العنصرية والتعنصر الأيديولوجي سلطويا / ماجد الشّيخ

أضيف بتاريخ: 05 - 11 - 2017 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: اراء وافكار

ماجد الشّيخ

لا تفرق النزعة العنصرية من حيث هي أيديولوجيا خالصة، لا تسعى للتطابق مع الواقع بالضرورة، بين مجتمعات متخلفة أو متقدمة، متطورة أو انعزالية، بين قوى سلطوية أو أهلية، بين دولة حديثة أو دولة فاشلة, أو حتى بين عائلات الاقطاع السياسي أو الديني، ولا بين تعنصرات الأسر والعائلات على اختلاف أوضاعها الطبقية والاجتماعية.

العنصرية وجدت وتوجد في كل هذه التكوينات، طالما هي تخضع لتراتبية سلطوية، إحدى سماتها الأساس الخضوع/الإخضاع والهيمنة، وسلوك طرائق متعددة للوصول إلى تحققات المصالح الذاتية، وما تفرضه من “وعي ذاتوي” جاهز لمناصبة الآخر/المضاد العداوات اللازمة لاستمرار أنماط الحياة،عند حدي التناقض والتعارض الدائمين، للامساك بسلطة الأنا المتعنصرة في “ارتقائها” الدائم نحو احتفاظها بروحية استعلاء من الدرجة الأولى، لقيام العنصرية بمهامها الأساس المتكونة من أدلوجاتها الخاصة، التي تقوم على التمايز عن كل آخر، وادعاء الامتياز والتفوق عليه.

التمايزات الطبقية أو الاجتماعية أو السياسية أو الدينية، أضحت مع الزمن أيديولوجيا سلطة تتخلق وتتحلق حول ذاتها، وتعيد انتاج تلك الذات بنزوع هيمني مضاد لأي مصلحة، أو لكل مصلحة أخرى، وهذا هو ديدن قوى اليمين الشعبوي في أوروبا، وفي غيرها من بلدان العالم المختلفة؟. وكذلك في بلدان أقل تطورا وأكثر تخلفا، لا تختلف ايديولوجيات “الرؤى” والمسلكيات العنصرية في ما بينها، أو في ما بين غيرها من تكوينات سياسية أو دينية، إثنية أو قومية، أهلية أو حتى عائلية أو أسرية، ذلك إن جميع تلك التكوينات إنما استمدت وتستمد منظورها ورؤيتها للآخر من منبع أو مصدر مرجعي واحد بالضرورة؛ يفرض عليها معاداة الآخر كرها وعداءا وترذيله، قليلا أو كثيرا، ليس يهم، المهم نشر روح الكره والتعادي والتضاد مع آخر مفترض، حتى وإن لم يكن آخر بالفعل. مثال التعنصرات العائلية والأسرية والجهوية والمناطقية والمذهبية والطائفية دينيا، والتحزبات والاقطاعيات السياسية أو الإثنية والعرقية والقومية، ومن تداخل كل هذه التكوينات في ما بينها، داخل البلد الواحد أو في ما تتوزعه هذه التكوينات في بلدان متعددة.

في أكثر من مشهد جغرافي وثقافي، كونت العنصرية أدواتها وتكونت، ليس وفق نمط أو معيار واحد، بقدر ما تعددت وتنوعت، وفق حاجات واحتياجات السلطة الحاكمة، أو الأهلية أو البطركية، السائدة في العديد من تشكيلات المجتمعات والتجمعات القبلية، أو العائلية وتوزعاتها الطائفية والمذهبية التي لا ينظمها منظور واحد منسجم، يقابل انسجامها على نمط معياري واحد، ليس منسجما بالتأكيد، إلا حين يكون رابط المصلحة داخل السلطة وفي خارجها يشتغل كرابط زبائني، يعمل كوعي أيديولوجي مفارق للواقع، بكل محمولاته الدينية والسياسية والثقافية، من قبيل قوى السلطة العميقة في كل مكان.

في المشهد السلطوي، يتفلت عنصريو السلطة الرسمية من كل الضوابط، حين يفاخرون بعنصريتهم وتعنصرهم ضد الأخر القريب والشقيق، كما ضد كل آخر يعتقدون أنه يزاحمهم في عيشهم الرغيد والهني، وفي استيلائهم على مزيد مما يعتقد العنصريون “الكبار” كما “الصغار” أنه من حقهم هم لا من حق أي عامل أو شغيل أو حرفي، وكأن هؤلاء لا حق لهم ولا حقوق في الجمهورية الأفلاطونية الاستعلائية الفاجرة، والأنكى أن سياسيي مثل هذه الجمهورية غدوا ويغدون أكثر فجورا، دفاعا عن مصالحهم الذاتية الخاصة، لا دفاعا عن مصالح “مواطنيهم العبيد”، أو ناخبيهم “المشترون” بالمال الحرام المنهوب من الدولة ومؤسساتها ووزاراتها، ومن تقاول مع الدولة عبر هذا الوزير أو ذاك، أو عبر هذا النائب أو ذاك، وأحيانا بمباركة كهنوت ديني، له من الكعكة المسروقة أنصاب من المال الحرام، وقسطا وافرا من التواطؤ مع عنصرية وقحة تجاهر بل وتفاخر بما في إنائها من قاذورات سياسية وطائفية، لا مثيل لها في عالم اليوم، سوى ما كان منها لدى فاشيي النازية واليمين المتطرف والصهيونية وأمثالها من قوى دينية لم تعد حريصة على إخفاء وجهها البشع، وهي تمضي بعيدا في التفريط بحق الإنسان/المواطن  وحقوق البشر عامة، بلا تفريق أو تمييز بين أبناء الديانات على اختلافها.

والعنصرية “الداعشية” عندنا لا تختلف عن عنصرية الديانات الأخرى يوم خاضت حروبها الصليبية ومن قبلها تلك التوراتية، بغض النظر عن كونها كانت خرافية أو تاريخية واقعية، طالما أن العنصرية والتعنصر باتا هما الايديولوجيا المفارقة للواقع، والمطابقة لمسلكيات الفاشية والنازية والصهيونية، وأخيرا “داعشية” فقه التوحش.


الوان عربية تأسست في 2009