جرائم الديموغرافيا وسلطة إخضاع الآخر/ ماجد الشّيخ

أضيف بتاريخ: 08 - 10 - 2017 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: اراء وافكار

ماجد الشّيخ

عديدة هي التهجيرات والتفجيرات الديموغرافية التي أحلت واستحلت بلادا، واستبدلت شعوبا بشعوب منذ فجر التاريخ، ومنذ ما قبل ما فعل البيض من المستعمرين الأوروبيين في القارة الأميركية وفي أستراليا، مرورا بتجارب الكولونيالية الأوروبية الحديثة (بريطانيا وفرنسا وغيرهما)،

أو من حاولت ذلك من دول أو أشباه الدول الاستعمارية، تلك التي كانت ترتكب بدعم وحماية السلطة أو السلطات الحاكمة، أو عصابات المافيا والطغم المالية، والقوى الكولونيالية التي لم يكن لديها من خيار للهيمنة والتفرد والنفوذ وتسييد قواها، بدوافع خاصة سياسية أو دينية، ولأهداف إخضاعية وهيمنية. فلا تكاد تختلف تلك التهجيرات الديموغرافية القديمة عما نشهده اليوم في بلادنا والعالم، منها وإليها وإلى الخارج، وبدوافع اقليمية وتمذهبات دينية، ورغبات سياسوية ملحة، تستدعيها طبائع سلطة تتماهى مع الدين، ومع واحديتها وأحاديتها المنفلتة من كل معيار أو نظام، على الرغم من ادعاءاتها ومزاعمها التي باتت أكثر من مكشوفة.

في بلاد يحكمها الجنرالات والأجهزة الأمنية وأنظمة الاستبداد، على اختلاف طبائعها السياسية والدينية، والسيد الرئيس وحاشية السلطة العميقة وتابعوها، لا كرامة لمواطن في وطنه، ولا استقرار يطاول حق الإنسان في بلده، ولا قانون يحمي هذا الحق، ولا حقوق له كإنسان له كامل استحقاقات المواطنة. فبأي حق تمضي أنظمة التهجير الديموغرافي في غيها، لتقوم بهندسة جينات بلدانها بما يحفظ لها سلطتها “المستدامة”؛ داعشية الطبائع، واستبدادية وبوليسية الطابع، ودفع أثمان احتفاظها بالسلطة عبر المزيد من التبعية والخضوع لقوى في الخارج، لا يمكن توصيف العلاقة بها بدون المقايضة والمقابضة، مقابل بعض السيادة، وبعض الاستجابات من قبل الطرفين للدخول في لعبة التهجير الديموغرافي، من جهة، والتفجير الجغرافي لكامل المنطقة من جهة أخرى. وهذا هو حال الأزمة السورية وما استجلبته من تدخلات وتداخلات إقليمية ودولية، دفع وسيبقى يدفع السوريون وألأشقاء العرب أثمانا باهظة ولسنوات طويلة، على مذبح تلك التدخلات التي أفادت إسرائيل وصداقاتها التطبيعية المستجدة، بمن فيهم “دواعش” قيادات الذئاب المنفردة، فيما أضرت بكامل القوى المعادية لكيان الاحتلال الاستيطاني في فلسطين.

في مثل هذه البلاد، بوضعياتها الراهنة، كما ومنذ القدم، لا فرق بين عمليات التهجير القسري مؤخرا في الداخل أو إلتهجير الطوعي الذي يتم أيضا قسرا وبالإكراه نحو الخارج. هذه بلاد طاردة لأهلها ومستقبلة لغزاتها وقاهريها، وسعاة إرغامها على التحول من حال إلى حال، كحال التغيرات الديموغرافية التي يفرضها سياسيو العتم والعدم المذهبيون، وهم يرسون قواعد أو يحصدون ثمار سياسات تداخل السياسة بالدين، والدين بالسياسة، على ما بات يفعل بوضوح مذهبي فاقع سياسيو الأنظمة القوموية والسلطوية والمذهبية في كل من العراق وسورية واليمن، برعاية وإشراف أمثالهم من سياسيي الولي الفقيه، فقد تحول ورثة النظام الشاهنشاهي في إيران إلى أباطرة صغار ذهبوا بعيدا في تحكيم السياسة بالدين، كما كان قد فعل سابقوهم من تحكيم الدين بالسياسة، حتى صارت خلطة النفوذ الإقليمي “امبريالية صغرى” لا تبالي بأي مشتركات قديمة أو حديثة مع الجيران، بقدر ما أبقت وتبقي في مسلكياتها على نوازع ثأرية وانتقامية، تواصلها كلما سنحت لها الفرصة، بداع أو من غير داع، بل بدوافع باتت مكشوفة للقاصي والداني..

تلك أوطان ساد فيها وماد، من لم يحفظ ودا لشعبه وناسه وأشقائه وجيرانه، فانفرط عقد “العروة الوثقى” التي ربطت بين السلطة وشعبها، أو بين النخب والفئات الاجتماعية والأهلية، أو بين الطوائف والمذاهب المختلفة، أو بين الأقوام والأعراق والإثنيات المتعددة؛ حتى وصلنا إلى معادلات التهجير الديموغرافي، بكل ما تحمله من إواليات ونيات تفجير الدواخل والحروب الأهلية، وما تؤول إليه في العادة من تذريرات وانشقاقات وانسلاخات وتحيزات، لا يفيد منها في مطلق الأحوال سوى أهل السلطة، أيا تكن مكوناتها وطبائعها ومصالحها وعلاقاتها.

لهذا وجدنا ونجد دائما من يقدم لهندسة الجينات ابتداعات جديدة، أقحمت الأوطان في مدارات وإطارات اشتغالها، حتى باتت الأوطان ذاتها وليس من وما تحويه من بشر، فئران تجارب للمخططات والمشاريع السلطوية وما تبتغيه من حفاظ على “موديل” خاص متعدد ومتنوع، هو بمثابة نظام أو أنظمة لا يوجد في جيناتها غير بذور التشقق والتذرير، كي تحتفظ بسلطتها الأبدية، كما سعي بعض الدينيين والأنظمة الدينية لتأمين هيمنة سلطوية لهم بزعم أنها إلهية!!.

قبل أيام غادر هذه الدنيا الأديب العراقي الأصل البروفيسور “سامي موريه” وهو أحد اليهود الذين أسقطت جنسيتهم العراقية عام 1950، ما تسبب بتهجير أكثر من 140 ألف عراقي من الديانة اليهودية إلى فلسطين، وكان يوما قد صرخ صرخة حنين لوطنه (العراق) بقوله: “ليتني أعود إلى العراق يوما، فأحدثه عما فعل الفراق”.

ولا شك أن لسان حال الكثيرين من شعوب هذه الأرض؛ من فلسطينيين وعرب وغير عرب، ممن جرى اقتلاعهم وتهجيرهم من مواطنهم وبلداتهم وأمكنة إقامتهم يتوقون إلى نفس التوق والحنين: العودة إلى بلادهم، بلاد آبائهم وأجدادهم، حيث السلطة هنا أو هناك هي السبب الرئيس، بشكل مباشر أو غير مباشر، المسؤولة والقائمة بجريمة الاقتلاع والتهجير والطرد والإحلال، وهي من تستمر في ارتكاب جرائمها الديموغرافية بحق بعض أبناء البلاد، ومنعهم من العودة، متعاونة مع قوى خارجية لها أهدافها وغاياتها، لتصب مع التغييرات الديموغرافية في جداول وسواقي حالة إلإحلال والإحتلال، سواء برضى أو على الضد من إرادة “سلطة محلية/أهلية”، أضحت ملحقة وتابعة ومؤتمرة بإمرة وإرادة أكثر من قوة خارجية.   .


الوان عربية