القصة الكاملة للوعد المشؤوم / محمود العلي

أضيف بتاريخ: 02 - 11 - 2017 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: أبحاث ودراسات

محمود العلي

كانت فلسطين، قبل أن تحتلها القوات العسكرية البريطانية في نهاية عام 1917، تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية مقسمة من الناحية الإدارية إلى قسمين: يشمل الأول المناطق الشمالية، ويتألف من لوائي عكا ونابلس التابعين لولاية بيروت. ويشمل الثاني المناطق الجنوبية، ويتألف من لواء القدس المستقل التابع مباشرة لسلطة وزير الداخلية العثماني.

لم يكن لفلسطين عندما سيطرت بريطانيا على أرضها، ووضعتها تحت الانتداب بقرار من عصبة الأمم، لغة أو دين أو تاريخ مستقلة بها عن محيطها العربي عموما، والسوري خصوصا، فلغة أكثر من 95 بالمائة من أهلها كانت العربية، والإسلام دين الغالبية، وتأتي بعده المسيحية، وهنالك أقلية ضئيلة لا تتجاوز 6 بالمائة من أتباع الديانة اليهودية.

غير أن وعد بلفور حينها انسجم مع “سياسة الربط الجدلي لدعاة الصهيونية الأوائل، بين الدين والتاريخ من جهة، والجغرافيا”، أي الأرض، والمقصود بها “أرض الميعاد” أي فلسطين، من جهة أخرى، حيث تحوَّلت الأيديولوجيا القومية، خلال النصف الأول من القرن العشرين، إلى مشروع صهيوني استيطاني – إحلالي في فلسطين، قلب المجال الحيوي للمشرق العربي، وقد برز استجابة لزعم توراتي، يقوم على مبدأ “الاسترجاعية”، أي العودة إلى أرض الميعاد (فلسطين)، حيث تنشأ الدولة اليهودية على مدى جغرافي سياسي مفتوح، يغطي مساحة فلسطين التاريخية، ويكون قادرًا على التحوُّل إلى مشروع جيوسياسي، يضمن السيطرة والتفوُّق على كامل المجال الحيوي العربي الذي يربط بين أربع نقاط ارتكاز: بلاد ما بين النهرين (الفرات) شرقًا، ومصر (النيل) غربًا، وبلاد الشام (البحر المتوسط) شمالاً، وشبه الجزيرة العربية (البحر الأحمر) جنوبًا. وقد لعب الاستعمار البريطاني دوراً محورياً في هذا الشأن، حيث استمر الانتداب البريطاني على منطقة فلسطين الجغرافية مدة 28 عاما بين يوليو/ تموز1920 ومايو/ أيار 1948، وبالحدود التي قرّرتها بريطانيا وفرنسا بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، إثر الحرب العالمية الأولى، وبموجب معاهدة سيفر.

وعد بلفور وصك الانتداب

بفعل قوة الإمبريالية الصاعدة في أوروبا وقتها، وتحكمها بمسار الدول المحتلة أو التي تقع تحت وصايتها، أقرت عصبة الأمم الانتداب في 11 سبتمبر/ أيلول 1922 بشكل رسمي على أساس وعد بلفور. وغطت منطقة الانتداب المنطقة التي تقع فيها اليوم كل من (دولة إسرائيل) وقطاع غزة، بالإضافة إلى منطقة شرق الأردن (المملكة الأردنية الهاشمية). وفي 22 يوليو/ تموز 1922، عندما أعلنت عصبة الأمم شروط الانتداب البريطاني لفلسطين، أعطت الأولوية لإعلان بلفور، حيث ذكر في الديباجة أن الانتداب يجب أن يكون مسؤولا، لوضع حيز التنفيذ الإعلان الذي صدر في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1917 من حكومة صاحب الجلالة البريطانية لصالح إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. وتضمنت الديباجة النص الدقيق لإعلان بلفور. وحيث إن “صك الانتداب لم تضعه عصبة الأمم، بل بريطانيا والصهاينة، وهربرت صموئيل، أول مندوب سامٍ بريطاني على فلسطين تحدث بصراحة، وقال “لقد عُينت مندوباً سامياً لجلالته في فلسطين، وحكومة جلالته على دراية تامة بعواطفي الصهيونية، بل لا شك في أنني عينت في هذا المنصب، بسبب هذه العواطف”. كما قال عنه وايزمن إنه نتاج يهوديتنا، ونحن الذين عيناه مندوباً سامياً في فلسطين، لتنفيذ مخططات الصهيونية.

كما أن صك الانتداب احتوى، في مقدمته، على نص “تصريح بلفور”، ومصادقة عصبة الأمم على انتداب بريطانيا على فلسطين والأردن، مع تخويلها مسؤولية تنفيذ التصريح، وكذلك كما وتأكيد الصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين، والأسباب التي تدعو إلى إعادة إنشاء وطنهم القومي في تلك البلاد، كما احتوى على 28 مادة، منها المواد ( 2 و 4 و6 و7 و11 و22) التي اختصت بإنشاء الوطن القومي اليهودي، من حيث تشجيع هجرة اليهود وإعطاؤهم الجنسية، وشكلت مخططا متكاملا لتحقيق ذلك من النواحي السياسية والإدارية والاقتصادية والثقافية. ومجرد ربط الهوية بالدين وتسمية اليهود بشعب على أساس الهوية الدينية، فإنها بذلك مثلت بداية لتركيبٍ بشريٍ عنصري، بدعم من “بريطانيا العظمى”. كما أن الحكومة البريطانية، خلال دورتين متتابعتين لاجتماع عصبة الأمم (1924-1925) أعلنت صراحة أنها لا توافق على تأسيس مجلسٍ تشريعي في فلسطين، يقوم على أساس التمثيل النسبي، والذي من الطبيعي أن تكون الأغلبية الساحقة فيه للعرب الفلسطينيين، خصوصا أن ذلك يقف عقبة في قيام الحكومة بالواجبات الملقاة على عاتقها في إنشاء وطن قومي لليهود. هذا مع العلم أن التعداد الحقيقي الأول لسكان فلسطين، والذي أجري في عام 1922، بيّن أن عدد اليهود بلغ 83794 من مجموع السكان البالغ 757182. كما أن حوالى ثلاثة أرباع اليهود عاشوا في منطقة القدس ويافا، وكان حوالى الثلثين منهم من المهاجرين الأوروبيين، وشكلوا بمجموعهم 11% من عدد السكان.

ولادة الهوية اليهودية

حسب دراسةٍ لمعتز قفشية، وفي إطار العلاقة مع الوطن الفلسطيني، وليس مع العرب الفلسطينيين وحدهم، حصل سكان فلسطين في فترة الانتداب البريطاني، لأول مرة، على جنسية جديدة، سميت “الجنسية الفلسطينية”، فقد أصبح جميع السكان المقيمين في فلسطين، وبشتى أعراقهم وأديانهم، يعرفون بـ “الشعب الفلسطيني”… وكان مرسوم الجنسية الفلسطينية قد صدر في 16 سبتمبر/ أيلول 1925 عن ملك بريطانيا في لندن، استنادا إلى المادة السابعة من صك الانتداب، واستناداً إلى قانون الاختصاص في البلاد الأجنبية لسنة 1890. وقد ساهم الاحتلال البريطاني، عبر الانتداب الذي منح له من عصبة الأمم، في تعزيز هوية يهودية مميزة في فلسطين، عندما صدر مرسوم الجنسية الفلسطينية في تلك الفترة، لأن الهدف هو تمكين اليهود المهاجرين إلى فلسطين من الحصول على الجنسية الفلسطينية التي تخولهم حق الإقامة في فلسطين، والتمتع بكل حقوق المواطنة فيها. وكانت الهجرة ضروريةً للصهاينة لبناء الوطن القومي. ولكن، كما قال كريستوفر سيكس، هذه كانت مشكلة فلسطين كلها: إنها كانت مأهولة بالسكان، وليس كما كان يدّعي الصهاينة بأنها أرض بلا شعب.

تقسيم فلسطين

وكانت فاتحة قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية القرار رقم 181، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1947 الذي قسم فلسطين إلى دولتين، بالإضافة إلى كيان منفصل يتألف من مناطق القدس وبيت لحم. وهدف القرار إلى تسمياتٍ لا لبس فيها لتلك الدولتين. وخلافا لاعتقاد كثيرين اليوم، لم يكن ذانك الاسمان الاثنان إسرائيل وفلسطين، وإنما يشار إليهما على أنهما الدولة العربية والدولة اليهودية. واشتمل القرار على مجموعة من المبادئ والآليات تحكم المرحلة الانتقالية بين إنهاء الانتداب البريطاني وتثبيت الوضع النهائي عبر إنشاء دولتين، واحدة عربية على مساحة 43 % تقريبا، وأخرى يهودية على مساحة 56 % تقريبا، مع وضع وصاية دولية على القدس. أما الآلية المقترحة فهي لجنة دولية تشرف على إنشاء مجلسي حكومة مؤقتين، وإنشاء أجهزة حكومية إدارية مركزية ومحلية، وتجنيد مليشيا مسلحة في كلا الدولتين، وإجراء انتخابات الجمعية التأسيسية، ووضع مسودة دستور ديمقراطي، واختيار حكومة مؤقتة، وإنشاء مجلس اقتصادي مشترك.

بإيجاز، يمكن القول إن قرار التقسيم أعطى للحركة الصهيونية مبرّر إقامة كيانها الوطني، وتعريف هويتها. وفي المقابل، ساهم في تفكيك الوطن الفلسطيني، وأرسى قواعد جديدة لتقسيم فلسطين، لا تنسجم لا مع عدد الفلسطينيين ولا مع حجم ممتلكاتهم، ولا مع علاقتهم بأرضهم وترابهم الوطني، كما تضمن إقامة مناطق تحت إشراف الأمم المتحدة، لها صفات ذات أهمية دينية، حيث تم التركيز على أن تكون القدس كياناً خاصاً. وكان قرار التقسيم مع مراعاة المساواة بين الطرفين في الحقوق والالتزامات، غير أنه، من حيث الجوهر، هو محاولة لإضفاء المشروعية الدولية على واقع جديد في فلسطين، يقوم على تقسيمها وإعطاء اليهود حق إقامة كيان قومي لهم على أكثر من نصف مساحتها، وذلك على حساب سكانها الأصليين وحقوقهم الفردية والجماعية، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية.

شرعية مُغتصبة

في الوقت الذي قام فيه بن غوريون بإعلان قيام الكيان الصهيوني تحت اسم إسرائيل في 14 مايو/ أيار عام 1948، فإن العرب الفلسطينيين لم يعمدو إلى إعلان دولة فلسطين. والمعروف أن إسرائيل أخذت قرار التقسيم ذريعة لشرعنة قيامها. واستخدم القرار كلمة فلسطين للإشارة إلى الإقليم الجغرافي، وليس إلى الكيان السياسي، كما استخدم تعبير فلسطيني للإشارة إلى الجنسية، وليس إلى الانتماء الوطني أو “الهوية الوطنية”. وورت مصطلحا عربي ويهودي بمعناهما القومي nation))، وليس بمضامينهما الدينية أو العرقية. وذكر الباحث الفلسطيني، هنري كتن، في أحد كتبه، أن من المعروف أن قرار التقسيم أدى إلى نزاع وحرب ضروس بين عرب فلسطين والحركات الصهيونية المسلحة التي كانت قد عزّزت وجودها في فلسطين، ليس فقط عبر الوجود في البنية الإدارية للاستيطان، كالشرطة التي أنشاتها حكومة فلسطين في أثناء الانتداب لحماية المستعمرات اليهودية، وإنما أيضاً من خلال تأسيس “ثلاث منظمات سرية غير شرعية شبه عسكرية، هي الهاغانا، وعدد أعضائها ستون ألفا إلى ثمانين ألفاً، وأراغون زفاي وعصابة شتيرن، وتراوح أعضاء أراغون زفاي ليومي بين خمسة آلاف وعشرة آلاف، فضلاً عن بضعة آلاف من المتعاطفين معها. هذا عدا عن إلزام اليهود من الهاغانا بالخدمة العسكرية، وغير ذلك من الترتيبات الحربية التي افتقدها العرب.

طوابير اللاجئين

تعاظمت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الذين فقدوا بيوتهم وأرضهم، بل وهويتهم الوطنية، ليتحولوا بأكثريتهم إلى مجموعات وكتل بشرية من اللاجئين، تحت اسم فاقدي الجنسية، باستثناء الذين بقوا في الأردن، حين ضمت المملكة الأردنية الهاشمية الضفة الغربية إليها عام 1950، بعد حرب 1948 التي نجم عنها تشريد حوالى 940 ألف فلسطيني، كما ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الموجّه إلى الدورة الرابعة للجمعية العامة، في يونيو/ حزيران 1949. واستمرت عملية طرد الفلسطينيين وإخراجهم عشرين شهراً، ابتداءً من ديسمبر/ كانون الأول 1947 نتيجة العمليات الإرهابية وحتى يوليو/ تموز 1949، وكان الاعتقاد السائد لدى المهجّرين أن رحيلهم مؤقت، وأنهم سيعودون إلى بيوتهم وأرضهم خلال أسابيع.

وتوّجت الجهود الدولية بإصدار القرار 194 عن الأمم المتحدة في 11/12/1948، ويتضمن هذا القرار الحق القانوني للاجئين في العودة، غير أن الكيان الصهيوني أوضح للمجتمع الدولي على الدوام، وبشكل قاطع ونهائي، أن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم لن تتحقق أبداً، فهل لدى المجتمع الدولي استعداد لمواجهة دولة أقيمت على أساس عنصري، وبدعم من أطراف فاعلة في مجلس الأمن.


الوان عربية تأسست في 2009