العرب وموت الأدب/ حنا عبود

أضيف بتاريخ: 23 - 11 - 2017 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: الوان ثقافية

حنا عبود

كثيرة هي الأصوات التي نعت الأدب في العصر الحديث، حتى أن المرء لا يستطيع حصر الأسماء التي أعلنت ورقة النعي. وربما كان «هيغل» من أوائل المفكرين الذين أعلنوا رؤيتهم المستقبلية في هذا الشأن، فهو يرى أن تقدم العصر الحديث، بهذه الآلية الضخمة، وهذه المرهقات الاجتماعية التي تزداد تراكماً على الفرد، سيبدأ بالتهام الأدب «عضواً فعضواً»، وأول شهداء هذا العصر سيكون الشعر، لأن كل ما يحيط بنا يستدعي التعبير النثري لا الشعري، والفوري لا المرجأ، والصريح لا الموحي، والفطير لا المخمَّر… ولأن الإنتاج الشعري كان الأغزر والأقوى في العصور الماضية.

حين يفكر المرء في هذا العصر يضطر أن ينطلق مما بين يديه من أدوات مادية وأوضاع اجتماعية ضاغطة لا تمنحه فرصة كافية لتأمل شعري مكتمل الخمائر.

فالزمن الذي كانت فيه حادثة، مثل «طروادة»، أو «عمورية» تشغل الشعراء زمناً طويلاً، ولَّى ولن يعود، ففي كل يوم تقع أحداث تجعل شعورنا بالزمن شعوراً سريعاً وأيضاً تجعله شعوراً طافياً… حتى ليبدو أن مسننات العصر الحديث مزقت زمن الشعر وجعلته مبعثراً، فزادت الأعباء على الشعراء، بل مزقت شعرهم ذاته، فالقصيدة الحديثة ليست قريبة من النثر وكفى، بل إنها قريبة من الخواطر التي لا تلبث عند نقطة معينة، أو هدف يسعى إليه الشاعر. إن عبء الشاعر الحديث اليوم أضعاف عبء الشاعر القديم.

على أن المعركة حول الشعر وجدواه قديمة جداً منذ أيام أفلاطون وأرسطو، ولم يكن الخلاف بينهما خلافاً بسيطاً، فالأول لا يرى جدوى للشعر إلا إذا خدم أغراض جمهوريته، كتأليف الأناشيد للعسكر والقصائد التعليمية للتلاميذ، بينما أحاط الثاني الشعر بهالة كبيرة جداً حتى جعله أهم من التاريخ. وفي العصور الوسطى اندفع رجال الدين إلى تسخير الأدب، باعتباره أداة رفيعة ونافعة: تخدم الدين، وتعدّ طقوس التنسيب، فيكون الشعر بوابة لطريق واحد معروف الحدود ومرسوم الأهداف.

أما عصر النهضة الأوروبية، فقد سار على الضفة الأخرى، فاسترجع الشعر والفنون، بعد رقاد عصور الظلام، وكانت اندفاعته عنيفة، افتتحه دانتي بمأثرته «الكوميديا الإلهية» التي دافع فيها عن الحق الإنساني، الذي هو محط اهتمام الإرادة المقدسة، وليس العكس. وكثر الذين ينافحون عن الشعر وضرورته منذ ذلك الوقت وحتى اليوم أمثال بوالو وإدغار ألن بو وفيليب سيدني وشللي ووردزورث… وغيرهم.

معركة الأدب

على أن الخطر لم يكن مقتصراً على الشعر، أو بمعنى أدق كان الأدب منحصراً بالشعر تقريباً، لذلك دارت المعركة حول الشعر، ولكنها تشمل الأدب بمجمله. ولما تقلص الشعر في العصور الحديثة وشاع الأدب النثري طرحت قضية الأدب ككل. فهيغل – على سبيل المثال- لم يقتصر على القول إن العصر الحديث عصر نثري يطرد الشعر ويحل محله، بل ذهب إلى أن الأدب نفسه سوف يلقى المصير ذاته، بعد أن يتطابق «العقل المطلق» مع ذاته، أي نكون أمام حضارة فيها «كل ما هو عقلي واقعي وكل ما هو واقعي عقلي» فلا يعود ثمة حاجة إلى الأدب، ويتجه الإنسان إلى الفنون العملية… إلخ. ونشهد اليوم سيادة النثر سيادة شبه كاملة في كل وسائل الإعلام تقريباً، لا نكاد نستثني وسيلة، وهو نثر محدود برغبة القارئ، فلم نعد نرى الأبحاث الطويلة، سواء في الأدب أم في غير الأدب، فالقارئ يضيق صدره بالمطولات، حتى الأغاني، وهي آخر ملاذ للأدب، نجدها موجزة تتوخى الإيقاع أكثر مما تتوخى الأسلوب الأدبي، وانبرى الكثيرون إلى الدفاع عن الأدب وضرورته، كان آخر البلغاء فيهم جورج ديهاميل، الذي قدم دفاعاً شاملاً لضرورة الأدب، والشعر في المقدمة، فقد نشأ هذا الطبيب نشأة شعرية، ومارس الشعر، وخدم الأدب كما خدم مهنته.

لكن بعد منتصف القرن العشرين بدأت أصوات ترتفع مؤكدة «موت النص» و«موت المؤلف»، وبالتالي «موت الأدب». وذهب الأمر إلى درجة الحديث عن موت اللغة، فهي- في رأيهم- عبارة عن أصوات يفهمها كل فرد حسب وضعه وحسب هواه ومعتقده، فالحرية كلمة لا معنى لها إلا بحسب المتكلم، فهي عند المتديّن الخلاص من الجسد، وعند المستعمَر الخلاص من الاستعمار، وعند المستعمِر احتلال المزيد من المستعمرات، وعند العامل المزيد من الأجر، وعند رب العمل تقليص أجر العامل، وعند الابن الخلاص من سلطة الأب… ومن هذا المثال وأضرابه ينتهي أصحاب البدع الجديدة إلى أن إظهار زيف «الخطاب» سيؤدي إلى تقليص الأدب وبالتالي الخلاص منه… من غير تقديم دليل على البديل… وهذه الأصوات كلها تقريباً ظهرت في فرنسا، أم المغامرات الفكرية في العصر الحديث. ويبدو أن «ألفن كرنان» درس بعمق هذه الأصوات واقتنع، وإن لم يقنع جميع القراء، أن الأدب الآن أقرب ما يكون في مرحلة الاحتضار، إذ رأى أن كل الأصوات الصارخة من بنيوية ولسانية وتفكيكية وما بعد الحداثة ومدرسة فرانكفورت، والفرويدية واليونغية والتناصية… كلها بلا استثناء تقريباً ترى أن الكتابة فقدت دورها، ولم يعد الأدب يلبي الحاجات الجديدة للمجتمعات الجديدة، وبخاصة بعد ظهور وسائل الإعلام الضخمة من سمعية وبصرية، فالهاتف والسينما والتلفزيون والنشر الإلكتروني والإيميل… كل شيء تقريباً انتزع من الأدب شيئاً من أشيائه حتى صاروا يتوقعون أنه في مدة قريبة سوف يفقد كل الأشياء، فهناك تراجع للأدب من الداخل وضغوطات على الأدب من الخارج، فلا هو قادر على مجاراة الزمن، ولا هو قادر على استيعاب المبتكرات الحديثة، على عكس آلة غوتبرغ التي جعلت الكتاب أهم سلعة في ذلك الوقت، وجعلت الإنتاج الأدبي في ذروته، فأحدثت الصحف والمجلات ثورة غير مسبوقة… مما جعلها منعطفاً كبيراً في تاريخ الثقافة البشرية.

انتهى المؤلف إلى ما انتهى إليه هيغل من أننا أمام عصر نثري لا مكان للشعر فيه، ثم طوّر النظرة فشملت الأدب بكامله، لكنه لم ينتظر حتى يتطابق العقل والواقع ليموت الأدب، بل لم يربط هذا بعصر مقبل، وإنما ربطه بالعصر الجاري الذي يلتهم الأدب بالتدريج ويحشره في زاوية ضيقة.

العرب والأدب

كان الشاعر نزار القباني يكرر في جلساته، وفي كتاباته، وبخاصة في رده على مارون عبود بأن الوجود العربي وجود شعري، وفي حال تخلى العرب عن الأدب يكونون قد تخلوا عن الدرع الذي يحميهم من هجمات العصر الحديث، فكان يتشدد في الموروث الأدبي من أمثال القافية والوزن والصورة الأدبية الطريفة والمعبرة. يقول في كتابه «تجربتي مع الشعر» هل من نعمة الله على العرب أنه دوزن حناجرهم دوزنة شعرية… أم أن الشعر لعنة أبدية تلاحقهم؟ هناك من يعتقد أن الشعر لعنة العرب، و«حشيشة» خدرتهم، وفلجت أعصابهم، ومنعتهم من اللحاق بقطار العصر. أنا أرفض هذا المنطق وأؤيد الجاحظ في قوله (الشعر فضيلة العرب) والفضيلة هنا تعني أطهر ما لدى الإنسان وأشرف ما عنده وبعد أكثر من ثلاثين عاماً يظهر كتاب الباحثة سوزان ستيتكيفيتش «القصيدة والسلطة» تؤكد فيه الرابطة بين الشعر والسلطة القائمة، وأي ضعف يعتري الشعر يكون هناك ضعف في السلطة، وبدا من خلال التاريخ أن السلطة التي تتمسك بـ«القصيدة» هي السلطة التي يطول عهدها، ويخلد اسمها… وتؤكد أن العلاقة جدلية بين القصيدة والسلطة، سواء في العصر الجاهلي أو العصور اللاحقة، مهما كانت المظاهر التي تتخذها السلطة: أعرافاً قبلية أم وصايا دينية أم كيان دولة شبه مكتمل (فالدولة في الشرق ظلت أشبه بالبطة العرجاء)، وهذه العلاقة الجدلية لا يمكن حسمها كالقول إن السلطة مسؤولة عن القصيدة أو العكس، ولكن لوحظ أن الازدهار أو الانحطاط يشمل الطرفين، كأنهما مرتبطان بمصير واحد.

كانت نظرية نزار قباني أقرب إلى العقيدة التي لا يتوانى أن يعلنها في لقاءاته، كما في كتبه ومقابلاته، ونلاحظ ما يشبه هذا أيضاً لدى سوزان ستيتكيفيتش، ففي كتابها الآخر عن أبي تمام وقفت طويلاً عند «الحماسة» وبيَّنت أن هذا الشاعر لم يقدم كتابه بطريقة عشوائية، بل جمع في هذه المختارات الصفات الأصيلة للشخصية العربية، فكأن هذا التراث هو الذي أوجد الشخصية، وبالتالي فإن الشخصية ذاتها لا تستطيع أن تنتج إلا الصفات التي نشأ عليها العربي من كرم واعتزاز وحرية وضيافة… إلى آخر الصفات التي باتت مفخرة، وقلما نجد مثل هذه «الحماسة» في الآداب الأخرى، فهي ليست جمعاً للقصائد والمقطوعات الجميلة، وإنما تشكل كلاً واحداً حرص الشاعر على أن تكون ممثلة للتراث خير تمثيل. وبعد حماسة أبي تمام لم تظهر حماسة تنافسها، أو حتى تشبهها، لا في العالم العربي ولا في بقية آداب العالم، فهي تقدم الكينونة الأدبية، التي هي كينونة الوجود العربي.

هذا الوعي للكينونة الأدبية تجلى في رجال النهضة العربية، فأحيوا التراث الأدبي، وضربوا على منواله، ولكنهم لم يكونوا كما كان أبو تمام، وإن حاولوا ذلك بكل جهدهم، ولهذا أسبابه، فقد حقق الغرب قفزة مادية بعد التراكم الأولي للثروة في أوروبا، ففرض اللعبة التي يريد على العالم العربي والعالم الشرقي برمته، مما جعل الانجرار إلى هذه اللعبة يحرف اللاعب العربي- والشرقي أيضاً- عن لعبته وكينونته الأدبية. وهناك أسباب أخرى كثيرة، لا مجال لذكرها.

بين التشاؤم والتفاؤل

كثر المتشائمون في منتصف القرن العشرين، الذين نادوا بموت الأدب، بل إن رونان ماكدونالد يؤكد موت الناقد، وفي بداية القرن الحادي والعشرين طفقوا يتكاثرون، حتى أن القارئ يلمس اليأس مباشرة في نظرياتهم، أكثر مما يلمس الأدلة الواقعية، والأمثلة التي يقدمها المتشائمون تقوم على الاستنتاجات والمنطق الصوري، بينما يظل التطور التاريخي الواقعي للأدب بعيداً، أو مبعداً، عن أنظارهم، فمن تلاوين الكلمة يستنتجون موت اللغة، ومن تلاوين المعنى يستنتجون موت الأدب، ومن تلاوين التأويل يستنتجون موت الناقد… وهكذا.

أما الواقع التاريخي فأدعى إلى التفاؤل، فقد محا عصر الظلام كل معالم الأدبين اليوناني والروماني تقريباً، ولو قيض أن يظهر باحث من متشائمي هذه الأيام في ذلك العصر لاستنتج أن الأدب مات إلى الأبد، ولكن النهضة الأوروبية أعادت الحياة لهذا الأدب، بل أحيت اللغة اليونانية القديمة التي بها كتبت الآثار الكبرى، حتى أن رابليه دعا إلى أن يكون البرنامج الثقافي اليوناني هو البرنامج الذي يربي الشخصية ويكوّن الأمة، فانتعش الأدب وتابع سيرته. وإذا كان الدين قضى على الأدب في العصور الوسطى، فإن التطور المادي الغربي راح اليوم يعرقل تطور الأدب ويكاد يقضي عليه، فماذا لو قامت نهضة بعد هذا التبعثر؟ ألا يزدهر الأدب ازدهاره في عصر النهضة الأوروبية؟ وإذا لم تقع جرائم كونية وبقي النسل البشري على الأرض، فهل يبقى بلا شعر ولا أدب؟ إذن أي هواء تتنشق روحه، وبأي شيء تتعلل نفسه؟… الأدب والإنسان شيء واحد، لا نتصوّر موت أحدهما وبقاء الآخر.

الشعر نعمة أم نقمة؟

أنا من أمة تتنفس الشعر، وتتمشط به، وترتديه. كل الأطفال عندنا يولدون وفي حليبهم دسم الشعر. وكل شباب بلادي يكتبون رسائل حبهم الأول شعراً.. وكل الأموات في وطني ينامون تحت رخامة عليها بيتان من الشعر. أن يكون الإنسان شاعراً في الوطن العربي ليس معجزة، بل المعجزة أن لا يكون. هل من نعمة الله على العرب أنه دوزن حناجرهم دوزنة شعرية… أم أن الشعر لعنة أبدية تلاحقهم؟

نزار قباني

عصر النهضة

يعتبر عصر النهضة الأوروبية، أو عصر الأنوار، مرحلة انبثاق ثقافي بالدرجة الأولى. واستمرت التفاعلات الثقافية خلاله من القرن الرابع عشر الميلادي إلى القرن السابع عشر. وكانت بدايتها في أواخر العصور الوسطى من إيطاليا، ثم أخذت في الانتشار إلى بقية أوروبا.

وشهد عصر النهضة ازدهاراً في الأدب باللغات المحلية وإبداعاً في الأدب اللاتيني بدءاً من القرن الرابع عشر، ونهضةً في التعلم المعتمد على المصادر الكلاسيكية، وتطور الرسم المنظور والتقنيات الأخرى لجعل الرسم أكثر واقعية وطبيعية. سياسياً، ساهم ظهور عصر النهضة في تعدد المعاهدات الدبلوماسية بين الدول. أما في مجال العلوم، فكان التحول إلى الاعتماد على الملاحظة.
____________
*الاتحاد الثقافي


الوان عربية تأسست في 2009