أحدث الأخبار

عن متلازمة نكبات العقل الكبرى / ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخmajed1

يقبع العقل التمجيدي، ذو الطابع الأيديولوجي، قارا على الدوام عند منطلقاته كما عند مآلاته التي لا تعرف النقد أو التفكر في ما يحيط بنا من مسائل وقضايا تتطلب إعمالا نقديا دائما، ينطلق من الذات أولا، ومن ثم امتدادا إلى كامل ماهيات ما يحيط بنا من المواضيع والمسائل والقضايا التي تتطلب اشتغالا ومعالجات دائمة، تستبق التسليم بالمطلقات، كونها لا تؤمن بنسبية الحلول والأفكار النقدية الخلاقة، الناتج الطبيعي للعقل الإنساني على امتداد التاريخ البشري منذ عصر التدوين ومن قبله، منذ عصور اشتغال العقل الإنساني على بدء عقلنة ووعي وإدراك الفوارق الطبيعية بين العقل النقدي وهو يخط تاريخا من المسلكيات المعقلنة، واللاعقل الأيديولوجي، وهو يخط تاريخا من أنماط المسلكيات الوحشية.

لهذا ما كان حريا بالعقل الإنساني سوى إنتاج وتوليد نسبية العلم والمعارف الإنسانية، تلك التي مهدت لتخليق العديد من الإبداعات والفنون والعلوم والفلسفة وسياسات الحكم والإدارة والنظم القانونية والقضائية التي انبنت على العديد من أسسها التي باتت معروفة، النظم المعيارية للدساتير التي بات الانسان يحتكم إليها في تنظيم شؤونه الإنسانية والمجتمعية والدولتية، في انطلاقة محسوبة ومقدر لها الصعود والتقدم إلى الأمام, وفق قراءة منطقية متنوعة عقلانية، لا تأويلية أحادية تختلف فيها وعليها كل المجاميع والتيارات الحزبية والفرقية وكل الفسيفساءات التي تمتح من تراث وإرث الماضي القروسطي الذي استحال موضوعا للفرقة والخلاف والاختلاف بين أفراد التيار الواحد، وداخل المذهب الواحد الذي استحال بدوره مجموعة من “الفرق غير الناجية”، التي يعتمد كل منها تأويلا مختلفا وبينا، استدعى ويستدعي إعمال السيف والقتل، بدلا من إعمال العقل والمنطق والتفكير، واسترداد القيمة الإنسانية والمنطقية النسبية لسلوك وممارسات الإنسان في كل زمان ومكان،

بدل اعتماد تلك الصيغ الفضفاضة للمطلقات التي باتت صناعة وبضاعة وتجارة بشرية بامتياز، تكتنفها أوهام الحلول ومزاعم الخلود والقداسة المتوهمة لدى الذوات الأيديولوجية وهي تعاند حقائق ووقائع ساطعة، أضفت وتضفي على النص الديني ما ليس فيه أو منه، من قريب أو من بعيد.

لقد سقطت ثقافة الاتباع في انتقائية لا مثيل لها، كف معها الابداع العقلاني عن إنارة دروب المعارف العلمية، وسقطت الثقافة بكلياتها، منتجة سفسطات لا طائل منها سوى العبث، أتاحت تكرارا واجترارا، أبعدت الثقافة عن غاياتها الإنسانية، والدين عن مقاصده المفهومية، ومجتمعاتنا عن اجتماعها الانساني، وحرفت أنظمتنا السياسية عن طبيعتها، وانتحت بها نحو استبداد مقيم، يجدد نفسه وسلالاته الحاكمة، ويبقي لها مجالا واسعا للبيعة من جديد، من دون أن تتغير طبيعة الحكم والحكام، حيث السلطة لها السيادة العليا، والاستمرارية المتواصلة، والتبريرات الدائمة، والهدف دائما اقتناص الشرعية، واستملاك الدولة بدون وجه حق، وسوق الناس كعبيد لها، لا حول لهم ولا قوة، لا حول الديمقراطية المغتصبة والأسيرة، ولا قوة المواطنة والتلاعب بها وإقصاؤها واستبعادها على الدوام.

لقد لاحظ آدم كوبر(كاتب من جنوب إفريقيا) في كتاب له بعنوان “الثّقافة.. التّفسير الإنثروبولوجي”(عالم المعرفة/الكويت)، أنّه “وعلى المدى القصير وقفت الثّقافة أو أشكالها الجنينيّة الأولى (التّقاليد والإرث التّاريخاني) عائقا في سبيل الحداثة (أو التّصنيع أو العولمة) إلاّ أنّ أشكال الحضارة الحديثة في النّهاية ستتخطّى أشكال التّراث المحلّي الأقل فاعليّة، فقد إستحضرت الثّقافة عندما برزت الحاجة إلى تفسير سبب تمسّك البشر بالأهداف غير المنطقيّة وبإستراتيجيّات تدمير الذات، وطوّحت المقاومة الثّقافيّة مشاريع التّطوير، وإنهارت الدّيمقراطيّة لأنّها كانت غريبة على تراث أمّة ما، ولم تستطع نظريّات الخيار المنطقي تبرير ما أطلق عليه الإقتصاديّون يأسا (اللزوجة) لوصف الأساليب الفكريّة والأفعال الرّاسخة التي تصمد في وجه أقوى الحجج”.

لهذا ومن دون إسناد كامل معارفنا الثقافية والعلمية بجهود ومجهودات معارفنا النسبية، لا تلك المطلقات المتوهمة، سنبقى نعيش أعراض ومتلازمة المراوغة

والمخاتلة التي يزينها لنا العقل الأيديولوجي، ويقدمها لنا على أنها التمجيد الممض لما ليس فينا أو من طبائعنا. أما نكبة العقل الكبرى، فهي في ما يجري تحويله من وعي وإدراك زائف، إلى “سلطة ثقافية مؤدلجة دينيا” ممزوجة بأوهام “المقدس”، وما يصير إليه من تسييد سلطة الإخضاع بالقوة، لا سلطة الإقناع بالحوار، ليجري أحلال الأولى (الاخضاع) محل الوعي بالمعطى التاريخي والجغرافي، وليصبح استعمار واستبداد المخيلة والذاكرة، واحدا من ظواهر وأعراض متلازمة نكبات العقل الكبرى.

Hits: 47

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°