مناكفات ثقافية/ عبد الهادي شلا

أضيف بتاريخ: 02 - 12 - 2017 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: الوان ثقافية

عبد الهادي شلا

تطفح الساحة الثقافية بمناكفات لا تسمن ولا تغني من جوع.. بعض المثقفين يتبارون في كشف ما خفي ويعرفونه عن بعضهم البعض للعامة لمجرد إختلاف في الرأي أو الإنتماء أو لحسد على نجاح،

الأمر الذي يقلب الصورة الجميلة عند المتابع لإبداعاتهم رأسا على عقب بل وقد ينحاز إلى ما سمع أو قرأ فيكون سببا في عزوفه عن متابعة كل جديد فيبقى في مكانه من هول الصدمة لا يدري أيصدق ما قرأ أم ينفيه لثقته بالكاتب الذي أحب وكُشِف عنه المستور ،الأمر الذي لن يكون أبدا في صالح الحالة الثقافية بأي شكل.

يتباهى بعض المثقفين الذين أثروا الحركة الثقافية وبعد أن أسسوا منهجا فكريا حين يستعرضون أسماء مبدعين عالميين أو مثقفين أخرين ممن ترك بصمة وحقق نجاحا مؤثرا،الأمر الذي يجعل القارئ يسأل عن مغزى هذا الإستعراض ولا يفهم منه إلا أن هذا الذي أصبح يتباهى بأعمال غيرة ويستشهد بها جيئة وذهابا إنما هو إعلان “إفلاس” ثقافي، وأن ملكة الإبداع عنده قد ضَعُف نشاطها وإختلطت علية الصور فلم يعد يقوى على المشاركة الفاعلة في الحركة الثقافية إلا من خلال إستعراض ما قرأ أو إلتقى من المشاهير أونبش صور كانت خافية في حياة الأخرين الذين كان يتابع إبداعهم بالأمس.

المتابع الجيد رغم سهولة توصله إلى كل جديد من الإصدارات عن طريق الوسائط التقنية الحديثة إلا أنه يرى في الكتاب أو اللوحة الأصلية أو الإستماع إلى قطعة موسيقية أو مشاهدة عمل مسرحي على خشبة المسرح مباشرة متعة حقيقية لم تمسها التكنولوجيا إلا في أدواتها التي يستعين بها الكاتب أوالفنان لإتمام علمه وإخراجه بشكل أسهل وأسرع وبالتالي يكون أجمل، وهذه متعة لا يستشعرها إلا أصحاب العقول المتعطشة للجديد الذي يثري ثقافتهم ومعرفتهم.

كثيرة هي المعارض التي تهتم بالإصدارات الجديدة أو بعث الحياة فيما سبق ونشر أو تم ترجمته ،وهذه ظاهرة حميدة تحرص الكثير من الدول على إحيائها سنويا وفي أماكن متعددة تجعل المثابرون من المهتمين يقطعون المسافات للوصول إليها بفرح وسعادة تكتمل حين تقع أيديهم على جديد مثير ومفيد في فكرته وموضوعه وبما يحقق إضافة فعلية لرصيدهم المعرفي.

الغير حميد في هذه المعارض هو أنها تتيح للكثير من المُنـَتج “الغـَث” مساحة ودعاية تفوق محتوياته بكثير وتصدم القارئ المتعطش للجديد المفيد، في وجود ظاهرة غريبة باتت تشكل منعطفا ينذر بالضرر حين نجد بعض الإصدارات للشباب وقد تصدرت أغلفة الكتب صورهم الشخصية بشكل” رخيص” مثيرا للفضول ،لكنه لا يمكن بأي حال أن يكون إضافة جمالية تؤثر في نفس القارئ وتجذبه للمحتوى ، أو دعاية مدفوعة الثمن إن لم يكن هذا الكاتب قد دفع ثمن تلكفة الطبعة لدار نشر رخيصة، ولنا أن نتصور ما يترتب على هذا لو أصبحت ظاهرة واستفحلت فكيف للقارئ الجيد ان يتخير من”الغث” المتوفر ما هو “سمين” مفيد؟!

لن يتوقف البحث عن الكتاب المفيد والكاتب المتجدد مادام هناك من يجيد القراءة ويبحث عن المعرفة وسط مغريات الوسائل الأسهل والمتوفرة دائما عبر وسائل التواصل والتقنيات الحديثة، فالكثيرون يجدون أن في الكتاب وتصفحه متعة لا يجدونها في الأجهزة الصماء، وأن رائحة الورق بالنسبة لهم هي النسيم العليل الذي يمس الروح ويوقظ الوجدان.


الوان عربية تأسست في 2009