أحدث الأخبار

وعد فلسطين في ذكرى وعد بلفور الاستعماري / ماجد الشيخ 

+ = -

ماجد الشيخ 

إذا كانت بعض سرديات ومزاعم الحركة الصهيونية، قد ذهبت إلى أن تعتبر بريطانيا أنها كانت “العائق الأساس” أمام تحقيق مشروع “الوطن القومي اليهودي” في فلسطين، فما رأي أصحاب تلك السرديات بمواقف الحكومة البريطانية اليوم وهي تصر على الاحتفاء بمئوية الوعد المشؤوم، الذي قدم فلسطين على طبق من ذهب النيات الاستعمارية، وهي تخطط للاحتفاظ بفلسطين بقعة تابعة تقوم السلطة التي ستسيطر عليها بدور وظيفي لحماية المصالح الاستعمارية المقيمة في المنطقة، من قبيل التحكم بقناة السويس أو العابرة في اتجاه الهند والمستعمرات البريطانية.

هكذا نشأت الحاجة الاستعمارية إلى وجود كيان وظيفي تستثمره الإدارة البريطانية في الحفاظ والاحتفاظ بمستعمراتها ومصالحها الحيوية فيها. وهكذا وعلى ذات القاعدة الاستعمارية القديمة، تستمر بريطانيا في الوقت الراهن كذلك في التشبث بمنطق النزوع الاستعماري الذي يرفض الاعتراف بجريمة الوعد المشؤوم الذي مهد لقيام إسرائيل، على أنقاض أرض ووطن الشعب الفلسطيني، تحت عناوين ومزاعم توراتية لم تثبت اللقى الآثارية والأبحاث الأركيولوجية صحة أيا من فرضياتها ووجودها في فلسطين. ولهذا يجري الانحياز لثوابت الأهداف الاستعمارية في تبرير وجود إسرائيل ككيان وظيفي وجد لخدمة تلك الأهداف أولا، وللتخلص من مشكلة يهود أوروبا ثانيا، واستثمارهم في تنغيص حياة شعوب المنطقة، والهيمنة على ثرواتها واستتباع أنظمتها وتوظيفها في خدمة أهداف القوى الاستعمارية.

وما هذا الفخر الذي تبديه رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي اليوم، بعد مائة عام على صدور ذاك الوعد الذي أنشئت بموجبه إسرائيل، سوى فخر المستعمر الذي لا يرى في كل ما فعلته إسرائيل في وطن الفلسطينيين وفي المنطقة، وما قامت به من مجازر يندى لها جبين البشرية المتحضرة، سوى مدعاة لفخر المستعمر بأفعال ربيبه التي فاقت أفعال معلمه. وها هي ماي وهي تصف شعورها بالفخر  إزاء ما أفضى إليه وعد بلفور من قيام إسرائيل بكل أفعالها الجرمية وارتكاباتها العنصرية والاحتلالية والاستيطانية واقتلاع قسم من الشعب الفلسطيني من أرض وطنه التاريخي، مدعاة لفخر يستحق الاحتفال بذكراه المئوية.

منذ البداية سعت الحركة الصهيونيّة، وإزاء إقامة اليهود في فلسطين، مرّة على إعتبارها “وطنا قوميّا لليهود”، ومرّة أو مرّات؛ على إعتبار فلسطين أرضا ووطنا لـ “أمّة يهوديّة “، فمنذ ما قبل صدور وعد بلفور، ونص المذكّرة التي قدّمها وايزمان إلى سير سايكس (18/7/1917) تؤكّد على “الواجبات” التي تذكّر بمخططات ومشاريع الإستعمار الغربي؛ والتي صيغت على غرارها تلك المذكّرة من قبيل:

1- يجب الإعتراف رسميّا بإسكان اليهود في فلسطين كأمّة يهوديّة.
2- يجب أن يمنح يهود فلسطين كل تسهيل للحصول على الجنسيّة وشراء الأرض.
3- يجب أن تشكّل شركة يهوديّة لإستعمار فلسطين تكون مهمّتها: (ا) تغذيّة الإستعمار اليهودي بكلّ وسيلة ممكنة. (ب) تشجيع الهجرة وتنظيمها. (ج) النهوض بفلسطين زراعيّا وثقافيّا وصناعيّا وتجاريّا. (د) تسهيل حيازة أراضي الحكومة وحق بناء الطّرق والسكك الحديديّة والموانئ .
4- يجب أن يمنح يهود البلدان الأخرى كامل الحق في الهجرة إلى فلسطين .
5- يجب إبداء الرأي عند تعيين حاكم وهيئة موظّفين لإدارة فلسطين.

أمّا المشروع الصهيوني للوعد (18/8/1917) فهو يمثّل العيّنة أو النموذج الذي أكّدت عليه كل مشاريع الوعود التي فصلت بين “الوعد الأوّل” حتى صدور الوعد الرسمي أو النص النهائي لوعد آرثر بلفور كوزير لخارجية بريطانيا في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1917:

1- تقبل حكومة صاحب الجلالة المبدأ القائل بوجوب إعادة قيام فلسطين كوطن قومي للشعب اليهودي.
2- وستبذل حكومة صاحب الجلالة أفضل جهودها لتحقيق هذه الغاية وسوف تناقش الوسائل والطرق الضروريّة مع المنظمة الصّهيونيّة.

أمّا مشروع ملنر (أغسطس سنة 1917) ومشروع بلفور لذات التاريخ فهما الأقرب في صياغتهما إلى مشروع الصياغة الصهيونية الواردة أعلاه ” تقبل حكومة صاحب الجلالة المبدأ القائل بوجوب إقرار أيّة فرصة لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، (إعادة قيام فلسطين كما في مشروع بلفور ما قبل الوعد)  وسوف تبذل أقصى جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، ولسوف تكون مستعدّة للنظر في أيّة مقترحات حول هذا الموضوع والتي قد ترغب المنظّمة الصهيونيّة في عرضها عليها.

أمّا مشروع ملنر-آمري (4/10/1917) فهو الأقرب الى النص النهائي  للوعد، وتمّت صياغته بالشكل التالي: “تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للجنس اليهودي (للشعب اليهودي كما في النص النّهائي للوعد) وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليّا أنّه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنيّة والدّينيّة التي تتمتع بها الطوائف غير اليهوديّة المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الّذي يتمتّع به هؤلاء اليهود في أيّ بلد آخر والذين هم راضون أشدّ الرّضا بجنسيّتهم الحاليّة”.

في المقابل، وفي وقت مبكر كان هناك من عارض الوعد أو مشاريع الوعود التي قدّمت للحركة الصهيونيّة، لا بل ذهب بعيدا في رفض إعتبار اليهود أمّة، وبالتالي رفض تحويل فلسطين إلى “وطن قومي” لتلك “الأمّة” المزعومة أو المختلقة. وهذا ما عبّر عنه وزير شؤون الهند (اليهودي الوحيد في مجلس الوزراء البريطاني السيّد مونتاجو) في رسالة إلى لورد سيسيل (14/9/1917)، ما يفنّد مزاعم الصهيونيّة إزاء فلسطين، وما يقوّض وعود تحويلها إلى دولة يهوديّة ورفض تكوين “أمّة جديدة” في فلسطين، من هنا تأكيده على المبادئ الآتية:

1 – لا توجد أمّة يهوديّة رغم إعتناق كثيرين بدرجات متفاوتة نفس الدّيانة.

2-  إذا قيل لليهود أنّ فلسطين هي وطنهم القومي، فإنّ كلّ دولة أخرى سوف تتّجه فورا إلى التّخلّص من مواطنيها اليهود، وبذلك سوف نجد في فلسطين عددا ضخما من السكّان يقومون بطرد أهلها الحاليّين، ويأخذون أحسن ما في البلد، ولسوف يحضر هؤلاء من كافة أجزاء الكرة الأرضيّة يتحدّثون مختلف اللّغات ولا يستطيعون التّفاهم مع بعضهم البعض إلاّ عن طريق المترجم.

3-  إننّي لا أعترف بأن فلسطين اليوم مرتبطة باليهود، أو أنّها مكان ملائم كي يعيشوا فيه. إنّ الوصايا العشر قد أعطيت لليهود في سيناء. حقّا إن فلسطين تلعب دورا كبيرا في التاريخ اليهودي، ولكن الأمر كذلك أيضا بالنسبة للتاريخ الإسلامي الحديث، وقد أصبحت فلسطين بعد عهد اليهود؛ تلعب دورا أكبر من أيّة دولة أخرى في التاريخ المسيحي، قد يكون المعبد اليهودي موجودا في فلسطين، ولكن موعظة الجبل وصلب المسيح قد حدثا هناك أيضا.

كذلك وكما كان الأمر قبل مائة عام، هناك بين البريطانيين من يرفض الانسياق خلف السرديات الاستعمارية التي شجعت على إنشاء “الوطن القومي اليهودي” على أنقاض وطن الشعب الفلسطيني، وهنالك اليوم من يطالب بإقامة الدولة الفلسطينية، وهي بمعنى من المعاني “الشق الأخر من دولة وعد بلفور”، وذلك على قاعدة القبول به وضرورة تطويره، كما كان ينبغي أن تذهب المسألة يومها لاقتسام الوطن الفلسطيني إلى دولتين. الأمر الذي قاد لصدور قرار التقسيم الذي لم ينفذ حتى اليوم.

وبقي الأمر على ذاك الحال حتى حرب حزيران عام 1967، واحتلال البقية الباقية من فلسطين، فأصبح الشعار الموازي للتسوية الراهنة يقوم على قاعدة “حل الدولتين” ولكن من منظور آخر مختلف، فالدولة “البلفورية” قائمة بالفعل، أما الدولة الفلسطينية فلم تجد بعد من يستطيع تجسيدها على الأرض، رغم قيام السلطة وفق أوسلو، وفي موازاتها قام الاستيطان بحملاته وغزواته الكبرى التي ما زالت تتواصل، وتعمل معاولها التهويدية في  أراضي الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية والقدس.

لقد خاطب أحد أعضاء الوفد الشعبي البريطاني الذي جاء لزيارة فلسطين مؤخرا رئيسة وزراء بلاده قائلا: الأولى أن نعمل من أجل حرية الشعوب لا الاحتفال بمئوية الذكرى” ذكرى “وعد من لا يملك لمن لا يستحق”، فبريطانيا اليوم لم تنس وعدها ووعيدها، وهي تريد أن تحتفي به بفخر المستعمر العريق، ولكن في المقابل لم ينس الفلسطينيون وطنهم المسلوب، فلم يمت الكبار بعد، وحتى لو ماتوا جميعا، فالصغار الذين تربوا على وعي وإدراك ومعرفة هويتهم الوطنية، لن ينسوا فلسطينهم أبدا.

وإذا كان هناك من يعتقد مثلما يشير وزير الخارجية البريطاني الحالي بوريس جونسون، إلى ضرورة إيجاد حل واقعي عادل ومتفق عليه، لقضية اللاجئين الفلسطينيين، بما ينسجم مع خلاصات قرار الأمم المتحدة رقم 1515؛ فإن قضية اللاجئين تشكل إحدى قضايا الصراع وجوهره، ولكنها كذلك يجب أن تحل في إطار وطن الشعب الفلسطيني ودولته، لا في أطر أخرى يجري فيها استبعاد اللاجئين من وطنهم، وإقصاء تطلعاتهم في ضرورة أن يعيشوا فوق ترابه وفي ممتلكاتهم التي أبعدوا عنها، لا في منافي قريبة أو بعيدة، فلا شيء يعوض الإنسان عن أرض هي ملك آبائه وأجداده.

لذا فإن وعد فلسطين، ينبغي أن يظل على الدوام، هو وعد الحرية الأقدس، وذلك على الضد من “وعد إسرائيل” الذي ما كان ولن يكون يوما سوى وعد “العبودية المختارة” الذي انحازت إليه دول الاستعمار الغربي، لتؤيد الاحتلال وعنصريته وفاشيته، ولتبني على أطلال خرافات توراتية لم توجد في فلسطين، دولة استعمار استيطاني لا تختلف كثيرا عن مشابهة دولهم الكولونيالية صاحبة الارتكابات العظمى في الإجرام والمسلكيات الفاشية.

 

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°