كلمات من دفتر الاحوال…((6 / كاظم الموسوي

أضيف بتاريخ: 08 - 10 - 2017 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: الوان ثقافية

كاظم الموسوي

هوامش من دفتر الايام، عنوان قديم وضعته في كتابة عدد من المقالات، او ما يمكن تسميته، يوميات او هوامش عليها، وهي في كل الاحوال محاولات في الكتابة عن الاحوال، وشجون الايام، او ما بقي من تلك الأحداث في ما حمله الحدثان.

ولعل في الهوامش ما يفصح عن المتون، وكل الأوراق تحمل الأهم والابرز وما يؤشر إلى ما تحت السطور فيها. بما يعني أن الهوامش عنوان وحسب.
في بغداد الحبيبة كانت الهوامش اكثر، موزعة في السكن المتنقل اضطرارا، والعمل الممنوع علنيا، والدراسة المتعبة في ظروفها وشروطها، والعلاقات الاجتماعية المحسوبة والمحددة. تصرخ في الذاكرة ايام العيش مخفيا في بيوت أقرباء في مدينة الثورة، التي أنجزها الزعيم عبد الكريم قاسم لفقراء بغداد، أبناء خلف السدة والشاكرية، رُحّل المدن الجنوبية الباحثين عن عمل كريم وهروبا من اضطهاد الاقطاعيين والسلطات الجائرة، والذين لم تشرق الشمس على بيوتهم ولم تغب عندهم، والذين لم يعرفوا فاتورة واسم الكهرباء والماء الصافي طيلة عقود من الحرمان والنسيان، وهم في قلب العاصمة بغداد، وعلى مرمى حجر من دعاة الحكم ومريديهم. في تلك الفترة التي كنا كناشطين نمارس العمل الأشبه بالسري، ولم أكن قد أكملت الدراسة بعد للدخول الى الجامعة. وفر لي ابن خالي عملا في مصنع بسكويت، في وقت المساء، اذهب اليه مشيا واعود منه بين الأزقة والفروع المتشعبة من الشارع العام.

كان هذا العمل اول اختبار عملي لشاب في مقتبل عمره، وكان اصحاب العمل كغيرهم مستغلين، جشعين، لا يقدرون ساعات العمل والأجر كما يجب، بل همهم وامثالهم وفرة الانتاج وزيادة الربح، والربح فقط. تفتح وعيي على اساليب الاستغلال الرأسمالي لقوة العمل والقيمة الفائضة عمليا ومبكرا. واتذكر حرضت على اول إضراب عن العمل في هذا المصنع، أوقفنا انتاج اي شيء ووقفنا في الباب من المصنع نطالب بزيادة الأجور بما يعادل ساعات العمل في وقت المساء، الذي يعتبر عملا إضافيا له أجرته ومعاناته، وباقي الخدمات الضرورية لاي عمل وقدرة العمال. واتذكر أن صاحب المصنع توجه لي وخاطبني مباشرة، باني طالب وليس عاملا فلماذا اخرب العمل والانتاج، واراد أن يغريني بزيادة خاصة، ورفضت مقترحه وطالبت بالعدل للجميع، مما شد من عزيمتي والعمال وعاملتين شابتين مع اقربائهما كانتا معنا ايضا.

زرت مرة احد الأجداد من طرف امي، يسكن قريبا من بيت خالي الذي كنت عنده. وواصلت الزيارات لأنه يملك مكتبة عامرة بالكتب، وكان حينها يقرأ ثلاثية الروائي الكبير نجيب محفوظ، (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية)، وبعد أن شاهدت مسلسلها تلفزيونيا وبطلها احمد عبد الجواد، سي السيد، اول شيء تبادر إلى ذهني صورة جدي ذاك. كان سي السيد، العراقي، عمليا قبل أن اعرف القصة. ولكن جدي كان حريصا على العلم والمعرفة والاهتمام بالمستقبل لعائلته على الأقل. حيث اكمل كل أبنائه وبناته دراساتهم الأكاديمية وتوزعوا بين الهندسة والطب، الا صديقي الذي كان بعمري، اكمل دراسته للغة العربية وادابها وشجعني عليها، وكانت تجمعنا ارهاصات التطلع الادبي والإنتاج والإبداع. وكان بيت جدي هذا منبرا للقاءات ثقافية يشارك فيها امثاله، عمرا واهتماما، يتبادلون الكتب والقراءة والنقاشات حولها، وقراءات شعرية تتخللها احيانا، كما تسمع دورا للسيد في الحياة الاجتماعية بمحيطه ومنطقته، واغتنمنا المكتبة والحوارات والقراءة وارشادات سي السيد، في هذا المجال ايضا.

أكملت دراستي وتنقلت في التعليم والتدريس حتى التعيين في متوسطة الجعيفر، في كرخ بغداد، كانت بنايتها تطل على شارع يحده شاطيء دجلة من الجهة المقابلة، وقرب بساتين العطيفية والسايلو والجسر الحديدي، وليس بعيدا عن جسر الشهداء وعلاوي الحلة. وكنت أمر على أحد الجانبين مشيا كل يوم. لم امكث كثيرا في المدرسة، حيث تركتها للتفرغ للعمل في جريدة الحزب، (طريق الشعب)، التي أخذت تصدر يوميا، وتمد مجراها في مشهد الحياة السياسية للشعب والوطن طريقا واملا. كنت أساهم في شقيقتها الفكر الجديد الأسبوعية، قبل أن أذهب لخدمة العلم، واعد فيها صفحات واسهر معها، ولم تكن الانتقالة إليها إلا خطوة أخرى في الطريق ذاتها.

تعرفت على الخياط توفيق، محله في الشارع المتفرع من السعدون، من الجهة اليسرى من سينما النصر، اذا كنت قادما من ساحة النصر، في اتجاه الذهاب الى بناية المسرح الفني الحديث.. وكنت أمر عليه كلما تسنح الفرص، لقربه من مقر الجريدة، او بالأحرى في طريقي الى/ او خروجي من الجريدة، ولان محله مكان عام، يصلح لمواعيد ولقاءات لا تسمح بها ظروف الجريدة. كان توفيق رفيقا ودودا، يخيّط ويقسّط للرفاق الأثمان شهريا، ويتحمل متاعب التسديد والعيش وغيرها، كاي مناضل بلا تمييز. وخيّط لي اكثر من بدلة، لي واحدة واخريات لمن كان معي او على حسابي الشخصي.. ذكرتني صورة فوتوغرافية به، وجدتها في ارشيف لي لم تمزقه عاديات الزمن الاصفر، وكما هي مسارات تلك الأيام والضغوط العامة واضطراراتها.

وبعد الانتهاء من العمل اليومي الصحفي، والتفرغ من ايام الخفر او العرقلة المقصودة احيانا، كنت امر على نادي الإعلام على شارع ابي نؤاس، كما هو معروف وذكرت.. وكنت معتادا على العشاء عنده، بالوصفة المتكررة والمعتادة، صحن كباب وقنينة بيرة، والسلام. مرة دعوت صديقا شاعرا وقلت للنادل كلمة كالمعتاد، وتفاجأ صديقي باختصار الطلب ومعرفة النادل له، وحين كررت الدعوة مرة أخرى في يوم اخر، شكرني ذاك الصديق ولم يلب الدعوة، وقال لي انا غيرك، أريد أن اسكّّر الرأس لا أسكنه، مكاني غير الاعلام، إذا رغبت الحقنا هناك. في بار في يمين نهاية شارع ابي نؤاس. وضحكت معه، فانا لا اغير جدولي ووقتي.

تعودت ايضا على التمشي مساء على كورنيش شارع ابي نؤاس، لاسيما وقد اهتمت به أمانة العاصمة مؤخرا، ووزعت فيه شتلات الأشجار ونظمت فيه الحدائق وكراسي الاستراحة وممرات السير الداخلية، مما زيّن للشباب اغتنام الفرص والتشجع في التجول والتمتع بساعات مسائية مغرية وممتعة، لاسيما بين الأحبة والمعارف او للغزل المباح. بعد أن انتشرت أعمدة الضوء الملونة والخافتة فيه وتحيطه اصوات مياه النهر، تحرس الماشين وتغني لهم مواويل الليل البغدادي وحكايا شهرزاد.

كانت المقاهي الصيفية على امتداد نهر دجلة تحتفي بزوارها اليوميين والمواعيد فيها متنوعة، بين الراحة وتغيير الأجواء والحزبية والسياسية والغرامية وما شاكل ذلك. وكان لكل مقهى اسم ومحتوى، وفي بعضها مطاعم للسمك المسقوف ايضا.  كم أمرا قضيناه فيها، وكم قصة يمكن أن تسرد عنها، وكم .. وكم..؟. لا يمكن نسيان الساعات الجميلة التي علقت أصداؤها او بقيت محتفظة بدقاتها. وبالتأكيد لا تنسى وجوه الأحبة والإخوان التي اجتمعت او تلاقت او تواعدت هناك.. ايام وايام مرت بل سنوات وظل في الذاكرة منها الكثير.. وللاسف حين استرجاعها يحز بالنفس رحيل عدد من أبطالها ورموزها، رحيلا ماديا او معنويا. وخصوصا الذين فقدناهم في غياهب السجون او عذابات السياسات الغبية والانتهاكات المعلومة، او الذين سرقتهم المنافي البعيدة واستوطنوها اغرابا بعيدا عن شواطيء دجلة الخير.

ايها السائرون في دروب المحبة والاعتزاز بما حمله التاريخ من نقاء الروح وصبر الصابرين على الحق ولم تأخذهم فيه لومة لائم، لا تستوحشوا طريقه لقلة سالكيه، كما قال الامام علي، فهذا مؤشره وجسر عبوره.

بعتب وبصوته الاجش غنى صاحبي أبياتا من قصيدة الجواهري:
حييتُ سفحكِ عن بعدٍ فحَييني ***   يادجلة الخير , يا أمَّ البساتين
حييتُ  سفحَك ظمآناً  ألوذ به   ***   لوذ الحمائِم بين الماءِ والطين
يادجلة الخير   يا نبعاً أفارقه  ***    على الكراهةِ بين الحِينِ والحينِ
إني وردتُ عُيون الماءِ صافية   ***   نَبعاً فنبعا   فما كانت لتَرْويني
(***)
يادجلة الخيرِ: قد هانت مطامحُنا ***  حتى لأدنى طِماح غيرُ مضمونِ


الوان عربية