاح واضح، في صيغة استفزاز ناجعة، على الطريقة الشكسبيرية «نكون أو لا نكون».
الحملة تستقوي أيضاً بدعم معظم الصحف البريطانية، فيما تشكل الصحف الداعمة للبقاء أقليّة. يمكن مقارنة كيفية صياغة جريدتين لرسالتها إلى الناخب. صحيفة «ديلي تلغراف» أبرزت خلاصة محكمة «لا نريد العودة لعصر ذهبي، نتطلع لبداية جديدة. قيل لنا إنه خيار بين الخوف والأمل، وإذا كانت الحال كذلك، فحينها نختار الأمل».
عريضة رجال الأعمال بدورها لا تعكس إمكانية تأثير حاسم، فحملة التخويف لم تنقطع من دون أن تكون قادرة على تحويل النتيجة. هناك رجال أعمال كثيرون يؤيدون الخروج أيضاً.
«السفير» التقت سايمون بويد، مدير «ريدستيل» وهي أكبر شركة إنشاءات الصلب في بريطانيا، حينما كان يرافع لمصلحة «الخروج» في بروكسل. برر رأيه بالقول إنه «بالنسبة لي، أرى نفسي أوروبياً، المشكلة هي مؤسسة بيروقراطية في بروكسل وليس في أصدقائنا الأوروبيين»، قبل أن يضيف «القرار يعود للناس، وأعتقد أنهم سيغتنمون الفرصة لنغادر، حملة البقاء لم يكن لديهم شيء واحد مقنع يقولونه حول البقاء في الاتحاد، واصلوا تهديد الناس بالإحصاءات الاقتصادية وما يتصل بها، بالنسبة لمجتمع رجال الأعمال مثلي فهناك فرط تشريعات تكبلنا، انظر فالاقتصاد الاوروبي هو الأبطأ نمواً على مستوى العالم، فيما النمو يقع خارجه».
بالمناسبة، بعض الصحف الداعية للخروج حصلت على هدية، تسريبات دسمة، وظفتها لمصلحة خيارها. أبرزت على صفحتها الأولى سؤال ملكة بريطانيا لبعض ضيوفها «أعطوني ثلاثة أسباب وجيهة (تسوّغ) لماذا يجب أن تكون بريطانيا جزءاً من الاتحاد الأوروبي».
الجنرال شارل ديغول ربما يتململ في قبره. كانت تلك النظرة لبريطانيا، المتشككة والانعزالية، تحكم الفيتو الذي رفعه مرتين حينما طلبت حكومتها العضوية منذ 1960، طبعاً إضافة إلى جزمه بأن قلب ولاء بريطانيا للتحالف مع أميركا سيكون غالباً على عضويتها الأوروبية. لم تخب توقعاته، لتصير بريطانيا عثرة أمام المشروع الأوروبي إلى مزيد من التوحّد.
ليست آراء ديغول وجهة نظر غابرة، بدليل ما يقوله من هم خارج تأثيرات حسابات السياسة الضيقة. المؤرخ الثقافي والباحث في جامعة أمستردام، توماس فون دير دونك، كتب عن بريطانيا بوصفها أبرز من يغذّي نموذج إطلاق العنان لليبرالية الاقتصاد، والوقوف أمام كل اقتراحات الحماية الاقتصادية للعمال كانت قد قدمتها بروكسل.
الخلاصات التي قدمها الباحث كانت معبّرة، إذ قال إنه «ما دامت بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي، فهذا الصدام مستمر من أجل الهيمنة على السياسة الداخلية الأوروبية، ويستمر بالتالي في تغذية نفور مواطني الاتحاد المتزايد من بروكسل والنمو الهائل لأحزاب اليمين المتطرف»، قبل أن يضيف «من غير الصحي بالنسبة للاتحاد أن يكون لديه دولة عضو لا تتوقف عن الحديث كم هو مريع، وكم تكره كل ما يقف من أجله. خروج بريطانيا ربما يكون بالضبط ما تحتاجه بروكسل لعكس ذلك المسار ولأن تستعيد الدعم الضروري من مواطنيها».
ما ذكره المؤرخ يمرّ على تهديد معتبر، يمكن أن يتحول عامل تفكك كما يخشى القادة الأوروبيون، يجعل أيديهم على قلوبهم بانتظار صباح الجمعة. أحزاب اليمين المتطرف تنمو وتحصد النجاح مع كل استحقاق انتخابي، لتنافس على السلطة في بعض الدول. مزاج مخيّم يجعل عدوى الاستفتاء واردة، خصوصاً إذا فاز معسكر الانفصال البريطاني. حتى قبل الموقعة المرتقبة، خرجت استطلاعات تؤكد رغبة غالبية أوروبية، في دول عديدة، بأن تجري تصويتاً حول عضوية الاتحاد.
مع ذلك، بعض الكتاب البريطانيين يقرّون بواقع ينكره ساسة بريطانيا وغالبية مواطنيها. يقولون هنا إن الاستفتاء يمثّل لحظة لولادة جديدة في العلاقة مع أوروبا. تلك الفحوى أوردها فيليب ستفينز في صحيفة «فايننشال تايمز»، مشدداً على أن «أجيال السياسيين البريطانيين لم تصادق على مبدأ (الأمن والسياسة) في أوروبا بل (سوق مشتركة)»، قبل أن يخلص إلى أنه «ربما أفضل ما نرجوه من الاستفتاء هو أن البريطانيين سيقررون في نهاية المطاف أن الوقت قد حان للانضمام إلى أوروبا انضماما حقيقيا».

نشر هذا المقال في جريدة السفير

Hits: 20

الوسم


أترك تعليق
follow this link for more
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً