الثابت والمتحول، انتخابات المجالس البلدية والمحلية/ جواد بولس

أضيف بتاريخ: 11 - 11 - 2017 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: قضايا وملفات

جواد بولس

جواد بولس

بعد أقل من عام سيتوجه المواطنون العرب في إسرائيل إلى صناديق الاقتراع لاختيار رؤساء وأعضاء مجالسهم البلدية والقروية.

كتب الكثير عما آلت إليه حالة بلداتنا العربية في العقدين الأخيرين وكيف انهارت أواصر الحكم المحلي الواقي وذلك بعد هزيمة الأحزاب والحركات السياسية العربية التي استطاعت، منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، أن تحدث ثورة في مفهوم “السلطة المحلية” وآليات انتاجها بعد نجاحها النسبي بالغاء تأثير السلطة المركزية وأعوانها وإضعاف قوة المفاعيل التقليدية مثل الحمائلية والطائفية والمنافعية وأخواتها.

من الناصرة كانت “البشارة” وتلتها بلدات كثيرة تبنى أهلها شعارات التغيير والحاجة إلى نفض غبار “المخاتيرية” والسلطوية، وذوّتوا ضرورة ترسيخ المجلس/القلعة؛ فواجب السلطة المحلية يجب أن يكون أولًا  صيانة كرامات الناس والمحافظة على الهوية الوطنية الجامعة لمجتمعاتنا، ومن ثم سعيها من أجل تحصيل الحقوق المعيشية وتطوير القرى والمدن من خلال إقامة منظومات عمل عصرية تعرف كيف “تفك حرف الإدارة” وتتفاعل مع مؤسسات الدولة بحكمة ودراية وصلابة لنيل حقوق المواطنة المستحقة ورغم أنف السياسة العنصرية وتمييزها القومي الصارخ.

لا أعرف كم من أجيال هذه الأيام ما زال يتذكر أسطع ما ميز تلك الحقبة، فلقد كان لمفهوم “المسؤولية العامة” مكانة واحترام وللانسان العادي كرامة وللحيزات العامة هيبة، وذلك في ظل الشعار الذي نحتته “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” وأكدت فيه أنها وجميع القوى الوطنية والتقدمية سيقاتلون من أجل بلديات ومجالس تصون “الكرامات والخدمات”  معًا.

لم تدم تلك التجربة طويلًا، وبدأت “القلاع” تسقط واحدة تلو الأخرى حتى هزم آخرها في معركة الانتخابات الفائتة والتي أنتجت “موديلًا” جديدًا للحكم المحلي العربي يتميز بعناصر سلبية مستحدثة لإنتاج السلطة وهذه تربطها، بطبيعة الحال، بعقود ولاء ليست بالضرورة تتحسّب بمصلحة البلدة العامة في مفهومها البديهي البسيط، ولا تلزمها بأساليب عمل ترعى ضرورات الانتماء الهوياتي القومي الجمعي وتأمين حصانة المجتمع ككل وأمن أفراده وسلامتهم.

كانت الجبهة الديمقراطية طلائعية في تبني مفهوم الكرامة الوطنية وتشبيكها في عملية الانتخابات المحلية، لكنها لم تكن وحيدة، فلقد شاركتها ونافستها في ذلك التوجه قوى سياسية قطرية ومحلية كثيرة، وعليه عندما نتحدث عن سقوط “القلاع” نقصد كلها وما رافقه من انحسار في قوة الأحزاب والحركات السياسية العربية وندرة تأثيرها على العمليات الانتخابية الأخيرة، ففي عدد من المواقع شهدنا كيف تذيّل بعضهم وراء مجموعات أو شخصيات كان لا يحسب لها حساب عندما كانت طيور الجليل تؤكد “بالطول وبالعرض الجبهات تهز الأرض”، وعندما كان لا يقرب جانبهم السياسي في زمن كانت “الروس” يشار لها بالبنان “والقنانير” أمثالهم  كانت ترمى خارج “صحاحير” الوطن.

رغم فداحة الخسائر لم ينتفض المجتمع ولا قادته. كانت العوامل التي أدت إلى ذلك السقوط المدوي كثيرة. بعضها من صناعاتنا المحلية وأهمها رتقت عراه في مخايط الدولة ومؤسساتها التي استوعب قادتها ومفكروها “خطورة” الصحوة ومعنى أن يغني الطفل والشيخ والحجر “بلادي بلادي لك حبي وفؤادي” ومعهم تزغرد رياحين النقب والمثلث والجليل “موطني، الجلال والجمال والسناء والبهاء”.

كيف كان السقوط ومن أين بدأت المعاول الخبيثة حفرها؟ قد نختلف على الاجابة عن ذلك، لكن الحقيقة “ثابتة” فلقد وضعوا خططهم على نار تصميمهم الهادئة وطبخوها على مواقدنا وأشعلوها في حاراتنا وفي أحضاننا.

لم يكن بيننا “نواطير للمفاتيح” ولا حتى “زاد خير” واحدة، بل كان أهل الدار يتناوشون الريح “تركية” حينًا و”أعجمية” أحيانًا، وآخرون يطربون على دردبة الطبول وهي سكرى تغني “بلاد العرب أوطاني”.

نزعوا عن عوراتهم أسمالها البالية وشرعوا بهجماتهم “المعصرنة” مدججين بأسلحة الدمار الشامل العصرية “ففرق تسد” كانت البداية والهمزة والفاتحة، ولعلعة الرصاص موسيقاها التصويرية، والقنابل رعد أعراسنا الحزينة والدموع مطر الشوارع الحارق. وفي عقدين من عمر حلم قصير صارت “المجالس” إمارات وأصبح من يحكمها ويقف على رقبتها صاحب المغانم والعنابر والأنعام ومعه رضا السادة من فوق، ودعم “قبضات” الفولاذ وحداة القوافل وموزعي “التمائم”من تحت .

كانت شيفرة الموت مخطوطة على الشرفات و”تسقط الوحدة وتذل الجباه” كتبت على حدود “الظبات”، فعلى العرب أن يتشظوا ويصيروا أعرابًا وغربانًا وعُرٓبًا. البلدة الواحدة يجب أن تتحلل إلى معادنها “الأصيلة”. الحَمولة سيدة الوقت و”عقاربها” الصدور والأفخاذ .العوائل  نجوم الليل والسيوف بروقها. البيوت أكواخ من خوف والقلق حارس أبوابها. الاخوة في الدين وفي الصلاة، وعلى الحصائر أعداء وفصائل ورماح مشهرة.

الدين أطياف والعصي مهور للسماء. في الحارات لا تنام أحاديث القبور، والنذور تضرب والولائم من سراب. في المقاهي صمت وفي المسارح نزاع وخراب.

لن نتفق كيف ومتى حدث كل ذلك ولا من كان مسؤولًا، لكن الخسارة واضحة و “ثابتة”  والمسبب غائب “ومتحول” وينتعش في الالتباس. الدولة حاضرة والجناة هناك والغابة موحشة فمن يزيح العتمة عن دروبنا بعد عام؟

من الصعب أن يراهن عاقل على رجوح حدوث تغيير جذري في الانتخابات المحلية القادمة، فالسنوات مرت ولم تجر الأحزاب والحركات السياسية الأساسية مراجعات تقيمية جادة ومسؤولة وثورية، وإن جرت مثل تلك، فهي لم تفضِ إلى تغييرات ملموسة على مستوى القيادات ولا إعادة نظر في المبادئ السياسية وبرامج  تلك الجهات السياسية، وهما العنصران الأخطر اللذان يبرران وجود حزب ما وامكانية تسويقه واحتمالات إستقطابه للناخبين.

كثيرون تأملوا أن يُنتج تشكيلُ القائمة المشتركة نمطَ عمل بلدي يتعدى اجتناب احترابات الشوارع الصدامية بين “الأخوة الاعداء” أو المحافظة على شروط الحد الأدنى للبقاء في “بيت الطاعة” الحزبية، وينزع إلى تطوير حالة من العمل الشعبي المشترك وتأطيرها في جبهات محلية قادرة على مناورة الوضع القائم القاتم وتحديه بقوة موحدة فبدونها ستكون الغلبة لأصحاب النفوذ الحاليين.

إلا أن القوى المشاركة في القائمة لم تبادر لبعث مثل هذه التجربة ولا حتى في موقع واحد في البلاد، بل على العكس تمامًا،  فإننا نسمع القعقعات في قدر القائمة “الثابت” حاليًا، وبعضها أقرب إلى التشاذبات والمناكفات التي من السهل أن تتحول إلى صراعات خالصة، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية ولنا في تجارب الماضي عبر، فمن طبع المودة بين “الضرائر” أن تبقى مهزوزة و “متحولة”.

ربما يكون ما كتبه ونشره قبل أيام الدكتور منصور عباس، وهو نائب رئيس الحركة الإسلامية  الجنوبية والناطق بلسانها، صوت الوجع الصارخ وهمزة الحق قبل رحلة الخريف القادمة، فلقد تساءل بلسان العارف: “ما حاجتنا للمشتركة اذا لا تستطيع العمل كفريق واحد بشكل حقيقي، تخاطب باسمنا الحكم في إسرائيل وترفع قضايانا للعالم بأسره وتمثل بوصلة العمل السياسي لأبناء شعبنا الفلسطيني وتتصدى لقضايا خطيرة جدًا تهدد وجودنا ونسيجنا الاجتماعي؟” نعم ما حاجتنا؟

الرهان على المشتركة فيه ضرب من القمار واحتمال الخسارة، ولكن هل ستقدم الأحزاب منفصلة على رمي العصا ونثر حبوب الأمل في بساتيننا العطشى؟

هل ستسمع القيادات ما تقوله قلوب الشباب التائهين على مداخل المدن البعيدة؟

وهل سيصغون الى نداءات الصباحات الجافلة عند منحنيات الكرمل وفي روابي الجليل الباردة؟ وهل سيستعيدون ما كانت “النصراويات” يقلنه لاسراب الطيور العاشقة؟

ما زال في الأرض عرق وبركة وخصوبة، ومحراث الناس جاهز. الندى على الأهداب ينتظر غمزة الفجر وتفجر الحناجر في الجليل وفي كل الحقول والمحاجر .

ما الثابت اذًا وما المتحول؟
ألم تعلمنا حكمة الآباء أن الهزيمة “متحولة ” وحدث عابر، والبقاء مع السنديان والخروب مصير “ثابت” وبيت عامر ؟ .


الوان عربية تأسست في 2009