الفلسطينيّون القدامى (زرَّاع أشجار التين): خطأ نظريتي: الهجرات وشعوب البحر: (هم قبائل كنعانيَّة أصليّة في فلسطين)/  إعداد: عزالدين المناصرة

أضيف بتاريخ: 30 - 10 - 2017 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: أبحاث ودراسات

 إعداد: عزالدين المناصرة

هناك نظريتان سادتا حول “أصل الفلستينيين”، وكلاهما خاطئ: الأولى، تقول إن أصلهم من جنوب الحجاز وعسير، في شبه الجزيرة العربية، والأخرى، تقول إن أصلهم من جزيرة “كريت” اليونانية، اعتماداً على نصوص توراتية. ولم يتطرَّق أحدٌ للرأي الثالث الذي نؤكده، بأنهم، “كنعانيون أصليون” في فلستين، أيْ أنَّهم قبائل متفرعة من القبائل الكنعانية، التي كانت في فلسطين، منذ الإنسان الأول، قبل ما يُسمّى “إنسان الكرمل”:

ففي موقع “العُبيدية” بفلسطين، عُثر على هيكل عظمي للإنسان منتصب القامة، يعود تاريخه إلى حوالي 700.000 سنة، ويرى “فاندرميرش” أنّ “الإنسان العاقل” وُجد في فلسطين، قبل 35.000 سنة (خزغل الماجدي: تاريخ القدس القديم: ص 15+ 17).لكنّ معاوية إبراهيم يقول: “لا نملك حتى الآن، وثائق تاريخية، توضح اسم فلسطين، قبل الألف الثاني، ق.م. أما بلاد الشام، فقد عُرفت في النصوص الأكّادية في الألف الثالث، ومستهل الألف الثاني، ق.م، على أنها بلاد (أمورو). وقد عُرفت فلسطين، منذ القرن الثامن عشر ق.م، بأنها (أرض كنعان). وقيل بأنَّ أصل كلمة فلسطين، هو (فلستيا)، التي وردت في السجلاّت الاشورية، أيام الملك الأشوري (أددْ نيراري الثالث)، أي حوالي 800ق.م، باسم (أرض فلستيا)، أو (فلستو)، أو (أرض الفلسطينيين)، كما في العهد القديم، وعاصمتها مدينة (أسدود)، والمقصود بها، كامل الأرض الفلسطينية الممتدة بين سيناء وغور الأردن شرقاً، وأصبح اسم (فلسطين) في العهد الروماني، مصطلحاً رسمياً منذ عهد هَدْريان) – الموسوعة الفلسطينية، المجلّد الثاني، القسم الثاني، ص 4+5)،لكنّ هيرودوت ينصّ على أن الاسم (فلستين)، أُطلق في عصره على “المنطقة الممتدّة من جنوبي دمشق حتى حدود شبه جزيرة سيناء”، كما يقولزياد منى (الجديد في تاريخ فلسطين القديمة: ص 182). أمّا كاثلين كينيون (Kenyon)، فهي تقول: “في نهاية الألف الثانية ق.م، كان يوجد نبع (عين السلطان)، قرب أريحا، الذي بُني من تجمع الطوب المنهار الذي يعود إلى الطبقات السكنية المتعاقبة عبر فترات زمنية تمتدُّ منذ 9000 ق.م” (كينيون: الكتاب المقدس والمكتشفات الأثريةالحديثة: ص 47-48). وقد ميزت كينون فترتين (أ، ب) في العصر الحجري الحديث قبل الفخاري (8000-5500 ق.م)، وأثبتت أن الفترة الأقدم “أ” هي تطورطبيعي تدريجي للحضارة النطوفية، إذْ إنّ صناعتها الصُوّانية، كانت صناعة محلية (محمود أبو طالب: آثار الأردن وفلسطين: ص 41). وكانت قد سبقت الحضارة النطوفية في فلسطين، حضارة أخرى، هي الحضارة “الكبارية”، وتُعدّ الحضارة الكبارية: “أوّل حضارة شامية واسعة الانتشار انطلقت من فلسطين، وشملت بلاد الشام كلها من الفرات حتى سيناء. وقد اكتُشف في فلسطين أقدم بناء معروف في بلاد الشام حتى الآن، يعود بناؤه إلى عام 14000ق.م” (الماجدي: ص 22-23). ويقول سامي سعيد الأحمد: “ظهرت جماعة جديدة في فلسطين في نهاية الألف الرابع، سكنت شمال ووسط فلسطين، ونرى حضارة هؤلاء واضحة، بصورة خاصة في مقابرهم في مدن: مجدّو، بيسان، العفّولة، تل الأساور، تل أبو زريق، خربة الكرك، أم حماد الشرقي، أريحا، تلول العلائق، تل الفارعة، تل عاي، وتل النصبة – أطلقت كينيون على مدنيتهم: عصر المدينة”(سامي الأحمد: تاريخ فلسطين القديم، ص 72-73).

1. هيرودوت :السوريون “سكّان فلسطين”:
أنهى هيرودوت كتابة كتابه “التاريخ” عام 450 ق.م، وقيل 425 ق.م، وفي هذا الكتاب، تعرّض لسكان فلسطين على النحو الآتي:
أولاً: ترد أول الإشارات لفلسطين في كتاب هيرودوت، حين ذكر أنّ “السكيثيين”، اجتاحوا آسيا، ثمّ زحفوا إلى مصر للاستيلاء عليها: “فلما بلغوا فلسطين، وجدوا أمامهم ملك مصر “بسميتاك”، ومعه الهدايا، وهو يلهج بالدعاء لهم، راجياً التوقف عن زحفهم، فعادوا أدراجهم، حتى توقفوا في “عسقلان”، دون أنْ يلحقوا ضرراً بالبلاد أثناء مسيرتهم، لولا أنّ “قلّة منهم”، تأخرت عن الركب، وأخذت تنهب “معبد أفروديت” بعسقلان. وقد تقصيتُ الأمر، وتبيّن لي أنه “أقدم المعابد” الخاصة بهذه الآلهة، وما المعبد المكرّس لها في قبرص، كما يُسلّم أهلها بذلك، إلاّ تقليدٌ لمعبد عسقلان، والمعبد الذي في “شتيرا” الذي أقامه الفينيقيون، وهم أهل هذه المنطقة من سورية.

ثانياً: يعترف الفينيقيون، والسوريون سكّأن فلسطين، أنّهم أخذوا عادة “الختان” عن المصريين، أمّا السوريون الذين يعيشون بين النهرين، فقد أخذوا عادة الختان عن القلقيز (سكّان جزيرة سردينيا)، كما يقول هيرودوت، ويضيف أن المصريين وسكان سردينيا، يشتركون أيضاً في أسلوب حياكة الكتّان، وفي اللغة. كما يشير هيرودوت إلى الفرعون “سيسوستوريس″، الذي أخضع الخليج العربي، وترك أنصاباً تؤكد انتصاراته، وقد زالت معظم هذه الأنصاب: “ولكنّ رأيت بأمّ العين، تلك النُصُب ما تزال قائمة، في ذلك الجزء من سورية، المُسمّى “فلسطين”.

ثالثاً: دام عهد الفرعون بسميتاك، أربعة وخمسين عاماً، قضى منها “تسعة وعشرين عاماً” في حصار “أزوتوس= أسدود الفلسطينية”، وهي مدينة عامرة في سورية، حتى حاز عليها في النهاية. وقد كان صمود أزوتوس، هو الأطول في التاريخ، كما يؤكد هيرودوت.
رابعاً: ثمّ جاء الفرعو

ن “نخاو بن بسميتاك”، وهاجم السوريين في البرّ، واستولى على مجدلوس “المجدل”، وكاديتس “غزة”، وهي حاضرة عامرة في سورية.

خامساً: قرر قمبيز، ملك فارس أن يغزو مصر في عهد الفرعون “أمازيس”، وكان قمبيز قد اشترى جاسوساً يونانياً “كان ذا مرتبة عالية في الجيش المصري”، يدعى “فانيس الهاليكارناسي”. وقد نصح الجاسوس اليوناني “فانيس”، قمبيز بأن”يعبر جيشه الصحراء، وأنْ يرسل إلى ملك العرب، ويطلب منه الأمان أثناء عبوره”، ويضيف هيرودوت ما يلي: “لا يمكن دخول مصر إلا عن طريق عبور الصحراء، ويسكن البلاد الممتدة من أرض الفينيقيين، حتى حدود مدينة كاديتس (غزة)، السوريون، الذي يُسمّون (الفلسطينيون)، ومن هذه المدينة التي تضارع مدينة سارديس في حجمها، فإنّ جميع الموانئ حتى (جينيسيوس) تتبع ملك العرب. والمنطقة التي تمتدّ من هناك حتى بحيرة سربونيس (سبخة البردويل)، والتي ينحدر بالقرب منها جبل كاسيوس ليصل إلى البحر، فإنها تعود لسوريا أيضاً. أما مصر فتبدأ من منطقة بحيرة سربونيس، لكنّ المنطقة التي تقع ما بين جينسيوس من جهة، وجبل كاسيوس والبحيرة من جهة أخرى، فصحراء قاحلة ليس فيها قطرة ماء. وتستورد مصر النبيذ من بلاد الفينيقيين والإغريق، معبأً في جرار من الفخار، وبعد أن تصبح فارغة، يتم جمع الجرار الفارغة في (ممفيس)، حيث يقوم أهلها بملء هذه الجرار بالماء وترسل إلى هذه المنطقة الصحراوية من سورية. وقد عمل قمبيز بنصيحة الجاسوس اليوناني، وأرسل إلى ملك العرب يلتمس منه الماء والمساعدة، فمنحه ما أراد، وتبادل الفريقان العهود”. و”ما من أمة تحترم العهود وتقدّسها مثل العرب”. عبر الفرسُ الصحراء، وهزموا جيش مصر”، كما يؤكد هيرودوت.

سادساً: يقول هيرودوت: “وما بين فارس وفينيقيا أرض شاسعة، ويمتدّ اللسان القارّي بمحاذاة ساحل البحر الأبيض المتوسط من (فلسطين سورية)، حتى مصر”. وعندما جهَّز ملك فارس “أحشويرش”، جيشه لغزو بلاد اليونان، تحالف معه الفينيقيون والفلسطينيون والمصريون، وكان الأسطول البحري يتألف من 1207 من السفن، وهنا يقول هيرودوت: “قدّم الفينيقيون، والسوريون سكّان فلسطين معاً، 300 سفينة، وبحّارتها يرتدون خوذات شبيهة بخوذات أمثالهم من الإغريق، فضلاً عن الدروع من نسيج الكتان والتروس والرماح. ويروي هؤلاء أنّهم كانوا يسكنون الخليج العربي في قديم الزمان، ثمّ هاجروا إلى الساحل السوري، وما يزالون يسكنون هذا الساحل إلى اليوم. وتُعرف هذه المنطقة من سورية وما يليها جنوباَ حتى مصر بفلسطين. وكان إسهام المصريين 200 سفينة. وكانت أفضل السفن، هي سفن أهل صيدا. كذلك شارك في الحملة بقيادة ملك فارس، فريق الهجّانة العرب، وسائسو العربات الليبية (20 ألفا)… الخ”.

ملاحظات (1)
أولاً: وُجد “الإنسان، مُنتصب القامة” في فلسطين، قبل حوالي 700 ألف سنة، ووجد “الإنسان العاقل” في فلسطين حسب بعض الباحثين، قبل 35 ألف سنة. وعُرفت باسم فلسطين، حسب معاوية إبراهيم بعد الألف الثاني ق.م، وعرفت فلسطين منذ القرن الثامن عشر باسم “أرض كنعان”، وورد اسم فلسطين في السجلات الأشورية (800 ق.م) باسم “فلستيا”، أما كاثلين كينون، فهي ترجع حضارة مدينة أريحا الفلسطينية إلى عام 9000 ق.م. ويرى محمود أبو طالب أن “يريحو، يافو”، وهي أسماء كنعانية “يعود الاستقرار فيها إلى الألف الرابعة والثالثة ق.م”، ويستشهد أبو طالب بقول المستشرق “جِبْ” (Gelb)، بأنّ: “جنوبي بلاد الشام، أي فلسطين، وشرقي نهر الأردن، هي مهد الساميين”. ويقول الماجدي إن أقدم بناء في بلاد الشام كلها، كان في فلسطين، حوالي العام 14 ألف ق.م. أما “الجماعة الجديدة” التي أشارت إليها كينيون في فلسطين في نهاية الألف الرابعة، فهي كنعانية-أمورية، والأموريون فرع من القبائل الكنعانية المنتشرة في فلسطين والأردن وسوريا ولبنان، ويقول سامي الأحمد: “اللغة الأمورية، ذات علاقة وثقى باللغة الكنعانية”، لكنّ هذه “الجماعة الجديدة”، لم تأت من خارج فلسطين، بل هي الفرع الفلسطيني الكنعاني من الأموريين.

ثانياً: لدى حديثه عن “معبد عسقلان”، يصف هيرودوت “عسقلان”، بأنها منطقة في فلسطين السورية، وأنّ “الفينيقيين” هم أهل هذه المنطقة. ورغم أنه يميز بين فينيقيا والجزء من سوريا، المسمّى “فلسطين”، إلاّ أن هيرودوت يتحدث عن “الفينيقيين، والفلسطينيين”، على أنهما “شعب واحد”:

الفينينقيون، والسوريون سكان فلسطين، أخذوا عادة الختان من المصريين.

الفينيقيون هم أهل هذه المنطقة “عسقلان الفلسطينية السورية”.

أسدود: مدينة عامرة في سورية، كذلك “المجدل، وغزة”.

تقع فلسطين بين فينيقيا وبحيرة البردويل في سيناء، أي أن حدود مصر تبدأ من سبخة البردويل.

العرب، هم بدو سيناء، حسب وصف هيرودوت.
قدّم الفينيقيون، وسكان فلسطين معاً، 300 سفينة، لتجهيز حملة ملك فارس على اليونان، فلماذا قدّم هيرودوت الرقم مشتركاً دون تفصيل، لو لم يكونوا شعباً واحداً!.

يقصد هيرودوت، بـ “هؤلاء”، الفلسطينيين والفينيقيين معاً، في سياق كلامه، على أنّ أصلهم من “الخليج العربي”، وأنهم هاجروا إلى الساحل السوري، و”تُعرف هذه المنطقة من سورية وما يليها جنوباً حتى مصر بفلسطين”.

إذنْ: كتب هيرودوت، كتابه في القرن الخامس ق.م، حيث أورد اسم “فلسطين” أكثر من مرّة، ومعنى ذلك أن الأحداث التي رواها قد وقعت قبل ذلك بقرون، لأنّ الفرعون المصري “سيسوستوريس”، هو “إما سنوسرة الأول، وهو من الأسرة السادسة، 2300 ق.م، أو سنوسرة الثالث من الأسرة الثانية عشرة، 1900 ق.م”. وهكذا، فإنّ أقدم اسم مذكور لفلستين عند هيرودوت يعود إلى العام 2300 ق.م. ويبدو لنا من وصف هيرودوت أنّ “الفينيقيين والفلسطينيين” هم “شعب واحد”، أو، هما: فرعان من السوريين، وأنّ حدود فلستين، تقع بين “صور الفينيقية”، و “بحيرة البردويل” في سيناء، وأنّ أطول حصار في التاريخ القديم، هو حصار الفرعون لمدينة “أسدود” الفلسطينية، إذ استمر حوالي 29 سنة.

2. مارتن برنال: هل شعب (فلستيا) من اليونان!
يُشير برنال إلى العلاقة بين “البلاسجيين” (Pelasgoi)، وبين “شعب الفلسط، أو الفلستينيين (Philistines)، الذين استقروا في فلسطين في القرن الثاني عشر ق.م، حسب برنال، وهو يضيف: “كان البالاسجيون يقطنون مدينة أرجوس (Argos) البالاسجية، وقد أشار هوميروس إلى دودونا (Dodona)، بمدينة إبيروس البالاسجية. ويذكر هيسيودوس (الشاعر الملحمي)، أسماء ثلاث قبائل هيللينية استقرت في (كريت)، وهم: البالاسجيون، والآخيون، والدوريون. ويذكر ديودور الصقلي أنّ البالاسجيين قد استقروا في جزيرة كريت قبل الدوريين، ويميز هوميروس بين (الإتيوكريتيين): الكريتيين الأصليين، وبين البالاسجيين، الذين قد يكونون متحدثين بـ(اللسان السامي)، لكن هوميروس لم يُشر إلى وجود الدانائيين، أو الأرجوسيين في كريت”، لهذا، يقرر برنال أن “البلاسجيين كانوا أقدم من سكن كريت”، أي قبل الهللينيين، حيث وصل البلاسجيون “كريت” قبل القرن الرابع عشر ق.م. وهكذا يصبح محتملاً أن يكون البلاسجيون، متطابقين مع الدانائيين. أما الفلسطينيون، فهم (حسب الكتاب المقدس)، يفترض أنهم أتوا من كريت.

ومعادلة Pelast, pelasg، كانت تُفسر عادةً بوجود “نقطة توقف” في أصل الكلمة، سمعها الإغريق على أنها “حرف: g”، بينما سمعها المصريون على أنها “حرف: T”. وقد أكّد هيرودوت أنّ اللغة البالاسجية، لم تكن لغة إغريقية. وربما أتت كلمة “Pelasgoi” من كلمة “Pelast”، وهو النطق الذي يمكن إعادة تكوينه من الصيغة الكنعانية”. ويضيف برنال: “وعلى هذا، فإذا كانت هناك معادلة بين اللغة البلاسجية، واللغة الفلسطينية، وهو أمر ممكن، وإذا كان الفلسطينيون قد تحدثوا اللغة الإغريقية -وهو أمرٌ محتمل، فإنّ هذا يزيد بشكل كبير من احتمال أن يكون البلاسجيون من سكان كريت قد تحدثوا بلغة هيللينية”. وقد ظلّ “الدوريون”، يؤكدون أنّهم من ذريّة “الدانائيين المصريين”، وأنّ ملوك الدوريين: “ظلّوا يعتدّون بأصولهم الهكسوسية، حتى فترة موغلة في العصر المتأغرق “الهللنستي”. وقد ربط هيرودوت بين البلاسجيين، والإيونيين، فالبلاسجيون كانوا يدعون “أهل الساحل”. ثمّ يخصص “مارتن برنال”، ملحقاً خاصاً لمناقشة مسألة علاقة الفلسطينيين باليونان، نلخصه في النقاط الآتية:

أولاً: يرى ساندرز أنّ “البرست”، وهم الفلسط، أو “الفلسطين”، قدموا إلى بلاد “اللفانت” بطريق البرّ، ويأتي اسمهم مقترناً بالترشينين والطرواديين في شمال غربي “الأناضول”، وعُرف الفلسطيون في “التوراة”، باسم “سيرانيم”، وهو لفظ مشتق من اللغة الحثية الجديدة، أو من لفظ تيرانوس في اللغة اليونانية، بل لقد قُرن اسم “جالوت: العملاق الفلستيني” بالاسم الليدي ألياتس. وذكر المؤرخ الليدي اكسانثوس أنّ: “بطلاَ ليديّاً، يدعى موبسوس قد ذهب من ليديا إلى “فلسطيا”. وهذه قرائن تؤخذ على أن الفلسط، جاءوا من “الأناضول”، لا من كريت، لكنّ الشاعر كالينوس، الذي كان يكتب في القرن السابع ق.م، ذكر بأنّ: “شعوباً بقيادة موبسوس “أحد أبطال اليونان في حرب طروادة”، قد عبرت جبال طوروس، حيث أقام البعض منها في “بامفيليا”، وانتشر آخرون في كيليكية، وسوريا، ووصلوا إلى فينيقيا. ويقول برنال إن الشيء اللافت هو التشابه بين هذه الرواية، وبين ما جاء في “نقش رمسيس الثالث”، المكتوب في أوائل القرن الثاني عشر ق.م، وقد جاء فيه: “وأمّا عن البلاد الأجنبية، فقد حاكوا مؤامرة في جُزُرهم“بحر إيجة، وصقلية، وسردينيا” منهم: الحثيون، والكيليكيون، والكركميشيون، والأرزاوا، والألاشيا “قبرص”، وقد قضي عليهم… وأقيم معسكر في عامور “سوريا”… وكان الحلف مؤلفاً من: “البرست، والتكور، والسكل، والدنّ، والوش”. ويعلّق برنال: “ينبغي أن نلاحظ أن البرست يرتبطون بالتكور الذين استقروا كذلك في فلسطين، والذين يمكن أن تكون لهم صلة بالبطل اليوناني، تيوكريس. أما اسم “السكل”، فيرتبط باسم صقلية، وارتباط الدنّ بـ”دانونا، والدانائيين”. كما أن كلمة “سرنم”، وردت في النصوص الأوغاريتية، ولا يمكن أن تكون لها صلة مباشرة بأناضوليين كانوا ضمن “شعوب البحر” الغازية. وكان هناك تأثير للغة الحثية في اللغة الكنعانية في فلسطين. أما جالوت، فهو ينتمي إلى عماليق “جات – Gath”، الذين يرى سترينيج، أنهم كنعانيون، وأن الصلة بين جوليات وألياتس، هي مجرد احتمال. أما “التوراة”، فهي تربط بين الفلسطيين وبين “كفتور” أو كريت!!. ويرى برنال أنّ “الترش”، هم الطرواديون.

ثانياً: يلاحظ برنال أنّ ما يُسمى “الفخّار الفلستيني”، كان فخّارا محلياً في صناعته، لكنه شبيه بطراز “الفترة الموكينية الثالثة”، ولهذا يقرر برنال: “القرائن المكتوبة والأثرية التي تقيم الصلة بين الفلسطيين، وجزر بحر إيجة، تتفق معاً إلى حدّ ما”. و”الجانب الأكبر من الفلسطيين جاءوا من كريت وجزر بحر إيجة”، ولهذا، فإنّ الاحتمال يصبح كبيراً في أنهم كانوا يتكلمون اليونانية، فاليونانية هي اللغة السائدة في كريت، قبل أكثر من قرن من ورود أقدم إشارة إلى “البرست”، كذلك، فثمة أمور أخرى، تبين صلة الفلسطيين ببلاد اليونان. فالنصوص الأشورية، تشير إلى شخص بعينه، تُسميه: “لاماني”، أو “لادانا”، وكلاهما تعني “يوناني”، وهي تذكر أن هذا الشخص “استولى على العرش في أسدود المدينة الفلسطية، وأعلن العصيان ضد أشور عام 712ق.م”. فالفلسطيون، كما يقرر برنال، اصطبغوا بالصبغة السامية، وربّما كان “لاماني”، من سلالة يونانية في القرن الثامن ق.م. وبعد غزو “السكيثيين” في القرن الثامن لفلسطين، يبدو أن اسم “الفلسطيين” قد حلّ محله اسم “الغزّاويين “غزاتي” حينا، والأسدودويين “أسدودي”، حيناً آخر. وثمّة أمر بين الصلات بين “فلسطيا” واليونان في تلك الفترة “حوالي عام 400ق.م”: “كانت غزة هي المدينة الوحيدة إلى الشرق من أثينا، التي صكّت نقوداً طبقاً للأوزان الأتيكية “عملة أثينا”، بكتابات كنعانية فينيقية، وتحمل بعض النقود من غزة، النقش “مينو”، الذي يفترض أنّ له صلة بمينوس “ملك كريت”. ورغم أن “شعوب البحر”، كانوا يتحدثون اللغات الأناضولية، إلا أن “الفلسطيين”، كانوا في أغلبهم يتحدثون اليونانية.

ملاحظات (2)
أولاً: يقرر برنال مسبقاً أنّ “الفلستينيين”، استقروا في فلستين في القرن الثاني عشر، دون أدلة على ذلك، وهو أيضاً يقرر مسبقاً أنّ “الفلستينيين”، هم من “شعوب البحر”، دون أدلة. ثمّ يعقد مقارنة لغوية غير مقنعة “أتت كلمة Pelsagoiالتي تدلّ على البالاسجيين من كلمة Pelast”، كما يقول، وأنّ “الدوريين” وهم من شعوب البحر، هم من أصل هكسوسي، حيث ما تزال كل هذه الاشتقاقات والمقارنات غير مقنعة. كذلك هناك تناقض بين مصطلحي: “برست” المصري، و”بلست” اليوناني، وقد تكون هذه المصطلحات لا تعني “الفلستينيين”، سكّان أرض فلستين، بل تعني أحد “شعوب البحر”، وهو ليس بالضرورة “شعب فلستيا الأصلي” من الناحية اللغوية.

ثانياً: تمّ لدى المستشرقين تعميم مصطلح “شعوب البحر” على أنه يعني “البرست” وحدهم، رغم وجود شعوب أخرى في حملة شعوب البحر ضدّ سوريا وفينيقيا وفلسطين ومصر، فكيف نسمّي “شعب فلسطين الأصلي”، باسم أحد شعوب البحر “Pelast”، رغم أن الغزو كان جماعياً.

ثالثاً: ما يذكره المؤرخ الليدي اكسانثوس من أنّ “بطلاً ليدياً، يدعو موبسوس قد ذهب من ليديا إلى فلستيا”، يُدلّل أن اسم “فلستينياً”، كان سابقاً لغزوة شعوب البحر (1200ق.م).
رابعاً: كان اسمها “فلستين”، كما يؤكد هيرودوت في عصر الفرعون سيسوستوريس (1971-1928ق.م)، وإذا كان المقصود هو “سيستوريس الثالث”، فالفترة هي 1878-1843ق.م، أي أن اسم فلسطين، كان موجوداً بين القرن العشرين ق.م، والقرن التاسع عشر ق.م، أي قبل غزوة شعوب البحر بحوالي ثمانية قرون، فكيف أعطى أحد شعوب البحر “البرست” اسمه لأرض فلسطين في القرن الثاني عشر ق.م، عند برنال.

خامساً: يبدو لي أنّ “غزوة شعوب البحر”، لا علاقة لها، بتسمية فلسطين، وإنما حدثت التسمية قبل ذلك بقرون، ولا يرتبط اسمها بما اكتشف من النقوش المتأخرة عن التسمية بطبيعة الحال.

سادساً: كلّ ما أورده مارتن برنال حول علاقات فلسطين باليونان، قد يبدو صحيحاً، فعلاقات فلسطين باليونان قديمة جداً، وقد يكون بعض سكان فلسطين من أصول يونانية كريتية، ولكن لا علاقة لهذه “العلاقات”، بتسمية فلسطين والشعب الفلسطيني، لأن تصوّري البسيط هو كالآتي: الفلستينيون فرعٌ قويٌّ من القبائل الكنعانية – الأمورية السورية، أصبح مسيطراً في فلسطين في المرحلة قبل القرن العشرين قبل الميلاد، فسُمّيت هذه الأرض باسمهم، بعد أن كان اسمها منذ “الألف الرابع ق.م”، وربّما منذ “الألف التاسع ق.م”- أرض الكنعانيين، أي أرض سوريا الجنوبية الطبيعية، فالفلسطينيون ليسوا من “شعوب البحر”، ولا جاءوا من كريت، رغم وجود صلة قوية بين اليونان وفلستين. الإشكالية هنا هي أنّ المستشرقين منذ القرن الثامن عشر الميلادي، قد صاغوا جبالاً من الأكاذيب، لضبط ساعاتهم وتواريخهم وكتاباتهم مع “أساطير التوراة”.

المثقفون العرب: مَنْ هم الفلستينيّون!!

1. فيليب حتّي: الفلسطينيّون، من شعوب البحر!!
وفقاً لفيليب حتّي، فإن الفلستينيين، هم من المجموعات الخمس لشعوب البحر، الذين أتوا من منطقة بحر إيجة. وقد أدت حركات غامضة للشعوب في آسيا الصغرى والبلاد الإيجية في أواخر القرن الثالث عشر إلى تفرق قبائل بكاملها. وتوافدت جماعات من المهاجرين بينهم قبائل الفلسطينيين بطريق البر والبحر نحو سورْيا، وبعد تقويضها بعض الدول، ومنها أوغاريت، وصلت إلى الساحل المصري.وقد هُزمتْ هناك حوالي 1191 ق.م في معركة بحرية وبرية على يد الفرعون رعمسيس الثالث، ولكنّه سمح لها أن تظل بصورة دائمة في ساحل سورية الجنوبية، الذي صار يُسمّى فلسطيا (Philstia). واستقرت مجموعة أخرى، تسمى التجكر (Tjeker) في دور، جنوبي جبل الكرمل. وكان قد أتى (قبل الغزوة الفلسطينية!!)، جماعة أخرى من شعوب البحر من اليونان وآسية الصغرى، وبعضهم أتى بطريق قبرص، ونزلوا الساحل المصري، حيث صدّهم الفرعون مرنفتاح (1225 ق.م).وقد امتدّ مُلْك الفلسطينيين من يافا إلى غزّة. وأهم المدن التي استوطنوها كانت: غزّة، عسقلان، أسدود، عقرون (Ekron)، وجت (Gath)، وكانت جت من مدن الداخل. وكان جبل الكرمل، الحدّ الفاصل بين بلادهم الساحلية، وبين بلاد الفينيقيين في الشمال.وقد أسّس الفلسطينيون مدينتي: اللُّد، وصقلغ (Ziklag)، وتوسّعوا نحو الداخل، واستولوا على عدد من المدن الكنعانية. ويستمر فيليب حتّي في النقل الحرفي عن المستشرقين، حيث يقول: ومما يساعد في الدلالة على أن الفلسطينيين، كانوا أوروبيين، الرسوم التي وجدت على البناء التذكاري، الذي أقامه (رعمسيس الثالث)، كما يدل على قدومهم من جزر اليونان، خصوصا كريت، نموذج الخزف الذي أدخلوه.وظلّ الفلسطينيون يشكلون طبقة عسكرية أجنبية متعالية، تمثل حضارة يونانية، وكانت مدنهم، تشكل اتحاداً، عاصمته أسدود. وكانت ذروة قوة الفلسطينيين في النصف الثاني للقرن الحادي عشر، حيث هزموا أعداءهم في العام 1050 ق.م. ويعود تفوق الفلسطينيين إلى معرفة الصهر واستخدام الحديد، لأجل صناعة أسلحة الدفاع والهجوم. كما احتكر الفلسطينيون صناعة الحديد. وكان الحثيّون، قد استخدموا الحديد، قبل قدوم الفلسطينيين بصورة محدودة في أوائل القرن الثالث عشر ق.م، غير أنه لم يصبح الحديد شائعاً في سوريا، إلا بعد قدوم الفلسطينيين.وتفوق الكنعانيون، الذين تعلّموا من الفلسطينيين، استخدام المركبات الحديدية، تفوقاً حاسماً. وهكذا -والكلام دائماً لفيلييب حتي- فإنّ الفلسطينيين رفعوا الحضارة السورية من مرحلة البرونز إلى مرحلة أهم، وهي عصر الحديد، وكان ذلك أهم فضل لهم. كذلك -يقول حتي- فإنّ الفلسطينيين، هم من علّموا جيرانهم وورثتهم الفينيقيين الخبرات البحرية، التي أدت إلى اكتشاف البحر المتوسط، والبحر الأحمر، والمحيط الأطلسي الشرقي.وترك الفلسطينيون آثاراً مادية، مثل صناعة الخزف، والآلات الزراعية، والمطارق، والأزاميل الحديدية، وظلوا مسيطرين حتى القرن الخامس ق.م. وقد تركوا أيضاً اسم آلهتهم داجون (إله الحبوب)، المقتبس من آلهة الكنعانيين. معنى ذلك، أنَّ (الفلسطيين) عند فيليب حتي، (شعبٌ غامض!)، متفوّق، لأنه (يوناني!!).

2. مصطفى مراد الدباغ: الفلسطينيون علّموا الفينقيين فنون البحر
يقول الدبّاغ إنّ الهنود الأوروبيين، هاجموا اليونان وجُزُرها في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد، فاضطُرّ سكّانها الإيجيون إلى العبور نحو الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، سواحل سوريا ومصر، فصدّهم الفرعون مِرْنِفتاح حوالي العام 1225 ق.م، وتمكّن الفرعون رعمسيس الثالث (1198-1167 ق.م)، من صدّ هؤلاء الغزاة في معركة بحرية في العام 1191 ق.م. ويقول سليم حسن إن هذه المعركة، هي: أوّل موقعة حربية بحرية مصوّرة عُرفت في التاريخ العالمي.

وفي إحدى هجمات هؤلاء الإيجيين على فلسطين، احتلّوا ساحلها، فسمح لهم رعمسيس الثالث، بالاستقرار فيها: فاستقرت مجموعة الثكاليين (Thekel)، أو (ثكر) في (دور= الطنطورا)، جنوبي جبل الكرمل، وأسّسوا لهم دويلة مستقلة، والغالب أنّهم من جزيرة صقلية، وقد اختلطوا مع الكنعانيين القاطنين في الأراضي الممتدة بين بيسان ومرج بني عامر ومجدّو حتى الساحل.أمّا المجموعة الثانية من شعوب البحر، فهم: بيليست (peleset)، أو بلستي، الذين ذكروا في العهد القديم باسم الفلسطينيين: وهم قوم أتوا من جزيرة كريت، فسكنوا غزّة وجوارها، وتوالت هجراتهم من كريت إلى فلسطين، حيث امتلكوا الساحل الفلسطيني حتى جبل الكرمل، ووصلوا شرقاً إلى رؤوس الجبال الشرقية في فلسطين. ويضيف مصطفى مراد الدبّاغ، أنّه كانت مدن الفلسطينيين المهمّة، خمسة مدن، هي: غزّة، وعسقلان وأسدود وعقرون، وجت (عراق المنشية)، كذلك مدينة يبنة شمالي أسدود. وكان حاكم المدينة، يلقب بلقب سيرين (Seren)، كذلك مدينة اللُّد، ومدينة صقلاغ التي كانت تقوم في تل خويلفة على بعد 25 كم، شمال شرق بئر السبع. ويُعتقد أنَّ الفلسطينيين، هم من علّم الفينيقيين، مجموعة من الخبرات البحرية، وللفلسطينيين أثر كبير في المدنيّة الكنعانية، حيث كانوا يتقنون صناعة الحديد، وأقدم الآثار الحديدية، عُثر عليها في تلّ الفارعة، وتل جمّة، ومجدّو. ومن أبطال الفلسطينيين، جوليات (Goliath)، الذي ولد في عراق المنشية، قرب الخليل، و أخيش (Achich)، هو ملك عراق المنشية.واستخدم الفلسطينيون في حروبهم العربات الحربية، واستعمل المشاة الخوذة (كوبَع)، وهي كلمة قبّعة باللغة الفلسطينية. وخاضوا معارك ضدّ أعدائهم، مثل: معركة وادي السنط، ومعركة أفيق – رأس العين. ويقع واد السنط في موقع خربة الشويكة، جنوبي قرية زكريا الخليلية. وانتصر الفلسطينيون على أعدائهم في معركة جبل جُلبوع، ويُعرف باسم جبل فقوعة، ويعتقد أن المعركة كانت في العام 1004 ق.م.وكانت ثقافة الفلسطينين ثقافة كنعانية، حيث عبدوا الإله داجون، وهو إله الحبوب عند الكنعانيين. وكان مركز عبادته في أسدود، ومقر زوجته عشتاروت في عسقلان، وعبدوه في غزّة، وبيت دَجَنْ، وكان داجون، له رأس إنسان، وجسد سمكة. ولعلّ كلمة فلسطين–يقولالدبّاغ– مشتقةمن كلمة فالاش (Falach)، وأصلها سامٍ، بمعنى يُهاجر !. وقد أحيا الرومان اسم فلسطين، وفي العام 400 م، كانت فلسطين تضمُّ ثلاثة أقسام. وهكذا يسير الدبَّاغ على خُطى فيليب حتّي.

3. أحمد سوسة: كانوا فلستينيين، ثمّ تكنعنوا بسرعة
الفلستينيون، هم من الأقوام الإيجيّة، كانوا قد احتلوا بعض السواحل السورية العليا في أوائل القرن الثاني عشر ق.م، وهاجموا مصر في عهد رعمسيس الثاني (1166-1198 ق.م)، لكن الفرعون تمكن من صدّهم في معركة بحرية في العام 1191 ق.م، فاتجهوا نحو الساحل الجنوبي في فلسطين وأسّسوا خمس مدن هي: غزّة، وعسقلان، وجت وأسدود، وعقرون. وممّا يذكر أنّ الفلستينيين قد اندمجوا بالكنعانيين والأموريين، بحيث لم يعد ممكناً تمييزهم عن العناصر الكنعانية والأمورية، ويقول لودز (Lods): (إن الفلستينيين قد تكنعنوا بسرعة في حوالي القرن الحادي عشر ق.م، خلال فترة تقل عن 150 سنة بعد استقرارهم في فلسطين). لكنَّ الاكتشافات أكدّت أنّ الفلستينيين، هم من الكنعانيين (الفينيقيين)، الذين كانوا يقيمون في السواحل. وقد خضع الفلستينيون للحكم الأشوري. وأقدم ذكر للفلستينيين، ورد في النصوص المصرية والأشورية، فقد سُمّيت بلادهم: بالاستو، أو بيليستو، وهو الاصطلاح اليوناني نفسه فلستيا، الذي أصبح بالستينا (فلسطين). وأول من ذكر اسم فلسطين، هو هيرودوت المؤرخ، باسم الجزء الجنوبي من سورية، المسمّى فلسطين.وقد وردت معلومات عن الفلستينيين في نقوش رعمسيس الثاني على جدران معبد أمون بمدينة هابو غربي طيبة، احتوت على سجلات لحروب الفراعنة ضدّ الفلستينيين، حيث يصفهم رعمسيس الثاني بما يلي: (لم يستطع أيّ قُطر من الأقطار أن يصمد أمام قوتهم القاهرة… فقد دمّروا أرض الحثيين، وكود (ساحل قيليقيا في شمال سوريا)، وكركميش وقبرص، كلّها دُمّرت بضربة واحدة… سحقوا شعوبها ودمّروا أراضيها، ولم يتركوا لها أثر… وهاجموا مصر، وكانوا قد بسطوا أيديهم على جميع البلاد إلى أبعد أطراف العالم… ولكنّ تخطيطنا (ضدّهم ) سوف ينجح…). ويصف رعمسيس المعركتين اللتين خاضهما ضدّ الفلستينيين: إحداهما معركة بريّة، والأخرى بحرية، وكيف انتصر عليهم مع تصاوير توضيحية لهذه المعارك، ويظهر من هذه التصاوير -كما يقول المستشرقون- أن الفلستينيين: يتميزون بلباس الرأس المليء بالريش، وسحنتهم هي أقرب إلى الأوروبيين، خصوصاً اليونان، وسلاحهم السيف العريض، الدروع، والرماح المُسنّنة، ومعهم عربات ذات عجلات مُدوّرة، تجرّها الثيران الضخمة. ويذكر معروف الدواليبي، أن الآثاري الفرنسي هييردي باراتون كتب كتاباً عن الأيتروسكيين، جاء فيه أنّ الأيتروسكيين،هم فرع من الفينقيين السوريين، وأنّ اسم (فلسطين)، هو أحد أسماء مدنهم، وأنّ معنى الأيتروسك في اللغة المصرية القديمة، هو بحّارة النيل، وأنّ معنى الفلسطينيين هو الجنود المحاربون. ويضيف الدواليبي أنّ الفلسطينيين هم كنعانيون فينيقيون سوريون، وهم الجبّارون، أي العمالقة. وأقدم اسم وصل إلينا (فلستيا)، كان في القرن الثاني عشر ق.م.

4. سامي الأحمد: الأقوام الفلسطينية، أوروبيّون
يبدأ العصر (1200-1999 ق.م) بدخول الفلسطينيين إلى فلسطين، وتلاشي النفوذ المصري في فلسطين. والفلسطينيون من أقوام أرض البحر، وهم أوروبيون، قدموا بنسائهم وأولادهم في عربات، ليستقروا في سورية وفلسطين ومصر. وقد حاربهم رعمسيس الثالث، (1179-1147 ق.م)، سنة 1174 ق.م، وأخذوا يفدون إلى سوريا براً وبحراً، واحتلّ الفلسطينيّون أوغاريت، وعجز الحثيون عن مواجهتهم، وساروا على طول الساحل الفينيقي، متجهين نحو فلسطين. ثمّ تصدّى لهم رمسيس، وأسماهم الدانونا، وبلشت (فلسطيين)، والزكارة، وهزمهم في معركة بحرية، لكنهم عادوا إلى فلسطين ثانية، وانضموا إلى المقاومة الكنعانية، ومن شعوب البحر التي ينتمي إليها الفلسطينيون، هناك التكريّون (Tjeker)، الذين سكنوا مدينة دور الطنطورا، جنوبي جبل الكرمل. أما التوراة، فتذكر أن الفلسطينيين من كفتور، وهي جزيرة كريت.كما أنّ الفلسطينيين قد تغلغلوا في بعض المدن الكنعانية. ويقول سامي الأحمد أيضاً: لم تصلنا أية وثيقة مدونة باللغة الفلسطينية، ولكن هناك كلمات فلسطينية مبعثرة مثل: سيرين (السيّد، الرئيس)، التي استعملت لتعني رئيس الاتحاد الفلسطيني. وأسماء شخصية، هما: جولياث، الذي قُرن بالاسم (ألياتاس- Alyattas)، وأخيش، الذي قرن بالاسم: (أخيسيس-Achises)، وهم متأثرون بالحضارة الكنعانية. وقد وردتنا أسماء لحكّام فلسطينيين أمثال: (أخيميليك، صدقا، متينتي، وحنّون)، وتكلموا اللغة الكنعانية، وقد عبد الفلسطينيون (داجون) في غزة، و(بعل زبوب) في عقرون، و(عشتروت) في عسقلان. وهناك أدوات من الخزف الأخضر- الأزرق، عثر عليها في (بيت شمس) الفلسطينية.

5. حمدان طه: من هم الفلستينيون!
يعود أول ذكر للفلستينيين إلى العام (1186 ق.م) في عهد الفرعون رعمسيس الثالث (1194-1166 ق.م)، استقروا في الساحل الفلسطيني في الربع الأول من القرن الثاني عشر ق.م. ويعدّ “شامبليون”، أول من عرّف بالفلستينيين، كذلك عرّف “Brugsch”- “بليست” (Peleset) بالفلستينيين، وتمّ الربط بين الفلستينيين في “التوراة”، وبيلست في النقوش المصرية، بوصفهم يشكلون أحد فصائل شعوب البحر.ومنذ العام 1857، أصبح هذا الربط مشهوراً عالمياً. وفي فترة متأخرة، أطلق اليونانيون اسم: “ha Syria ha palastine” على الخط الساحلي بين فينيقيا ومصر. وسمّى الرومان، المنطقة الجنوبية من سورية، “Syria palaestine”. وفي القرن الرابع الميلادي، أُقرّ التقسيم الإقليمي الروماني، كالتالي: فلسطين الأولى: من غزة إلى قيسارية، وفلسطين الثانية: محيط بيسان، وفلسطين الثالثة: سيناء والنقب، وجنوب شرق الأردن. ويذكر هيرودوت أنّ “الفلستينيين” (Physlistnus) هم الجماعة الوحيدة التي تحمل اسم “المؤسّس″، لذا، فقد سمّاها الإغريق، “فلسطين”. ويتضح أنّ اسم فلسطين، ليس إلا اشتقاقاً من الاسم القديم.
1. فلسطين في المصادر المصرية: في نهاية القرن الثاني عشر ق.م، ذُكر الفلستينيون بشكل عابر في قائمة: “أمينوبي- Amenope”. كما ذكر الفلستينيون منذ بداية القرن الثاني عشر ق.م، باسم: “بليست”، التي وردت ضمن شعوب البحر. كما وردت إشارات في قصة “ون- آمون”.وكان الفلستينيون، هم العصب الرئيس لجماعات شعوب البحر. وتحصي نقوش “مدينة هابو”، حروب رعمسيس الثالث ضدّ الشماليين في العام 1189ق.م، ثمّ الغزو البري والبحري الكبير في العام 1186ق.م في الدلتا على مدخل مصر.وتقول النقوش: “حاكت البلدان الأجنبية مؤامرة في جُزُرها، فماج سكان اليابسة، ودبّ الهلع في نفوسهم، ولم تقو أي أرض على الوقوف أمام جيوشهم: “الحاتي، وكود، وكركميش، وأرزاوا، وألاشيا… وقد أقيم مخيم في مكان ما في “آمور”.. لقد زحفوا صوب مصر، أمّا تحالفهم، فكان من: “بليست- peleset، وتيكر – Tijeker، وشيكيلش- Shekelesh، ودنين – Denyen، ووشيش- weshesh- وهم بلاد متحالفة، بسطت نفوذها على الأرض”. ويصفهم الفرعون رعمسيس بأنهم “رجال العربات”، وقد عبر تحالف الشماليين-آلاشية، والمملكة الحثية، ثم وصلوا إلى كركميش.ويُعتقد أن المعركة جرت “شمالي طرابلس″، أو “شرق الدلتا”، أو “بلاد جاهي- Kjahi”، أو في “الساحل الكنعاني”، أو جرت المعركة، حسب “ساندرز″، في منطقة بين مصر وفلسطين. وتذكر النقوش “جماعة شردين – Shardana”، وهم من شعوب البحر، الذين يتشابه غطاء الرأس ذو الريش عندهم مع غطاء الرأس عند سكان كريت في القرن السادس عشر ق.م.وظهر “الفلستينيون” بلباسهم المميز، يقاتلون على عربات تجرّها الثيران. وهناك من يعتقد أنّ “المعركة البحرية” قد جرت في أحد الموانئ الشمالية على ساحل فينيقيا، في حين يُجمع الباحثون على أنها جرت في منطقة “الدلتا”، ويرى “ساندرز″ أنّ هناك بعض الشبه بين السفن الفلستينية، والسفن الإيجية، وأنّ السفن الفلستينية لا تختلف في مظهرها كثيراً عن السفن السورية في القرن 14ق.م.

أما الاختلاف بين السفن المصرية، والسفن الفلستينية، فهو أن السفن المصرية: “مقدّمتها على شكل رأس أسد”، أما، مقدمة السفن الفلستينية، فهي على شكل “رأس طائر”. وفي “بردية هاريس – Harris papyrus”، ورد النصّ التالي: “لقد وسّعتُ جميع حدود مصر، وقهرتُ أولئك الذين هاجمونا من (أرضهم).لقد ذبحتُ: “دنين” في جزرهم، وأحلتُ “تيكر”، و”بليست”، رماداً. أما “شردين”، و”وشيش”، فلم يعد لهم وجود، وقد استسلموا جميعاً”. وفي “قائمة أمنوبي”، وردت أسماء ثلاثة من شعوب البحر، هم: “بيليست، تيكر، وشردين” إلى جانب ثلاثة مراكز في جنوب فلسطين، هي: “عسقلان، أسدود، غزّة”.أما “قصة وِنْ- آمون” التي تعود إلى عهد رعمسيس الثاني عشر، فهي تصف الوضع في فلسطين في بداية القرن الثاني عشر ق.م، عندما توقف المبعوث المصري عند “دور” في مملكة تيكر، وتعرف إلى ملك دور “بيدر”، وكانت مصر قد فقدت هيبتها في الساحل الكنعاني، في القرن الحادي عشر.

2. الفلستينيون في المصادر الآشورية: أصبحت “فلستيا”، مقاطعة أشورية في أواخر القرن الثامن ق.م. وجاء ذكر الفلستينيين في عهد “حدد نيراري الثالث” (812-788 ق.م)، وفي عهد تغلات بيلاصر الثالث (745-727 ق.م)، جرت الحملة الأولى على فلستيا. وورد اسم “غزة” في وصف الحملة الأشورية على فينيقيا، وغزة، وورد اسم “Mitiuti”، ملك عسقلان، وحانون ملك غزة.وفي العام 713 ق.م، نظّم سرجون الثاني (721-705 ق.م) حملة عسكرية ضدّ “ملك أسدود”، الذي رفض دفع الجزية، وحرّض أهل أسدود على الثورة ضدّ الأشوريين. كما حدثت ثورة أخرى في عهد سنحاريب (705-681 ق.م)، عندما ثار أهالي “عقرون”، بقيادة ملكهم “بادي- Bade”. وقد ذكرت في الكتابات الأشورية، أسماء حكام المدن الفلستينية:.
غّزة: حانون، سل -بل.

عسقلان: متنتي، سارولداري، سدكو.
أسدود: غازوري، أحيميتو، أماني، متنتي، أخميلكي.
عسقلان: بادي، أكوزا. وقد أشير للمنطقة باسم: “فلستيا”.

فرضيات حول أصل الفلستينيين:
يضيف الباحث حمدان طه بأن علاقة الفلستينيين بالبحر، لم تحدد إلا في مقطع واحد في مسلّة رعمسيس الثالث. وفيما يلي الفرضيات المطروحة التي ذكرها “ماكالستر”:

Kohler: الفلستينيون، استقروا في كسلوحيم “مصر”، ثمّ أبحروا إلى كريت، ثم بعد ذلك عادوا إلى فلستيا.
Knobill: القسم الأساسي من الفلستينيين، جاء من كسلوحيم، في شمال مصر، أما الفلستينيون الكفتوريون، فهم قبيلة جنوبية، ذات أصل “إيجي”، أو “كاري”.

Hitzing: طابق بين الفلستينيين، وبين “البلاسجة”، الذين جاءوا من كريت إلى شمال مصر، وعُرفوا باسم “كسلوحيم”.
Tiele: الفلستينيون، ساميّون في “عباداتهم”.
Beecher: آريون اصلاً، ولكنهم تمثّلوا الحضارة السامية.
Schwally: أصلهم سامي.

Hall: شعب من الزاوية الجنوبية الغربية لآسيا الصغرى، والأصل “كاري”.
Bonfante: كلمة “Palestini”، هي تسمية إثنية من اسم مكان هو “Paleste”، الموجود في منطقة “إليريا”، فالفلستينيون هم شعب هندو-أوروبي.

Wright: هندو-أوروبيين، ولباسهم يشبه لباس المناطق المجاورة في كيليكيا- تراكيا، وهي المنطقة المعروفة باسم كفتور. ولم يكونوا سكاناً أصليين في كريت، وإنما قدموا إليها عام 1600ق.م، وهم ألوريّون، وكانت لهم علاقة بطروادة. وخلاصة هذه المجادلة أن الفلستينيين، جاءوا من منطقة قريبة من “ليديا”، وأنهم هندو- أوروبيون، وكانت لهم علاقة بطروادة، وأنهم وصلوا إلى سواحل كفتور كباترا، أي كبدوكيا.

Jones: يقسم اسم “phylistinus” الذي ذكره هيرودوت إلى قسمين: الأول من الاسم “”phyle”، ويعني “قبيلة”، و”Histie”، ويعني “إلهة المواقد”، لذا، فإن اسم الفلستينيين، قد استخدم للإشارة إلى “قبيلة من الشمال”، وأن الفلستينيين، جزء من “Histiaeans”، الذين أقاموا في مدينة تسمى “Histiaea”، وموقعها غير معروف.

Albright: هم سكان ما قبل اليونان “بيلاساجو- Pelasgian”، على أساس الدلائل الفخارية من حوض بحر إيجة.
Mitchell: شعوب البحر، عناصر من جنوب روسيا، قدموا إلى بلاد إيجة، وغرب الأناضول، ثم هاجروا بالبر والبحر إلى الشرق الأدنى، حيث يتطابق اسم “بيليست” مع “البلاسجة”.

Sandars: من شمال سوريا والأناضول وحتى سفوح تلال القوقاز.

Barnett: الفلستينيون لهم علاقة قوية بالأناضول، بسبب احتكارهم لصناعة الحديد.

Dothan: الفخّار الفلستيني، هو العلامة الفارقة والمؤشر الوحيد على الحضارة الفلستينية.

ويصل الباحث “حمدان طه” إلى الخلاصة الآتية:
أولاً: ذُكر الفلستينيون في السنة الثامنة من حكم رعمسيس الثالث في نقوش مدينة هابو، وهذه النقوش “غير مؤرخة”، إضافة إلى أن فترة حكم رعمسيس الثالث “غير مؤكدة!!”.
ثانياً: ظهر الفلستينيون في مجرى أحداث شرقي المتوسط في نهاية العصر البرونزي المتأخر، كان أبرز معالمها، سقوط الإمبراطورية الحثيّة في الأناضول، وضعف الدولة المصرية وانحسار نفوذها في آسيا، وقد عجّلت هذه الأحداث في ظهور تحولات جديدة.

ثالثاً: ذكر الفلستينيون في المصادر التاريخية الأشورية منذ القرن الثامن ق.م، بما يشير إلى استمراريتهم، وتؤكد هذه المصادر بأن الفلستينيين كانوا يلعبون دوراً مهماً طوال العصر الحديدي الثاني، وهذا ما يعارض التصورات التبسيطية حول نهاية الحضارة الفلستينية في القرن الحادي عشر ق.م، كما يرى البعض.

رابعاً: أصل الفلستينيين، غير معروف لنا تماماً، إلا من قبيل التخمين.
خامساً: يعتبر الفخار الفلستيني، المؤشر الأثري الأساسي على الحضارة الفلسطينية، وقد ظهر الفخار في السياقات المؤرخة بالقرنين الثاني عشر، والحادي عشر ق.م، وقد يكون هذا الفخار قد وصل عن طريق التجارة. وهناك تأثيرات ميسينية وقبرصية ومصرية في الفخار الفلستيني، وهذا لا يعني وجود تغيرات إثنية.
سادساً: لا يمكن القول بوجود “عمارة فلستينية خالصة”، وذلك لغياب ما يميزها بشكل جذري عن عمارة العصر الحديدي الأول في فلسطين.

سابعاً: قام النظام الدفاعي في المواقع الفلستينية على الأسوار المزدوجة والأسوار الضخمة، إضافة للأبراج والحصون والقلاع، وهي تميز عمارة العصر البرونزي الدفاعية في فلسطين.

ثامناً: تتسم أساليب الدفن في المواقع الفلستينية بالتعددية، وأهم هذه الأساليب “التوابيت الشبيهة بالإنسان”، والقبور المقطوعة في الصخر، والمدافن المحفورة في التراب، المشيَّدة بالآجر الطيني، والمدافن الجماعية، والدفن في الجرار، وحرق الموتى.وتعود أقدم التوابيت في فلسطين إلى القرن الثالث عشر ق.م.، أي أنها سابقة للفلستينيين، وهي موجودة في مصر وفلسطين والأردن.

6.كمال الصليبي: الفلستينيّون: في عسير وجنوب الحجاز!!
يَعُدّ كمال الصليبي (بني إسرءيل) من شعوب العرب البائدة، أي من شعوب الجاهلية الأولى، التي بادت منذ القرن الخامس ق.م. وقد كان لهم بين القرن الحادي عشر، والقرن السادس ق.م، مكان في بلاد السراة (جنوب الحجاز، وعسير).ثمَّ انصهروا في المجتمعات اليمنية والعراقية والشامية والمصرية، وتحوّلوا مع الزمن إلى المسيحية، فالإسلام. وهكذا، لم يعد لبني إسرءيل، أيّ وجود. والقرآن (كما يشير الصليبي)، يقول بوضوح إن مقام إبراهيم كان ببكّة،وليس هناك في النصّ القرآني، ما يشير إلى أية علاقة بين بني إسرءيل، وأرض فلسطين.ثمَّ قام أحبار اليهود المعروفون بـ(المسوريين)، أي أهل التقليد، ابتداء بالقرن السادس الميلادي وحتى القرن العاشر الميلادي، بصياغة نصوص التوراة.ويتضح من وجود أسماء أماكن كنعانية وآرامية في شبه الجزيرة العربية أنّ التصنيف الجغرافي للغات السامية الثلاث ليس صحيحاً (الكنعانية والآرامية والعربية)، فقد كانت هذه اللغات قائمة جنباً إلى جنب، سواء في الشام، أو في غرب الجزيرة العربية في آنٍ واحد.

ثمّ يؤكّد الصليبي، أنّ أحداث التوراة، كلها، قد حدثت في غرب شبه الجزيرة العربية في مساحة يصل طولها إلى 600 كيلومترا، وعرضها يبلغ حوالي 200 كيلومتراً، هي المعروفة اليوم ب عسير، و الجزء الجنوبي من الحجاز. أمّا أرض كنعان، فهي الجانب البحري من عسير، وليس في فلسطين والساحل الشامي. ثمَّ تمّت الهجرة الكنعانية أصلاً من غرب شبه الجزيرة العربية إلى الساحل الشامي. وقد وصل (الفلستيون) من غرب شبه الجزيرة العربية إلى فلسطين، فصارت تعرف باسمهم. وهناك الكنعانيون الذين نزحوا من غرب شبه الجزيرة العربية في زمن مبكر، ليعطوا اسمهم لأرض كنعان (كنعن) على امتداد الساحل الشامي شمال فلسطين في المنطقة التي سمّاها الإغريق فينيقيا، نسبة لـِ(الفينيقا) في عسير. وكون فينيقيا قد سميت كنعان من قبل سكانها أنفسهم، أمر معروف من خلال قطعة نقد هيللينية من بيروت، تصف هذه المدينة بالفينيقية، بأنها في كنعان، (ب-كنعن)، وبالإغريقية، بأنها في فينيقيا.وفي كتابته عن الفينيقيين، وعن السوريين سكان فلسطين، لا يبدي المؤرخ هيرودوت، أي شك حول كون أصولهم من غرب شبه الجزيرة العربية. وهو يقول عن الاثنين : هؤلاء الناس، واستناداً إلى روايتهم نفسها، قطنوا في القديم على البحر الأحمر، وبعبورهم من ذلك المكان، استقروا على ساحل البحر الأبيض في سورية، حيث ما يزالون يقيمون.
وفي فلسطين -يقول الصليبي- أطلق الفلستيون على عدد من مستوطناتهم (غزة وعسقلان مثلاً) أسماء هي في الاصل، أسماء لأماكن في غرب شبه الجزيرة جاءوا منها. وفي شمال فلسطين، أعطى الكنعانيون أيضا أسماء من غرب شبه الجزيرة العربية، مثل: صور (واحة زور الوادعة في منطقة نجران)، وجبيل هي (القابل في نجران)، وأرواد (رود في مرتفعات عسير)، أما أرز لبنان، فهو أشجار عرعر عملاقة (في أرض لبينان باليمن)، وتطلق القواميس العربية، لفظة أرز على شجر العرعر. ويقع جبل كِرْمِل بالقرب من حمضة ما بين كنانة واليمن من بطن تهامة، أي أن جبل الكرمل هذا يقع مباشرة غرب أرض لبينان. كما أنَّ (حبرون) ليست في فلسطين، ولكنها (خربان): منطقة المجاردة المحاذية لمنطقة القنفذة. أما قرية اليبوسيين، فتقع على مسافة 35 كيلومتراً إلى الشمال من بلدة النمّاص في سراة عسير، شمال أبها. وتدعى حالياً قرية آل شريم. أما (الأردن)، فهو الجرف الرئيس لسراة عسير، الذي يمتد من الطائف في جنوب الحجاز إلى منطقة ظهران الجنوب قرب الحدود اليمنية… وهكذا.ويقرر كمال الصليبي بأنّ الفلستيين، لم يأتوا من جزيرة كريت، لأنّ كرت، هي وادي كريث=كرث، وهو رافد لوادي تيّة في مرتفعات رجال ألمع. وهناك واحة تسمى الكراث (كرث) في وادي بيشة، حيث هناك أيضاً قرية تُسمّى (الفَلْسة). وكنعان (كنعن): آل كُنعان في وادي بيشة.وتوجد أيضا قبيلة تحمل اسم القِنعان. وفينيقيا، هو اسم لقرية الفينقا في وادي بيشة، حيث توجد أيضاً، قرية آل كُنعان. والفلستيون، يسكنون في الفلْسَة في وادي بيشة، وشلفى قرب أبها، وفصلة في منطقة القنفذة. ومدينة غزّة هي: العَزَّة في وادي أضم بمنطقة الليث. وأسدود هي: السدود في جبال ألمع. وعسقلان هي: قرية شقلة في جوار القنفذة. ومدينة جت هي: الغاط في منطقة جيزان. وعقرون، هي: عِرْقَيْن في وادي عتود الفاصل بين رجال ألمع ومنطقة جيزان، إلا إذا كانت الجرعان في رجال ألمع. أمّا أرض فلسطين الجغرافية، فقد كانت تمتدّ في كامل المسافة بين حدود اليمن في الجنوب، وحتى وادي أضم في الشمال. (وقد انتهى أمر الفلستيين كشعب له شأنه في تلك الأرض، قبل اندثار بني اسرءيل بخمس مئة سنة تقريباً!).

ملاحظات (3)
أولاً: يعترف كمال الصليبي بِأحداث التوراة كاملةً، ولا ينكر ولا يناقش صحّة التفاصيل أو عدم صحّتها، بل هو يؤمن إيماناً كاملاً بأنها حدثت فعلاً، حتى ممالك داود وسليمان وعومري، كلها حقيقية من وجهة نظره. الفارق الوحيد بين كمال الصليبي، وبين تيار النقد التوراتي، هو أنّ كلّ أحداث التوراة عنده، لم تحدث في فلسطين، وإنما حدثت في غرب شبه الجزيرة العربية : عسير، وجنوب الحجاز. فنتوهم أن الرجل، قد أزاح الكابوس التوراتي عن أرض فلسطين وشعبها نهائياَ وإلى الأبد! لكنّ الصليبي يحتاط ليعزز أطروحته، فيعود إلى القول إن الملك الأشوري سرجون الثاني (721 ق.م)، والملك البابلي نبوخذ نصر (586 ق.م)، قد احتلا ممالك بني إسرءيل في غرب شبه الجزيرة العربية، واقتادا الألوف من رعاياها إلى بابل، وأنّ الحروب التي نشبت قبل ذلك بين (ملوك يهودا)، و (ملوك إسرءيل)، أدّت إلى: أولى الهجرات اليهودية واسعة النطاق إلى خارج شبه الجزيرة العربية، (خصوصاً إلى فلسطين)، أي: (تيتي تيتي، مثل ما رُحتي، مثل ما جيتي)، حسب المثل الشعبي الفلسطيني.ثم يعود الصليبي ليؤكد أنه يبدو أن وجوداً يهودياً قوياً، كان قد قام خلال المرحلة البابلية في فلسطين، وأنّ الإشارات الأدبية اليهودية بين القرنين الثامن والخامس ق.م، تشير إلى المواطن اليهودية الجديدة في فلسطين. وهكذا، فإن اجتياح (الفُرس) لبلاد الشرق الأدنى، كان بداية اندثار بني إسرءيل في شبه الجزيرة العربية في القرن السادس ق.م. ومنذ ذلك الوقت، وحتى تدمير الرومان -يقول الصليبي- لأورشليم الفلسطينية في العام 70 م، تركز التيار الرئيس للتاريخ اليهودي حول فلسطين.

– إذن، ما دام الصليبي يُقرُّ بما أسماه الهجرة اليهودية القوية من شبه الجزيرة العربية ين القرنين الثامن والخامس ق.م. إلى فلسطين، فإنه عملياً، جعل لليهود وطنَيْن : أحدهما سابق في شبه الجزيرة العربية، والآخر لاحق في فلسطين في القرون المتأخرة قبل الميلاد، فالنتيجة، هي ما يلي: التوراة كتبت في القرن السادس الميلادي عن بني إسرءيل، الذين كانوا يعيشون في شبه الجزيرة العربية، والذين اندثروا في القرن السادس ق.م.أما تاريخ اليهود، بعد ذلك، فهو في فلسطين، أي حوالي ستة قرون، حتى عام 70م. ورغم أن هؤلاء في فلسطين يفترض أنّ لهم تاريخا، فإن علماء الآثار الذين حرثوا ونبشوا تراب وأحجار فلسطين عن تاريخ لليهود، في فلسطين، لم يجدوا شيئاً! فكيف إذن كانت هجرتهم إلى فلسطين (قوية) بعد حروبهم في شبه الجزيرة العربية، كما يؤكد كمال الصليبي!.

ثانياً: أطروحة كمال الصليبي، ليست جديدة، فقد أخذها من المستشرقين، لكنّه حاول البرهنة على صحتها، وبذل جهداً ضخماً لإثبات صحتها عبر التحليل اللغوي والجغرافي، فنحن نجد أنَّ (إسرائيل ولفنسون)، سبق أن أشار إلى الفكرة نفسها في العام 1929، حيث قالولفنسون، أن الموطن الأصلي لبني إسرءيل هو شبه الجزيرة العربية: (تاريخ اللغات السامية، ص10). كذلك يشير الصليبي نفسه إلى البريطانيجيرالد دي غوري (1946)، الذي أشار إلى عسير واليمن والحجاز، التي قد تفصح بوضوح عن معان في الكتب المبكرة للتوراة، كذلك فيلبي (1952)، الذي افترض أنّ خميس مشيط ربّما تكون بئر السبع!… إلخ.لقد بذل كمال الصليبي جهداً عظيماً في مجال التحليل اللغوي لأسماء الأماكن، لكنّ هذا الجهد اللغوي العظيم، ربُّما يكون فيه شيء من التعسُّف والمبالغة عند مطابقته مع الجغرافية.

ثالثاً: طبعاً من الناحية النظرية، يمكن أن نؤيد انتقال بعض الأسماء من مكان إلى آخر، لكن لا يمكن أن نتصوّر انتقال جغرافيا مدن وقرى وطن كامل إلى مكان آخر. والصليبي يفترض انتقال كلّ أسماء (أرض كنعان وفلسطين) من شبه الجزيرة العربية إلى فلسطين الحقيقية. وهذا ينسجم مع نظرية الهجرات الخاطئة، التي دأب المؤرخون العرب والمستشرقون على ترديدها، دون مساءلة.

لماذا في مقابل ذلك، لا تكون (نظرية الهجرات العكسية) من فلسطين إلى عسير والحجاز، هي الأصحّ!.

لماذا تكون فلسطين الحقيقية في زمن هذه الهجرات المفترضة، فارغة تماماً من سكّانها الأصليين، وأن سكانها الأصليين ليس لهم تاريخ إطلاقاً، وإذا كان لهم تاريخ، فأين هو هذا التاريخ!.

أين هو تاريخ فلسطين البديل الحقيقي، حتى عند كمال الصليبي، فالصليبي في كتابه، يضع بني إسرءيل في عسير وجنوب الحجاز في المرحلة السابقة، ويضع تاريخاً لليهود في فلسطين أو يشير له بوضوح في مرحلة لاحقة، ويحلّ المشكلة عن طريق نظرية الاندثار، لكنّه يقوم بالتجسير بين يهود عسير وجنوب الحجاز وبين فلسطين، عبر نظرية الهجرات المفترضة!.

رابعاً: أعتقد أن أطروحة الصليبي (التوراة جاءت من جزيرة العرب)، أطروحة مهمة تستحق التأمل والمناقشة الجديّة، لأنها، أوّل أطروحة جديدة لعالم عربي، تخرج عن البحث التقليدي المستسلم لسرديات التوراة، ولكنها في الوقت نفسه تقع في إطار ما أسمّيه: مصيدة الجدل مع التوراة، أو التيار النقدي للتوراة، والمطلوب منه، هو ببساطة كتابة تاريخ فلسطين الحقيقية من دون توراة، وهو مشروع لم يمارسه أي باحث عربي حتى الآن، باستثناء بعض الكتب الشعبية، غير العلمية!فالفلستينيون، ببساطة، ليسوا شعباً غامضاً.

– منذالقرن السابع عشر، وحتى منتصف ثمانينات القرن العشرين، صاغ المستشرقون،نظرية شعوب البحر، التي تقول إن شعب فلستين، جاء من كريت اليونانية، ضمن شعوب أخرى غزت فلسطين، وبلاد كنعان، وأنهم أسّسوا خمس مدن على الساحل الجنوبي من فلسطين بعد أن حاولوا احتلال مصر. وقد درس عدد من الباحثين العرب في الجامعات الأوروبية، والأميركية، وعادوا متأثرين بهذه النظرية، فتبنّوها دون تمحيص، متوهمين أن ما يقوله المستشرقون هو أمر مقدس، رغم معرفتهم الأكيدة بأن هؤلاء المستشرقين، منذ وعد نابليون الإسرائيلي (1799)، إنما يبحثون عما يطابق جغرافيا وسرديات التوراة! ورغم أن علم الآثار الفلسطيني، لم يثبت أي وجود إسرءيلي في فلسطين، وهو علم أسسه المستشرقون أنفسهم، ولحقته تزويرات الأمريكي أولبرايت لتأويل الآثار الفلسطينية، فهو أي (أولبرايت)، أكبر مزوّر آثار في التاريخ الحديث، لأنّ قراءة الآثار، بل ترجمتها من الأصل، تواجه مشاكل علمية كثيرة، فكيف الحال، بتأويل هذه الآثار.أما المزوّر الأكبر، فهو الفرنسي أندريه لومير، كذلك الفرنسي كليرمون غانو، الذي زوّر نقش الملك المؤابي ميشع، واخترع له قصة مفبركة من أساسها. ولهذا كله، فقد تعرّض علم الآثار الفلسطيني كله، لتأويلات تزويرية (من أجل التطابق مع جغرافيا التوراة).ولهذا أيضاً، نجد أنَّ بعض المثقفين العرب، ينقلون عن أساتذتهم المستشرقين بعض المعلومات المغلوطة، دون أي موقف نقدي. وفي مقابل ذلك، وانطلاقاً من نظرية كمال الصليبي، جاء رد فعل بعض المثقفين العرب معاكساً، أي لإثبات أن الفلستينيين، جاءوا من جزيرة العرب، انطلاقاً من نظرية الهجرات التدريجية، لكنّ أيا من الطرفين: (نظرية شعوب البحر، ونظرية شبه الجزيرة العربية)، لم يحاولا طرح الاحتمال الثالث، وهو ما نؤمن به، وهو أن الفلستينيين، هم فرع أصلي من القبائل الكنعانية، وأنّهم أصلانيون في فلسطين، منذ الإنسان الأول (العاقل)، ومنذ (حضارة أريحا)، باستثناء إشارات خجولة.

7. إلياس شوفاني: الفلستينيّون هم: اتحادُ سبع جماعات إيجيّة:
ليس أكيداً أنَّ الفلسطيين عرّفوا بأنفسهم بهذا الاسم، لكنَّ المصريين هم من أطلق الاسم عليهم في الوثائق المصرية. فقد ورد ذكرهم في لوحات مدينة هابو، عاصمة رعمسيس الثالث (1184-1153 ق.م.). والصيغة الهيروغليفية للاسم هي: “بلسْت”. أما في السجلاّت الأشورية فأوردته بصيغة: “بِلسْتو”، وورد الاسم في التوراة، بصيغة “بلشتيم”. وقد جاءت موجات من (الغزاة) من بحر إيجة، عرفوا باسم “شعوب البحر”، ومنهم “الفلستينيّون”، ووصلت هذه الموجة ذروتها في النصف الأول من القرن الثاني عشر ق.م. وقد استطاعت مصر أن تصمد في وجه شعوب البحر، وأن تصدّهم، وتفرض عليهم الاستقرار في الساحل الفلسطيني، لكن مملكة الحثيين سقطت جرّاء ضرباتهم. وهكذا فُتح الباب أمام الأشوريين للتحرك، وأمام الآراميين للبروز كقوة في قلب سورية.وتحركت أقوام أخرى في الجنوب لتوسيع أراضيها على حساب الكنعانيين في وسط فلسطين وجنوبها، وهم: العمّونيون، والمؤابيون، والمديانيون، والأدوميون، وتحرك الأموريون والأراميون في هضبة شرقي الأردن، وراحوا يقيمون ممالك فيها.وقد غلب على شعوب البحر اسم “الفلسطينيين” مع أنهم كانوا جماعات متعددة “اتحاد سبع جماعات”، دار الصدام بينهم وبين رعمسيس الثالث، ففي العام 1200ق.م قام الفرعون بحملة ضدّ الساحل السوري-الفلسطيني، حيث هزم شعوب البحر. وقد دشّنت حركة شعوب البحر، عصراً جديداً، هو “عصر الحديد”، وتكمن دوافع شعوب البحر في التطورات التي وقعت في بلاد اليونان، وبحر إيجة، وغرب الأناضول. وهناك اتفاق على انحلال “اتحاد مسينا”، وما تبعه من سقوط طروادة، شكّلا إيذاناً بانفجار هذه الحركة الواسعة، حيث وقع الانفجار في العام 1200 ق.م.

وهناك من يعزو هذه الحركة إلى توسع قبائل يونانية من بلاد البلقان جنوباً. وهذا التحرك معروف منذ أيام الفرعون “مرنفتاح” (1224-1216 ق.م). وهكذا انهارت أمام شعوب البحر، المملكة الحثية، كذلك المدن السورية: كركميش، أوغاريت، أرواد، مملكة أمورو في شمال لبنان، وبفضل سوء الإدارة المصرية في ولايات كنعان، لم تجد شعوب البحر مقاومة تُذكر في اندفاعهم نحو قلب مصر بعد موت مرنفتاح، مما أضعف الحكم المصري في فلسطين. وبعد أن تولّى رعمسيس الثالث الحكم في مصر، توجه إلى جنوب فلسطين، وهزم شعوب البحر في الدلتا، فركب بعضهم البحر، وتوجّه غرباً، وانتشر بعضهم في شمال إفريقيا.أما الآخرون، فقد استقروا في الساحل الفلسطيني، وأسسوا المدن الخمس: غزة، عسقلان، أسدود، جات، عقرون، وتوسّعوا شمالاً وشرقا، ثمّ تمدّد الفلسطيون نحو الجبال الوسطى. وقد دعي الساحل من الجنوب إلى الشمال باسمهم، وجلبوا معهم صناعة الحديد، والسيوف والخوذ والدروع، ونوعاً متميزاً من الفخار، يحمل طابعاً يونانياً – قبرصياً.

8. زياد منى: “شعوب البحر،هم من سكّان الإقليم”
تربط الكتب المتخصصة، الاسم فلسطين، تقليدياً باسم أحد أقوام “شعوب البحر”، ومن هذه الشعوب: “دنونا”، و”فوراسات”، كما قرأ أهل الاختصاص الاسم: “فَلَستو/ فِلِستو” في النقوش الأشورية العائدة إلى “هدد نيراري الثالث” (810-783 ق.م)، كما عُثر في مدينة “حابو” قرب الأُقصر على نقوش تقول إن رمسيس الثاني (1290-1224 ق.م)، هو الذي حقق النصر على ستة أقوام، هي: “فرست” ف-ر-ست”، ودانونا، وشكلش “سكلس″، وشردانو، وشش، وتجكر”، آخذين في الحسبان قول أهل الاختصاص إن قدماء المصريين، لم يعرفوا حرف “اللام”، وأنهم كانوا يسجّلون الأسماء غير المصرية، التي تحتوي على ذلك الحرف “اللام”: إمّا راءً “ر”، أو نونا “ن”، فإنهم يرون بوجوب نطق الاسم، بصيغة: “فرست”، ومحركاً بصيغة “فُرسيّ”.ويرى أهل الاختصاص أيضاً أن هؤلاء الأقوام، جاءوا من: “إقليم كيليكيا في تركيا، ومن الأناضول، واستوطنوا لاحقاً في صقلية، ومن جزيرة سردينيا “شردن”، ومن سكان الإقليم الواقع جنوبي الكرمل بفلسطين، وأنّ مدينة “دور=خربة الدرج”، هي عاصمة “تجكر”.وقد عثر في نقوش مدينة “حابو” على تصاوير لقوم “فرست/ فلست” تظهر نساءهم وأطفالهم ومتاعهم الشخصي، محمولة على عربات تجرُّها الثيران، بما يعني أنهم أتوا إلى دلتا مصر عن طريق البرّ. وهناك من أهل الاختصاص من يرفض النظر إليهم كَـ”غزاة!!”، أتوا من خارج الإقليم- وذلك بعد أن عُثر في مدينة حابو على نقش آخر يقول إنهم: “مختفون في مدنهم”، مما يعني أن اسم الإقليم، كان: “فرست/ فلست”، قبل ظهور شعوب البحر على الخريطة السياسية للمشرق العربي.وهناك من أهل الاختصاص من يرفض القول بأن “فرست/ فلست”، أتوا إلى الإقليم بحراً، لأنهم: “لم يعثروا على آثار تدلّ على بناء موانئ على ساحل فلسطين الجنوبي في المرحلة الزمنية التي يربطونها بهم، أي في الفترة الممتدّة من القرن الرابع عشر حتى القرن الثاني عشر ق.م”. وفيما يلي بعض الخلاصات التي وصل إليها الباحث “زياد منى”:

أولاً: إن محاولة التعرّف إلى “شعوب البحر”، وما تقصده النقوش المصرية به، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أنه ليس اسماً، وإنما هو مصطلح، وأنّ التعبير المصري القائل إنهم العدو القادم من “الجُزُر” الواقعة في وسط البحر، يستخدم أيضاً للدلالة على “السواحل”، مما قد يعني أنّ المقصود هنا “أقوام من داخل الإقليم”.
ثانياً: تعابير النقوش المصرية: “الشماليون القادمون من كل البلاد”، و”القادمون من وسط البحر”، ومن “الجزر”، هي محض مقولات مجازية مقولبة، تعكس فكراً دينياً، ويكون المقصود هنا “قوى الفوضى”.
ثالثاً: يجب أن نأخذ في الحسبان: “حقيقة ميل الحكام للمبالغة الصبيانية في تمجيد أنفسهم، والتهويل في إنجازاتهم، والمبالغة في تضخيم “العدو” الذي انتصروا عليه. ولم يعثر على أي نقش يعود إلى أي حاكم، سواءٌ أكان مصرياً، أو بابلياً، أو آشورياً، يسجّل “هزيمة أو نكسة أو تراجعاً”. فالأخبار كلها تنقل الانتصارات. فانتصارات رمسيس الثالث- كما يقول أهل الاختصاص- على شعوب البحر مبالغ فيها تماماً.

رابعاً: إنّ أهل الاختصاص على قناعة بأن موجات شعوب البحر، انتهت بعد المعارك التي خاضتها القوات المصرية بقيادة رمسيس الثالث ضدّهم، حيث فقدت الموجة قوتها، و”تبعثر أعضاؤها في الإقليم”.ويلاحظ أن نقوش رمسيس، تشير إلى قيامه، بتوظيف قوم “فلست”، كمرتزقة في جيشه بعد هزيمتهم، وإلى إسكانهم في قلاع تابعة له، تقع على ساحل فلسطين الجنوبي، بينما سكن قوم “تجكر” جنوبي جبل الكرمل، واختفت بقية الأقوام البحرية.ومن ناحية أخرى، عُثر على الاسم “فلست” في نصوص تعود إلى ملك مصر “رمسيس التاسع-1134-1118ق.م”، تشير إلى اثنين من أقوام البحر، هما: “شردانا، تجكر”، وإلى ثلاث مدن “فلستية/ فلسطية”، هي: عسقلان، أسدود، غزة.

خامساً: ينفي العلماء المتخصصون بالآثار الفلسطينية، وجود علاقة واضحة بين “الفخّاريات” التي عادة ما تربط بشعوب البحر، وبين “وصول قوم: فرست/ فلست إلى الإقليم”.

سادساً: الرأي التقليدي الشائع ما يزال يتمسك بأن الاسم “فلست”، يعود إلى أحد أقوام شعوب البحر، المسمّى “فرست/ فلست”، وأنه هو نفسه المسمّى في “التوراة”: “فلشت/ فلشتيم”- رغم أنه لم يعثر لا في فلسطين، ولا في أي مكان آخر على أي نقش يعود للأخيرين، الذين يقول الخطاب التوراتي، بأنهم جاءوا من كريت، أي أنهم هم من شعوب البحر المذكورين في النقوش المصرية.وبما أننا على قناعة بأن “العهد القديم”، هو تسجيل لتجربة “بني إسرءيل” في غربي جزيرة العرب، وليس في فلسطين، فمن الطبيعي، أنْ لا نتفق مع الرأي التقليدي القائل بأنّ أسماء “فلسط، فلسة”، ومشتقاتها ذات علاقة بأرض فلسطين!.

سابعاً: ما من شعب ينتمي لخارج هوية الإقليم الحضارية العروبية، تمكن من فرض اسمه على المنطقة، ومنهم: الحثيون، والفرس، والأرمن، والسكّيثيون، والفرتيون، والإغريق، والرومان، والتتار، والمغول، والأتراك، والفرنسيون، والإنجليز… الخ. ولم يتمكن أيّ منهم من تغيير طبيعة أو شكل أو جوهر هوية الإقليم، وكان على من بقي منهم، الاندماج في البوتقة الحضارية العروبية.وهذا لا يتناقض مع احتمال أن الاسم “فلسطين” يعود في أصله إلى “فرست”، المرتبط بشعوب البحر في النقوش المصرية -فقط في حالة إذا أخذنا بالاعتبار أنّ ملوك مصر، وقعوا في المبالغة في تعظيم انتصاراتهم، ونقصد بذلك أن الاسم يعود إليهم فقط في حالة “أنهم لم يكونوا من خارج الإقليم، وإنما هم جزء منه”. والمعروف أنّ الآثار لم تقدم لنا أيّة معلومات عن تاريخ وحياة وثقافة “شعب فرست!”.

ثامناً: يقول “توماس طُمسون” بأنه ينفي محاولة تصوير الفلسطيين على أنهم ممثلون لسكّان دخلاء على فلسطين. فالتأثير الإيجي، كما تؤكد الآثار، محدود للغاية، بل إنه شكلي وسطحي، فحضارة الإقليم الساحلي الأوسط، هي بشكل واضح: محليّة.
تاسعاً: يزعم “التوراتيون” أن الانتشار “الفلسطي” في فلسطين، تمركز في الساحل الجنوبي، لكن التنقيبات تظهر أن الآثار العائدة لما يُسمى “فلسط شعوب البحر”، قد انتشرت في مختلف أنحاء فلسطين، شرقيّ وغربي نهر الأردن. إن التقصّي العلمي، بمكوناته التاريخية واللغوية والآثارية، أظهر أنّ “المشرق العربي عرف منذ القرن الرابع عشر قبل الميلاد، على الأقل إقليماً باسم “فلسط”، وبصيغة الجمع الكنعانية، “فلسطيم”، الذي عُرّب لاحقاً إلى –فلسطين”.

9. خزعل الماجدي: الفلسطيّون سكنوا فلسطينقبل شعوب البحر
تغيّر مناخ العالم بين 1200-1190، وشهد حوض البحر المتوسط، ارتفاع الحرارة، وقلّة الأمطار، فسقطت الحضارة الموكينية في بحر إيجة، وهي الحضارة التي تمثل العصر البرونزي الأخير، وحدث جفاف ومجاعة في الإمبراطورية الحثيّة، وسقطت حضارة أوغاريت قبل أن يدمّرها الزلزال. ودمّرت بفعل الجفاف “مدينة حاصور”، وتقلصت مدن مثل: “بئر السبع، وعراد” في فلسطين. وكان “أقوام البحر” خليطاً من هجرة آرية كبيرة قادمة من شمال أوروبا باتجاه البلقان، بالإضافة إلى أقوام بحر وجزر إيجة، التي أخرجها الجفاف من جحورها. وقد انقسمت أقوام البحر إلى ثلاثة اقسام:

المجموعة الأولى: انطلقت من البلقان، وتألفت من الفريجيين، والموكينيين، وهم الذين تحالفوا مع الكاشكيين القاطنين شمال آسيا الصغرى “السواحل الجنوبية للبحر الأسود”، وقد هاجمت هذه المجموعة “الإمبراطورية الحثية”، ودمّرتها عام 1190ق.م.
المجموعة الثانية: انطلقت من جزيرة كريت، وتألفت من “الشاردانيين، واللوكيين، والموكينيين”، واتجهت نحو قبرص، ثم اتجهت جنوباً، وتحالفت مع القبائل الليبية، وهاجمت مصر، فصدّها الفرعون رمسيس الثالث.

المجموعة الثالثة: ضمّت القبائل “الفلستية، والليرية، والزاكارية”، باتجاه ساحل بلاد الشام، وتصدّى لها رمسيس الثالث في معركتين: بريّة، وبحرية، وهزمها، وتفرّقت قبائلهم، واستقرت في فلسطين، ومنهم: “البلست”، الذين أصبح اسمهم يطلق على فلسطين منذ ذلك العهد، و”الشردان”، الذين أعطوا اسمهم لجزيرة سردينيا، و”ثكر” الذين من المحتم أن يكونوا أعطوا اسمهم لجزيرة صقلية.ويلخّص “توفيق سليمان”، معالم التحول الجذري الذي ترتّب على هجوم “شعوب البحر”، بما يلي: “انهيار المملكة الحثيّة، وانهيار جميع ممالك وإمارات ساحل بلاد الشام حتى الحدود المصرية، وتداعي أركان الدولة المصرية، في عهد الأسرة الحادية والعشرين، حيث هاجرت بعض القبائل الليبيّة إلى مصر وتسلّمت الحكم في الدلتا. وتراجعت السلطة الأشورية إلى داخل حدودها. واستقرت قبائل البلست “الفلسطينية” في ساحل أرض كنعان. وظهر على المسرح السياسي: الإمبراطورية الآشورية، والممالك الآرامية، والمملكة الميديّة، فولد بذلك عالم جديد. ثم ضعف النفوذ المصري في فلسطين، وتحررت فلسطين نهائياً منهم مع نهاية الأسرة العشرين.وكانت الصفة العامة للنفوذ المصري في فلسطين منذ العصر البرونزي المتأخر، هي “محاولة تمصير كامل لجنوب فلسطين”، كما يقول طومسون. وهناك ما يشير إلى انسحاب الوجود المصري من فلسطين، أثناء حكم رعمسيس الرابع (1141-1134 ق.م).وهناك نظرية ترى أن هؤلاء “البلست”، سكنوا في السواحل الفلستية قبل هجوم أقوام البحر، وربّما كانوا جزءاً من هجرة أقوام البحر المكونة من “البلست، والجكر، والشريدان، والدانانو” إلى ساحل فلسطين، قد سبقت حكم رعمسيس الثالث وتمّت هجرتهم في القرن الثالث عشر ق.م.

10. أحمد داوود: الفلستينيّون كانوا في بلاد غامد وزهران
تقغ جغرافيا فلسطين والفلستيون بأسمائها في شبه جزيرة العرب، وتحديداً في بلاد غامد وزهران، لأن الحثيّين هم سكان القرى المتاخمة شمالاً للكنعانيين في أربع وحبرون وجوارهما، وهم فصائل من الكنعانيين، أما الحوريون، فهم سكّان جبل سعير أدوم شرق زهران، والمصريون هم عشيرة مصرا بن حام بن نوح، والقرى التابعة لها: تحفنحيس، نوف، نو، فتروس في جنوب زهران. أما الفلستيون فهم فخذ من عشيرة مصرا، وهم سكان فلسة المجاورة للمصريين وللكنعانيين. إنّ الحثيين الكنعانيين والحوريين والميتانيين سوف ينتقلون إلى شمال أرض كنعان، وإلى مقربة من نهر الفرات في آن معاً. ويتّحد وادي جت، أي غط مع وادي قريت، ليصبّا في البحر الأحمر.إنّ اولئك الفلستيين، ليسوا إلا سكان بلدة فلسة في سُراة زهران والقرى المحيطة بها. وكان الكنعانيون لا يبارون في صنع المعادن في عصر البرونز (2100-1200 ق.م)، كما يتميز الهكسوس بأسلحتهم الحديدية وعرباتهم، وهم يسكنون شرق زهران. إنّ آلهة أولئك الفلستيين، هي آلهة سورية وأهمها: داجون وعشتار. أما اسم أخيش، وهو من مقطعين بيت-أولاد، و خيش وهي تعني خيس، قيس، أي أولاد قيس، أو بني قيس. أما أرض الفلستيين، فهي تقع بين مصر وأرض كنعان.

أما مملكة أوغاريت التي يقال إنّ شعوب البحر الفلستيين، قد دمّروها، فهي ليست أوغاريت السورية المتوسطية، وإنما هي قرية الجارية = غرث، جنوب زهران، والكلمة من أسماء عشتار. وحسب الباحث أحمد داوود أيضاً، فإن الأمكنة التي تناولها الباحثون في تاريخ فلسطين، تقع جميعها في جنوب غامد وزهران:
أرادوس- عراد في بلاد زهران (في الترجمة: أرواد).
أرداتا – عردة في بلاد زهران (في الترجمة: أرواد).
جي مت – غميط في شرق زهران (في الترجمة: حماة).
بيت لحم- هي أفراتة أو بيت لحم في سراة زهران، قرب الخربة والبلطية.
ياهص – الوهصة في بلاد زهران.
جازر – غزير في مرتفعات غامد.
صور – هي قرية صر في جبال لبنان شرق غامد، دمّرتها الزلازل.
أريحا – ورحو، وهي قرية وراخ في بلاد زهران.
عربة- جبل غارب، ووادي غارب في سراة زهران ترجمت: بحر العربة.
يوآب- الياب، في بلاد زهران.
يبوس- وادي يبس في بلاد غامد.
جت – وادي غط جت، شرق خميس مشيط.
صرعة- الزرعة في بلاد زهران: ولد فيها شمشون.
حبرون – الخربة في بلاد زهران.
لخيش – بني قيس في بلاد زهران.
بيت إيل- البطيلة في بلاد زهران.
تعنك – الكعنة في بلاد زهران.
حويلة – حوالة في سراة غامد.
كريت – وادي قريت منطقة القنفذة.
الفرات – الثرات، شرق بلاد غامد وزهران.
جبل إبراهيم – شمال شرق بلاد زهران.
وهكذا، فإنّ أحمد داوود (سوريا)،يتبع أطروحة كمال الصليبي نفسها، أي أنّ الفلستينيين كانوا في شبه جزيرة العرب.

11.زكريا محمد: الفلسط هم قبائل طيّ:
(فلس + طي)، أم: (فلس + تين)
– يقول زكريا محمد إن نقش عقرون، المدينة الفلسطيّة، قدّم الدليل الحاسم على أن لغة الفلسط، ساميّة، حروفها فينيقية، وإنّ غالبية أسماء حكّامها، بل كلها، سامية تماماً. وكان الفرنسي إتيني فرومانت، رأى أن اسمي البلساغ = البلاسجة+ الفلسط، جاءا معاً من الجذر السامي فلش !.ويرى الباحث، مؤلف الكتاب (نخلة طيء: لغز الفلسطينيين القدماء)، أنّ قبائل طيّ العربية، هي: الغوث، جندب، وجديلة طيء، وأنّ معبودهم الرئيس، هو: فلس في جبلَي أجأ وسلمى، وأنّ هناك قرية قرب حائل حالياً، تسمى: فلس، وأنّ فرع جديلة، أصبح يعبد صنم اليعبوب=بعل زبوب. وبالتالي، فإنّ الصفة فلسطي، تتكون من الصنم فلس، وطي، التي تعبد فلس.وهو يرى أنّ التكر، كانوا موجودين في غزّة في القرن الخامس عشر ق.م، وأنّ أقدم بقاياهم في دور= الطنطور تعود إلى القرن الثالث عشر ق.م. ثمّ يناقش الباحث نقش عقرون، الذي يصفه بأنه أقدم نص ألفبائي في فلسطين، وهو يرى أن كلمة عقرن في النقش، هي صقرن، في القراءة الصحيحة من وجهة نظره، وأنّ التكر، هم أنفسهم، صقرن، أي بني صقر، وأنّ كلمة بتجاية في النقش، تعني الطيايا، أي سيّدة طيء. وقد أعاد الباحث ترجمة نقش عقرون على النحو التالي: (بيت بناه أكيش بن بادي، بن يسيد، بن أدا، بن يعير، سريُّ الصقران لمعظّمة الطيايا سيدته، لتباركه وتحميه وتطيل عمره وتبارك ملكه)، وهو يستنتج أن زعيم التكر صقر، يكرّس المعبد الذي بناه لعظيمة الطيايا، أي لإلهة قبيلة طيء أو شعب طيء.وهذا ما يعني أن التكر، هم جزء من طيء، فقد عرفنا أن الفلسط، حسب تقرير ون-إم-ديامون المبعوث المصري، كانوا يعبدون إلهة تدعى بتيجاية، وهي نفسها الإلهة التي كرّس لها زعيم الصقران، المعبد في النقش، وعليه فالشعبان: الفلسط والتكر من أصل واحد، يسكنان في أرض واحدة، ويعبدان إلهة واحدة، لها صلة بالنخلة والفئران، ويرتبط إله الطب عند الفلسط بعل زبوب بالفئران، لا بالذباب، وكان لطيء الفلسط، خمس نخلات، مرتبطة بخمسة فئران، وهذا ما جعل بعضهم يجعل للفلسط خمس مدن فقط، مع أن مدنهم أكثر من ذلك.
ويرى ديودوروس أنّ إلهة عسقلان، تدعى دركتو، ويرى الباحث أن دركتو هي نفسها بتجاية، لأنَّ دركتو هي النخلة. ثمّ يناقش الباحث عدداً من القضايا المتصلة بالموضوع، مثل: اسم غولياث، الذي بالنسبة له هو الصنم يغوث، وسدنته هم: بنو أنعم، وأن اسم مدينة جات Gath الفلسطية تعود في أصلها إلى الصنم يغوث، وأن الفلسطيين، حين هاجروا من غرب شبه الجزيرة العربية إلى فلسطين، نقلوا أسماء تضاريسهم وآلهتهم معهم، وأنّ اسم العماليق أججي في التوراة، يتشابه مع قبائل أجأ أحد جبال طيء.وهو يفترض أيضاً أن الاسم أكيش يمكن أن يكون قيس أو قصي، أو بنو أقيش، وأن نقش عقرون، يعود إلى القرن الحادي عشر ق.م، وأنّ قبائل طيء، هاجرت إلى الشام، وأقامت في سيناء، قرب وادي فيران، ولكن هذه القبائل سكنت أيضاً (سيميرا) في الساحل السوري. وتشير يوميات موظف في الجبهة إلى أن مجموعات من (التكريم)، كانت في جنوب فلسطين في نهاية القرن الرابع عشر ق.م، أي قبل زمن مرنفتاح بزمن طويل. وهذا ما توصل إليه وليم بيتري، فقد ذكر أن تلّ أجمة في جنوب فلسطين، اشتمل على وجود أركيولوجي فلسطي متواصل في الفترة 1500-500 ق.م. كذلك، فإن بيمسون يقول بوضوح: لقد جادلتُ بأن الفلسط، وصلوا إلى جنوب فلسطين منذ نهاية العصر البرونزي المتوسط، وهو متفق تقليدياً على توقيته، بـ1500ق.م.وهذا ما يتفق مع موعد طرد الهكسوس من مصر. ويناقش (الباحث زكريا محمد)، مسألة مسلّة مرنفتاح، حيث وردت في النص مدينة ينوعام، أو بنوعام، التي قال بعضهم إنها تقع قرب بحيرة الحولة! لكن الباحث يرى أن الاسم يشير إلى (بنو أنعم) الطائيين في جنوب فلسطين، لأن حملة الفرعون مرنفتاح، كانت في جنوب فلسطين، وليس في شمالها (تل الناعمة)، كما يعتقد بعضهم!.ويقول سيد القمني: ونظن أننا عثرنا عليها في أقصى جنوب فلسطين، لأنها مرتبطة بمدن أخرى هي: بيت تفوح، أفيقة، حطمة، أربع وهي حبرون، وصيعور، لكن زكريا محمد، الذي يوافق سيد القمني على أن بنو عام في جنوب فلسطين، وليس في شمالها، لم يكمل استبصاره للأمر، لأنّ بيت تفوح، ما تزال تحمل اسم تفّوح، وهي إحدى قرى الخليلِ، وصيعور، هي سعير، إحدى قرى الخليل، وأفيق هي خربة كنعان،جنوبي غرب الخليل، وحطمة، هي قرية الحطمان (خربة الجعبري)، وأربع هي الخليل، وبالتالي، فإن (بني عام)، المرتبطة بهذه القرى، لسيت إلاّ (بلدة بني نعيم) حالياً، شرقي الخليل، فهي ملاصقة لسعير، وبالتالي، فإن نسبة بلدة بني نعيم الحالية إلى نعيم الداري، الذي قابل الرسول في العام التاسع للهجرة، حسب كتاب الإنطاء التاريخي، هي نسبة متأخرة، إذْ لا بدّ أن نعيم الداري، سُمّي نسبة إلى المكان (بني عيم)، حيث كان يسكن (العيميون)، وليس العكس، وأنا شخصياً، أوافق الباحث بأن القول بوجود (بني عام) في شمال فلسطين، هو تفسير توراتي مقصود (ع.م.).
أما قبيلة حاتي، فهي قبيلة حطّي الداريّة (الخليلية)، حيث كان يسكن (العيميون)، فقد ظلّت أسماء بطون طائية موجودة في جنوب فلسطين، تتردد في النصوص الأشورية. وهكذا -يضيف الباحث- لم يكن الفلسط بعيدين عن الوجود في جنوب فلسطين في زمن مرنفتاح، وعليه، فالفلسط، والتكر، كانوا في جنوب فلسطين منذ زمن طويل جداً، قبل هجمة شعوب البحر. وقد ظلّ الطائيون، يهاجرون حتى بعد الإسلام، حتى استقرت قبائل طيّ كلها بفلسطين، ثمَّ سكن بنو الغوث الطائيون من بني سندس وبني جرم في جنوب فلسطين من ساحل غزة والداروم غرباً، حتى جبال الشراة في شرقي الأردن، مروراً بجبال الخليل. ويؤكد الباحث أن الهكسوس هم الفلسط أنفسهم، وأنّ الهكسوس عرب، وأنهم يشكلون الحلف الأجئي بقيادة طي، وللهكسوس علاقة بالعمالقة الأجئيين، والعماليق هم الفلسط، والجبّارون.ويرى سيّد القمني أن الفلسط، كانوا في المنطقة في القرن السادس عشر ق.م. وبذلك يكون الفلسطينيون قد تواجدوا في فلسطين في العام 1650ق.م، إبّان حكم الهكسوس لمصر، واسمهم مشتق من أجأ والبلاد الجبلية، إذن فاسم الهكسوس هو: الأجئيون. وهكذا يسير زكريا محمد في طريق كمال الصليبي من حيث متابعة الأصل في شبه جزيرة العرب.

12. فراس السوّاح: نقد نظرية شبه جزيرة العرب
تعرّضت الحضارة الموكينية، المنسوبة إلى مدينة (Mycenae)، للدمار، كذلك جزر إيجة، فاتجهت شعوب هذه المنطقة المنكوبة، إلى شمال إفريقيا، وتعاونت مع الليبيين، وتقدموا معاً إلى الدلتا المصرية، ولكن الفرعون مرنفتاح، صدّهم في العام 1220 ق.م.وفي الوقت نفسه، تقدمت حملة أخرى من نقطة ما من الأرخبيل الإيجي، فحطت على شواطئ آسيا الصغرى، ودمّرت المملكة الحثيّة. ثمّ توجهت نحو بلاد الشام، فسقطت أمامها، ممالك سورية الشمالية من أوغاريت إلى كركميش، واتجهت هذه الشعوب، نحو مملكة أمورو في وسط سورية وجعلتها محطة مستقرة، وفي طريقها إلى مصر، أشاعت الدمار في ممالك الدويلات الفلسطينية، لكنّ رمسيس الثالث، هزمهم في العام 1191ق.م. ومنذ ذلك الوقت اختفى ذكرهم في التاريخ.وقد دعيت هذه الموجات شعوب البحر، وهي خمسة شعوب انطلقت من جزر بحر إيجة: التجاكر، الوشوش، الشيكليش، البيلست، والدينيان، وقد قامت بعض الفئات التي شتتها رمسيس الثالث بالتوطن في مناطق الساحل السوري، ومنهم: البيلست، الذين أسّسوا خمس مدن على ساحل فلسطين.

ويوجه فراس السوّأح، نقده لنظرية كمال الصليبي على النحو التالي:
أولا: كفتور: الحقيقة أنّ السند الذي لا يتصور الصليبي وجوده إطلاقاً، يأتي من النصوص التوراتية نفسها، ومن مقاطع أغفل الصليبي الإشارة إليها، فإضافة لوصف التوراة للفلستيين بأنهم كريتيون، فإنه ينسبهم إلى جزيرة كفتور، وهو الاسم التبادلي في التوراة لجزيرة كريت المعروفة في البحر الموسط، فهم، إذن: أهل بحر أتوا من جزيرة.وكذلك هم غرباء عن كنعان، أتوا إليها من الخارج. وكفتور هذه، لم ترد فقط في التوراة، بل وردت في نصوص الشرق القديم: ففي أسطورة بعل وعناة الأوغاريتية، تبعث الإلهة عشيرة برسولها إلى كفتور، التي هي كريت، كما ترد كفتور في النصوص المصرية بصيغة كيفتو للدلالة على كريت وجزر البحر الإيجي.

ثانياً: الخزف: أعطت نتائج التنقيب الأركيولوجي على الساحل الفلسطيني معلومات وافرة عن بدايات الاستيطان الفلستي، ونشوء مدن الفلستيين، الخمس (غزة، جت، أشقلون، أشدود، وعقرن) التي تمّ التعرف عليها جميعا. فمع بداية القرن الثاني عشر ق.م، يظهر بشكل مفاجئ في المنطقة الساحلية الفلستية، نمط من الخزف، غير معروف في كنعان قبل ذلك، وهذه الخزفيات تشبه خزف جزر بحر إيجة دون أن تتطابق معها، مما يدلّ على أنها صنعت محلياً من قبل مهاجرين أتوا من تلك المنطقة، ولم تجلب معهم من موطنهم الإيجي.وبعد فترة تصبح هذه الخزفيات، النمط السائد في المواقع الفلستية التاريخية. ومن اللافت أن الخزف الفلستي، يظهر في معظم المواقع الفلستية بعد طبقة من الخرائب والحرائق التي تحجب طبقات كنعانية أسبق، مما يدل على أن شعوب البحر، قد عادت إلى سكن المواقع التي دمّرتها إبّان اجتياحها الأول، كما في عسقلان، وأسدود.فقد بيّنت التنقيبات في عسقلان العائدة لعصر البرونز الأخير، أنّ الطبقة الآثارية قد دمّرت تماماً وتغطت بطبقة من الرماد سمكها 50 سم، تحجب تحتها مدينة نموذجية كنعانية. وفي الطبقة الآثارية التي تلته مباشرة، تظهر الخزفيات الفلستية الغريبة عن أرض كنعان، إلا أنه في أسدود بشكل خاص، يظهر بشكل تدريجي واضح، كيفية ذوبان الشخصية الحضارية الفلستية في الشخصية الكنعانية.فمنذ القرن العاشر ق.م، يبدأ النمط الخزفي الفلستي في الاختفاء، ليحلّ محله النمط الكنعاني المعروف في عصر الحديد، وتختفي تماثيل الإلهة الكريتية، ليتحول إلى الآلهة المحلية الكنعانية.

ثالثاً: يقول كمال الصليبي، إنه وجد غزة في وادي أضم، و أسدود في السدود في منطقة رجال ألمع، وعسقلان أشقلون في شقلة بجوار مدينة القنفذة، وجت في الغاط بمنطقة جيزان، و عقرون في عرقين بوادي عتود الفاصل بين رجال ألمع، ومنطقة جيزان. ولكنّ نظرة سريعة لخريطة كمال الصليبي، تظهر أمراً غاية في الغرابة، فالمدن الفلستية الخمس التي عثر عليها في غرب الجزيرة العربية، تتوزع على مسافات شاسعة جداً عبر بلاد عسير من أقصاها إلى أقصاها، وتتباعد عن بعضها مئات الكيلومترات عبر مساحات مليئة بمدن الشعوب الأخرى. فالعزة غزة، الواقعة في منطقة الليث، والغاط جت الواقعة في جزيان، تبعدان بعضهما عن بعض حوالي 700 كم.والسدود (أسدود)، تبعد عن شقلة عسقلان، أكثر من 200 كم. وعقرون، تبعد عن عسقلان، حوالي 500 كم. فكيف تسنّى لشعب واحد، أن يبني مدنه الخمس على هذه الأرض الواسعة، وفي مواقع مبعثرة عبر أراضي الأعداء، رغم أن المدن الفلستية الخمس، كانت متحدة ومتواصلة!.

خلاصة:
أولاً: تقليدياً، تمّ تحديد شعوب البحر، بأنّهم: فرست (فلست)، والدانونا، وشكلش سكلس، وتجكر، وشش، وشردانو، ثم رُبط شعب فرست/ فلست، أو بيليست مع مصطلحي: فلسطي، فلستي؛ ولاحقاً، فلسطيني، وأصبح هذا الربط مستخدماً عالمياً منذ 1857م، بوساطة حركة الاستشراق (منذ شامبليون).وهنا نتساءل: هل فرست/ فلست، النقوش المصرية، هم الفلسطيون، أو الفلستيون، أو لاحقاً، الفلسطينيون، في عهد رمسيس الثالث، بينما تقول بعض الوثائق إن الذي صدّ شعوب البحر، هو الفرعون مرنفتاح في العام 1225 ق.م، بينما كانت معركة رمسيس معهم في العام 1191 ق.م، حيث ذكر شعب تجكر، و شعب شردانو، خلال عهد مرنفتاح!.ومعنى ذلك أن ظهور شعب بيليست، كان في القرن الثالث عشر، وهناك إشارات أخرى إلى وجودهم في القرن الرابع عشر، حيث أصبح اسم الإقليم: فلسطيم، واضحاً، وقيل: القرن الخامس عشر: هناك وجود فلستيني أركيولوجي متواصل منذ 1500 ق.م، كما يقول بيتري أبو الآثار الفلستينية. ويقول ليونارد وولي : لقد عثرنا على قطعتين خزفيتين فلسطينيتين، تاريخ إحداهما، هو 1650-1550 ق.م، والأخرى تاريخها هو: 1600-1500 ق.م (نقلاً عن: هشام أبو حاكمة: تاريخ فلسطين قبل الميلاد: ص 41).

ومعنى ذلك أن اسم فلسطين وشعبها الفلسطيني يعود أيضاً إلى القرن السابع عشر ق.م. ويقول طومسون (الجديد في تاريخ فلسطين القديمة: ص
76)، ما يلي: في حين أن استمرارية الأمم يمكن إثباتها، فإن العمل الأثري الكثيف في السهل الفلسطي، يوحي بأن السكّان هنا، هم أصليون، تأثروا على نحو مهمّ، وازدادوا بفعل عناصر من بحر إيجة، والمنطقة الساحلة الأناضولية. إذن، ربّما لا علاقة لمصطلح فرست/ فلست، بشعب بيلست البحري، أما الشعب الفلسطي، فقد كان موجوداً في أرض فلسطين، قبل غزوة شعوب البحر.أما التأثر بالثقافة الموكينية الخزفية، فقد كان سطحياً، حيث قد تكون جماعات شعوب البحر من أهل المنطقة، وحتى وإنْ كانوا من جزر بحر إيجة، فإنّ اختلاطهم وهجرتهم السلمية إلى فلسطين، قد تكون أمراً عادياً، حيث قد يكون السكان الأصليون ( سوريو-فلسطين، كما سمّاهم هيرودوت)، تأثروا فعلاً بثقافة جزر بحر إيجة، فقد كان شعوب البحر، ومنهم فرست/ فلست، كما تقول النقوش المصرية (مختبئين في مدنهم)، ربّما على الساحل السوري – الكنعاني.

ثانياً: يشير تعبير (فلستين) مبدئياً إلى حقيقة جغرافية، وكلمة فلستين – يقول طومسون- لم تستعمل لوصف مهاجرين من بحر إيجة، وكيليكيا، كما أنها لا تشير لوصف العناصر المشاغبة في الإمبراطورية المصرية. لقد استعملت كاسم لشعب السهل الساحلي الجنوبي، وجماعة تنتسب إلى سكّان الدول المدينية في فلستيا.وبتقديري أنّ حصر اسم فلسطين بمدن الساحل الجنوبي الخمس، فيه شيء من التعسف، لأنّ يافا، و عراق المنشية، و اللُّدّ، ليست في الساحل الجنوبي، ولأنّ الفلسطنة، كانت تشمل، بئر السبع، والخليل، وبيت لحم، وإيلة على البحر الأحمر، بل جبال شرقي نهر الأردن.وفي مراسلات تل العمارنة (القرن الرابع عشر ق.م)، نجد المدن التالية: غزّاتو، عسقلونا، صرخا، جازر، يافو، لخيش، قيلتو، أوروسالم، أيالونا، روبوتو، جنين، بورقونا، جيمتو (جات)، جينتي كرمل، تعناك، رُمّانا، ماجدّو، شكيم، يورصا، بيت شان، عكّا، أكشافا، حاصورا، وكلها مدن فلستينية وكنعانية معاً.وكانت فلسطين في فترة اللعنات المصرية في القرنين التاسع عشر، والثامن عشر ق.م، عامرة بالمدن والممالك: مثل عسقلانو، شكيم، أكشاف، حاصور، ماجدّو، أورسالم، عكّو، عقرون، لخيش، أرفاتا. إذن، لم تكن فلسطين، تعني الساحل الجنوبي، بل كانت المدن موزعة في كل مناطق فلسطين (الشوّاف: 162-163+165).

ثالثاً: يمكن أن نعُدَّ النقطة التي أشار لها فراس السوّاح، حول تباعد المسافات، بين المدن الفلستية بصورة غير معقولة، هي النقطة القاتلة لنظرية شبه الجزيرة العربية التي ابتدعها كمال الصليبي، لأنها نقطة مقنعة، إضافة للنقاط التي سبق أن ذكرتها.وقد تبع نظرية كمال الصليبي -كما رأينا- كلّ من زياد منى، وأحمد داوود، وزكريا محمد، بدرجات متفاوتة. وهناك تأثر واضح بالتيار النقدي الحديث للتوراة (كيث وإيتلام، طومسون، ونيلز مكه، ومارتن برنال، وغيرهم).وهناك من التزم بمتابعة تاريخ فلسطين القديم من خلال الوثائق المصرية والآشورية. وإشكالية نظرية: شبه الجزيرة العربية، هي افتراض أن فلسطين أو فلسطين السورية، أو أرض كنعان الجنوبية،كانت فارغة تماماً من السكان، عندما حدثت الهجرات المفترضة من شبه الجزيرة العربية إلى فلسطين، فهاجر الكنعانيون والفلستيون إليها، وأعطوها اسمهم، بل إن كمال الصليبي الذي أعلن اندثار بني إسرءيل في شبه الجزيرة العربية، يعلن أنّ اليهود، قد هاجروا أيضاً إلى فلسطين، اعتباراً من القرن السادس ق.م.والصحيح أنه لم يكن أيّ وجود للطائفة اليهويَّة في فلسطين، إلاّ منذ القرن الأول ق.م، وحتى 70م. وأرجح أن هذه الطائفة الوثنية، لم تكن تتجاوز بضعة آلاف في (أورسالم)، وإذا صحّ أن سكان القدس في القرن الأول ق.م، كانوا 170 ألف، فإن نسبة الطائفة اليهوية، هي 8,5% من أبناء الشعب الفلسطيني! ولا علاقة لهذه الطائفة بـِ(بني إسراءيل)، لأنهم اندثروا في القرن الثامن، ق.م. كما أميل إلى أنَّ التوارة الأصلية، هي مخطوطات البحر الميت، التي تعدّ شريعة الأسينيين، وهي تعبر عن فترة التحول من اليهوية إلى المسيحية. وهنا قد نوافق زياد منى، بأن فلسطيم، أصبحت إقليماً واضح المعالم من شبه جزيرة سيناء، حتى جنوبي دمشق، في القرن الرابع عشر ق.م، لكنّ فلسطين- الإقليم، مرّ بتحولات عديدة قبل ذلك، أي منذ الألف التاسع ق.م في أريحا مثلاَ. أما الإنسان الفلسطيني، ساكن فلسطين الاصلي، أيّاً كان اسمه، فهو يعود إلى إنسان الكرمل على الأقل.ولم يسبق كما أشار عديدون، أنْ استطاعت إمبراطوريات غزت فلسطين، أن تمنحها اسمها، أو أن تحذف اسم فلسطين. وقد تكون كلمة (فلش)، مرتبطة بزراعة (شجرة التين)، ومنها جاء اسم فلسطين الحقيقي، وبالتالي لماذا لا يكون الاسم مرتبطاً، مثلاً، بشجرة التين: (فلش +تين)،أي (زرَّاع شجرة التين)، وهي شجرة فلستينية بامتياز!.وما دامت فلسطين أرض الحروب بين المصريين والأشوريين والحثيين، وبين اليونان والرومان، فلماذا لا تكون الهجرات متبادلة، أو عكسية من فلسطين إلى شبه الجزيرة العربية، وأن الكنعانيين والفلستيين، هم الذين هاجر بعضهم من فلسطين تدريجياً، وأعطوا أسماء مدنهم، وقبائلهم وقراهم، وآلهتهم لأماكن كمال الصليبي في جنوب الحجاز وعسير!!، ما دامت شعوب البحر وفي طليعتهم البلست، قادرة على تحطيم الإمبراطورية الحثيّة، بل ومناطحة الإمبراطورية المصرية، حسب المؤرخين!. أعتقد أنّ نظرية الهجرات المتدفقة من شبه الجزيرة العربية إلى بلاد الشام، تفترض فراغاً سكانياً تاماً في فلسطين، هي نظرية خاطئة، ونحن نعتقد بمفهوم الهجرات المتبادلة والعكسية التدريجية لجماعات وقبائل. كذلك أعتقد أن نظرية شعوب البحر، نظرية خاطئة تماماً، لأنهم ليسوا إلا جماعات صغيرة، امتصّها السكان الأصليون. وأجزم أنّ الفلستينيين، هم سكان أصليون في فلستين، تفرَّعوا من القبائل الأصلية في فلستين، وأنّهم كانوا منفتحين على ثقافة جزر بحر إيجة، ومنفتحين على شبه الجزيرة العربية عبر التجارة، وهم قبائل كنعانية، مثلهم، مثل جيرانهم الفينيقيين، وقد أتقن هذا الفرعان الكنعانيان، فنون البحر، والزراعة، وصناعة الحديد… الخ، وأنّهم معروفون، منذ الألف السابعة ق.م على الأقل. أمّا إضفاء الغموض على شعب، (هزم الإمبراطورية الحثيَّة، والممالك الكنعانية، وتصدّى للإمبراطورية المصرية!!)، كما يزعم الباحثون، فهو ينسجم مع الغموض، الذي ألقته (التوراة) على الشعب الفلستيني الكنعاني. وهذا، أي (كنعانية الفلستينيين)، لا تتناقض مع استقبال فلسطين لقبائل (قيس، وطي)، ولا استقبالها لهجرات يونانية، أو أناضولية محدودة، امتصتهم أرض كنعان (فلستين)، دون أن يكون لاسم فلسنين (فلش + تين) علاقة بشعوب البحر، أو بشعوب (الهجرات) من جزيرة العرب.
تقع (فلستين) بين مدينة صور، وسبخة البردويل في سيناء، وتمتدُّ حتى (جنوب دمشق). وجنوباً حتى خليج (إيلة)، أي (المرشرش)، وشرقاً، حتى  البتراء. وظهرت حضارة (أريحا) في الألف التاسعة، ق.م. في مرحلتها الأولى، ثم الألف السابعة، ق.م. في مرحلتها الثانية، حيث الحضارة النطوفية الكنعانية. ثمّ الألف الثالثة، ق.م. حيث الحضارة الكنعانية الفلستينية. وقد ظهرت الزراعة في أريحا لأول مرّة في العالم. وأن اسم (فلستين)، كان موجوداً منذ القرن الحادي والعشرين، ق.م.، بينما جاءت (شعوب البحر) في القرن الثاني عشر، ق.م.، أي أن الفارق هو ثمانية قرون. وقيل إن اسمها (فلشتين) كان موجوداً منذ الألف الرابعة، ق.م. وقد تكوّن اسم (فلستين) من (فلش = بمعنى مزارع) + شجرة التين، فأصبحت (فلشتين، فلستين = فلسطين)، أي أنّها تعني (مزارعي أشجار التين). أمّا (الفلستينيون)، فهم من أعطى (عسير، وجنوب الحجاز)، أسماء الأماكن، بعد أن هاجروا من فلسطين إلى شبه جزيرة العرب، بسبب الجفاف في الفترة (23 ق.م –19 ق.م).

المراجع
خزعل الماجدي: تاريخ القدس القديم، عمّان، 2005.
معاوية إبراهيم: الموسوعة الفلسطينية، المجلد الثاني، القسم الثاني، بيروت، 1990.
زياد منى: التلفيق والحقيقة، في كتاب: (الجديد في تاريخ فلسطين القديمة)، ترجمة: عدنان حسين، دار قَدْمُس، دمشق، 2004.
كاثلين كينون: الكتاب المقدس والمكتشفات الأثرية الحديثة، ترجمة: شوقي شعث، وسليم زيد، عمّان، 1990.
محمود أبو طالب: آثار الأردن وفلسطين، عمّان، 1978.
سامي الأحمد: تاريخ فلسطين القديم، عمّان، 1979.
هيرودوت: التاريخ، ترجمة: عبد الإله الملاّح، الإمارات، 2001.
مارتن برنال: أثينا السوداء، القاهرة، (د.ت).
كمال الصليبي: التوراة جاءت من جزيرة العرب، بيروت، 1986.
إسرائيل ولفنسون: تاريخ اللغات السامية، مصر، 1929م.
فيليب حتّي: تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين، بيروت، 1951.
مصطفى مراد الدبّاغ: بلادنا فلسطين، الجزء الأول، 1973.
أحمد سوسة: تاريخ العرب واليهود، دمشق، (د.ت).
حمدان طه: تاريخ الفلستينيين وحضارتهم في العصر الحديدي، (مخطوط)، الجامعة الأردنية، 1983.
إلياس شوفاني: الموجز في تاريخ فلسطين السياسي، بيروت، 1983.
زياد منى: مقدمة في تاريخ فلسطين القديم، بيروت، 2000.
زكريا محمد: لغز الفلسطينيين القدماء، رام الله، 2005.
أحمد داوود: تاريخ سوريا القديم، دمشق، 1997.
هشام أبو حاكمة: تاريخ فلسطين قبل الميلاد، عمّان، 2005.
فراس السوّاح: الحدث التوراتي، دمشق، 1999.
قاسم الشوّاف: فلسطين، بيروت، 2006.


الوان عربية تأسست في 2009