أحدث الأخبار

الأشجار تـمـوت واقـفـة / الدكتور عبد القادر حسين ياسين

+ = -

الدكتور عبد القادر حسين ياسين*GetAttachment

في الأسبوع الماضي، غـيـَّـبَ الـمـوت الباحث والمترجم الفلسطيني سـليـمان الـوحـيـدي، بعد أن صارع المـرض طيلة سنوات، تكشفـت عن المزيد ـ النبيل والشجاع ـ ممّا كان يُعـرف عـنه من طاقة مذهلة على تثمين الحياة، وإدمان المقاومة، واستنبات الأمل.

في وداع أبي الأمين ، ذلك الصديق الذي أذابه المرض، في الفترة الأخيرة، حتى صار نحيلا كطيف، وجعل صوته الذي كان خافتا باستمرار أشبه بهمس تخالطه بحة منهكة، يتداخل الخاص والعام…

كان يهتف لي أحيانا، بصوته الذي أنهكه المرض حتى صار همساً مبحوحاً، ليلفت إنتباهي إلى نص قـرأه ، أو لكتاب صـدر مـؤخـراً.

ولأن سـليـمان الـوحـيـدي إنسان،

ولأن لكل عمر نهاية،

ولكل منية سبباً،

ولأن الموت حق،

فقد كان محتماً أن نفتقده ذات يوم

كيف تصير التأتأة شعـراً ؟!

كيف تصبح الكلمات المتقاطعة الضائع معناها بغياب مبناها قصصاً قصيرة وروايات طويلة ؟!

كيف يجرؤ على الكتابة من لا تسكن اللغة قـلبه قـبل قـلمه،

وتتحول من أداة للتعبير الى حضن لأشواقه وطموحاته،

توصل أفكاره ومشاعره وجدانيا الى الآخرين وتوصلهم به وتقيم بينه وبينهم جسراً من التعارف والتواصل والتفاهم، وتلك أنبل مهمة إنسانية؟!

و سـليـمان الـوحـيـدي الذي بدأ معلماً، ظل يتعلم ويتعلم ويتعلم حتى آخر يوم…

ولن أنسى أبداً ذلك الشعور بالتهيّب الذي كان ينتاب معلمي مدارس الـوكالـة عندما يبلغهم أن “المفتش” سـليـمان الـوحـيـدي آت إليهم في جولة تـفـقـد على أدائهم المهني، خصوصاً أنه كان يمتحنهم في تلامذتهم ليكتشف طبيعة علاقتهم بلغتهم… فكأنما كان يمتحنهم في طلابهم ليقرر مَن مِن الأساتذة قد نجح ومن منهم قد رسب وضلَّ سبيله.

سيرة حياة سـليـمان الـوحـيـدي ، لمن يعـرفها منذ بداياتها، هي سيرة الفلسطيني النموذجي. الفلسطيني كما يليق به أن يكون، وكما نحلم له أن يكون. فهذا “الطفل” الذي هُجّر من وطنه ورائحة الحليب لم تكد تجفّ على شفتيه، كان من الممكن ألا يكون شيئاً.

كان من الممكن أن يُضاف إلى ألوف الأطفال، الذين بخسارتهم لأرض آبائهم ، خسروا كل شيء، فصاروا عـبـئاً حتى على آبائهم … لكن سـليـمان الـوحـيـدي ، كان شيئاً آخر. بنى نفسه بنفـسـه، وكان رائدهُ في هذا طموحهُ المقـدس بأن “يكون” وأن “يصير”.

وما أصعـب أن تكون وأن تصير وأنت فـرد في تجمّعٍ للاّجئين الـفـلـسطينيين المعـدمين، اسمه “مخيم النويعـمة” على أطـراف مـديـنـة أريـحـا ، أقـدم مـديـنـة في الـتـاريـخ.. كل الظروف ضدك، وكل الظروف تدفعـك دفعاً لأن تسقط تحت “رِقّ الضرورة”، وتبقى هـناك الى الأبـد ….

كثيرون، على أية حال، نجـوا من هذا المآل. استمسكوا بالعـلـم (وقد صار العـلمُ رأسمالَ الفلسطيني الوحيدَ، في الستينات) وتـفـوّقـوا فـيه، مرحلة تلو مرحـلة، وصولاً إلى الجامعة، ومروراً بالماجستير، وانتهاء بالدكتوراة.

لكن قـلـيـلـين من هؤلاء “الكثيرين”، مَن نجـوا حقاً. إذ أنّ معـظمهم، بقيَ أسير المعادلة الأولى وقـد تـغـيّرت، فمن رِقّ الضرورة إنـتـقـلوا إلى رِقّ الرفاهـية. وكمنوا هناك… أو ظلّوا في منـتصف المسافة بين “الرِّقيْن”: يخافون من النزول إلى الرقّ الأول، ويحلمون بالصعـود إلى الرقّ الثاني.

هكذا باختصار يمكن تلخـيـص حياة مئات الألوف من المثـقـفـيـن الفـلسطيـنـيـيـن (الشريحة الواسعة التي خرجَ منها فـيما بعد كل مـثـقـفـيـنا تقريباً) سواء من بقيَ منهم في الداخـل، أو من هاجروا في أربعة أركان الدنيا… قـلة فقط ، بل قـلة القـلة، من استطاعـوا تجاوز رقّ الضرورة ورقّ الرفاهـية ورقّ الما بين ـ بين، فانـتـقـلـوا بأفـعالهم وأقـوالهم، من ذلك الرقّ إلى أفـق الحرية، بالمعـنى النبيل والسامي للكلمة … ولقد كان سـليـمان الـوحـيـدي واحداً منهم، واحداً من كوكبة نادرة ثمينة، اختارت أن تنحاز لأفـق الحريّة، وألا تخاف من “دفع الثمن”!

خرجَ بعلـمه وكفاحه وإرادته الصلبة، من رقّ الضرورة، إلى فضاء الحرية الواسع، دون أن يسقط في رقّ الرفاهية أو حلمها، كغالبية المثـقـفـيـن الفلسطينيين من أبناء جيله والأجيال التي تلت.

اختار سـليـمان الـوحـيـدي أن “يـُغـرّد خارج السِّـرب”، ليس العربي (وهو هـنا الأهـون) بل الفلسطيني (وهو دائماً الأصعـب). فما أصعب أن تكون مثقفاً فلسطينياً ملتزماً حقاً، وتنويرياً حقاً،

دون أن تنالك السهام من كل من هـَبَّ ودبَّ ودون أن تنالك سهامُ النخبة السياسية وسهام المجتمع معاً. ومن هنا، تأتي أهمية سـليـمان الـوحـيـدي ، المثقف الفلسطيني الإنساني، الشجاع والفاعـل.

ولكنْ.. منذ متى كان الرائد يخذل أهله؟

ومنذ متى كان المثقف العصامي يتخلّى عن دوره؟

سـليـمان الـوحـيـدي؛

سـلامـا وتحيـة ،

ففي التحيـة الحياة… التحية هي المحافظة على وديعـتك التي أودعتـهـا لدى كل من لا يزال مؤمنـا بأن المقاومة هي كل ما نملـك ، وبأن الوعي النقـدي هو الطريق..

أيـا الأخ الـحـبيـب ،

والصـديق الـصـدوق ،

ورفـيـق الـدرب الـطـويل ،

أيها الرجل البسيط في معشره وفي حياته،

والرائع في أدائه وطموحاته ؛

إنَّ طعم المرارة عصي ّعلى التلاشي، في الخواء الذي يتملكـني أمام فكرة ألا تكون بيننا…

وداعا ، أبا الأمين ،

لك الغـار والـنـدى …

فالأشجار تموت واقـفـة!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كـاتـب وأكـاديمي فلسـطيني مـقـيـم في السـويـد .

Hits: 37

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°