حماس لعبت سياسية فلعبت بها السياسة!/ بقلم د. محمد رياض

أضيف بتاريخ: 06 - 10 - 2017 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: اراء وافكار

بقلم د. محمد رياض 

حماس نشأت كحركة مقاومة للإحتلال  الإسرائيلي  مع إنطلاقة الإنتفاضة الأولى عام 1987م ، وكانت إمتداداً  تاريخياً لشعبتي غزة والخليل التابعتين لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين والذي يرجع تاريخ تأسيسهما إلى العام 1948م .

في تسعينات القرن المنصرم نسجت حماس علاقات طيبة  وحميمة مع  حكومات سوريا وإيران وعلاقات جيدة مع الإردن  ، وإفتتحت  مكاتب إعلامية وسياسة  لها في  دمشق وطهران وعمان،  بالاضافة لافتتاح فروع ومعسكرات تدريب في دمشق  وطهران .

 تم تصنيف حماس دولياً على أنها حركة إرهابية  بعد قيامها بتنفيذ سلسلة تفجيرات في حافلات  ركاب مدنية إسرائيلية!

بعد ذلك توطدت العلاقة بين حماس وخاصة جهازها المركزي وبين حكومات دمشق وطهران بشكل خاص بينما بدأت حكومة الأردن بممارسة نوع من التضييق على  رموز الحركة على أرضها.

مع بداية الألفية الثانية ، بدأت  حماس بتوطيد علاقاتها مع دولة قطر  ، وكان ذلك نتيجة للتقارب الحاصل بين قطر وبين  جماعة الإخوان المسلمين العالمية ، وهنا بدأ التناقض في مسيرة حماس، فإذا بها تنسج خطوطا مع منظومتين متناقضتين شكلاً ومضمونًا .

قامت الحكومة الأردنية، إستجابة للضغوط الأجنبية، بإغلاق مكتب حركة حماس والطلب من أعضاءه مغادرة البلاد.

في العام 2006 م شاركت حماس في الإنتخابات  التشريعية الفلسطينية وحصلت على  أغلبية كبيرة  من مقاعد المجلس التشريعي مكّنتها من الإنفراد بتشكيل حكومة فلسطينية !

قاطع المجتمع الدولي حكومة حماس بذريعة  أن الحركة مصنفة دولياً  في قائمة الحركات الإرهابية، وقد وضّحت اللجنة الرباعية الدولية  المتطلعة على ملف  قضية “التسوية ”  بعرض  أربعة شروط للإعتراف الدولي بحركة حماس ، ومن هذه الشروط  الإعتراف بإسرائيل ونبذ العنف .

لم تفهم حماس أنها  لا تستطيع أن تجمع بين كونها حركة مقاومة  مسلحة مصنفة ككيان ارهابي وفِي نفس الوقت حكومة  منتخبة في سلطة أسست في الإصل وفقاً لإتفاقات دولية تقضي بالاعتراف بإسرائيل، وأن تطالب المجتمع الدولي بالتعامل معها والاعتراف بمشروعيتها!

زاد الطين بلة حينما قررت حماس القيام بعملية “حسم” في قطاع غزة وبإسلوبها الخاص  عسكرياً، فقامت بالاستيلاء  على مؤسسات السلطة وطرد وحل أجهزتها الأمنية، وهكذا أضافت حماس الى فقدانها للشرعية الدولية خسارة أخرى وهي فقدانها للشرعية الفلسطينية.

كان على قيادة حماس ان تعي جيداً قبل الخوض في خضم هذه التجارب أنها كحركة تُمارس نضالاً  مسلحاً ضد المحتل وترفض الاعتراف بشرعية وجوده يستحيل ان  تقنع العالم بالاعتراف بها كحكومة شرعية ممولة بشكل شبه كامل من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين والأوروبيين، وأن الجمع بين الكفاح المسلح وبين الإنخراط في عملية  أسست في الأصل من  أجل التوصل لتسوية سياسية مستحيل!

وإستمرت حماس في عنادها، وحاولت إدارة قطاع غزة الذي استطاعت السيطرة عليه عسكرياً وانتزاعه من إدارة سلطة الرئاسة الفلسطينية   وإعتمدت في ذلك على دعم طهران والدوحة بشكل خاص!

خاضت حماس حروباً طاحنة  مع إسرائيل دفاعاً عن قطاع غزة ، لكن يجدر بنا ان نذكر ان صواريخ حماس التي كانت تطلق عشوائياً على المدن والتجمعات الإسرائيلية كانت تسبق كل عملية اجتياح إسرائيلي!

وفي آخر عملية إجتياح عام 2013م تدخلت تركيا-اردوغان لتفرض على حماس التزاماً بهدنة تتعهد بموجبها بالامتناع عن ” القيام بأية عمليات عدائية على الحدود مع إسرائيل” مقابل ان تلتزم اسرائيل بوقف عملية اجتياحها لقطاع غزة!

وإعتبرت حماس هذا الاتفاق نصراً مبيناً، مع أن مضمونه يجب ان يكون مخزيا للحركة التي لو التزمت ب ” وقف الاعمال العدائية” تجاه اسرائيل (كما جاء في صيغة الاتفاق من البداية) لما احتاج الشعب الفلسطيني لخوض كل هذه التجارب المريرة وتحمّل تبعات ثلاثة اجتياحات إسرائيلية سابقة!

ثم اندلعت إحتجاجات شعبية عارمة في سوريا تلاها اندلاع صراع مسلح بين قوات النظام هناك وقوات المعارضة، ووقفت قطر بقوة إلى جانب المعارصة بينما وقفت ايران بقوة الى جانب النظام، وهنا كان على حماس أن تختار بين التمسك بمحور قدم لها الدعم والمأوى والرعاية والتسليح والاعتراف وهو المحور الإيراني-السوري وبين محور آخر لم يقدم لها غير استضافة عدد من قياداتها على أرضه ومشرعين إستثماريين في قطاع غزة وظهوراً إعلامياً على قناة الجزيرة!

اذا تحدثنا بحساب الأرقام وبلغة السياسة وبعيداً عن اية اعتبارات اخرى، فإن مصلحة حماس كانت مع المحور الاول لا الثاني، لكن انجرار حماس غير المدروس وراء التوجه العام لجماعة الآخوان المسلمين الدولية والتي كان يقاتل فرعها السوري قوات النظام هناك بشراسة، جعلها تلقي بكل اوراقها في جيب المحور القطري!

وقع بعد ذلك نزاع بين قطر والسعودية حول طريقة الإمساك ببعض الملفات في الإقليم، فالسعودية التي تخشى تمدد نفوذ الإخوان في المنطقة بسبب تطلعاتهم السياسية للحكم رأت أن قطر بإعتمادها على ورقة الإخوان إنما تلعب بنار قد يمتد لهيبها ليصل إلى مملكات الخليج، وكذلك رأت أن تغلل الدور القطري في الإقليم يعتبر تعدياً على التفرد السعودي التقليدي بإدارة ملفات الأزمات في الإقليم وفي تمثيل مصلحة الدور الأمريكي فيه.

وقد وقع الإخوان ضحية صراع التنافس القطري السعودي ودفعوا ثمناً باهظاً نظير إعتبارهم ورقة قطرية في الإقليم، وتجلى ذلك في مصر حيث تدخلت السعودية لدى الادارة الامريكية لإقناعها بضرورة تغيير نظام الرئيس مرسي، كما قامت وحلفاؤها في الداخل المصري وبقوة بدعم القوى المناهضة للرئيس محمد مرسي، وذلك للإنقلاب عليه والإطاحة بنظام حكمه، وكما تدخلت السعودية وبقوة كذلك للإطاحة بحزب النهضة الاخواني الحاكم في تونس، وكذلك لدعم إنقلاب حفتر في ليبيا على القوى الاخوانية التي بدأت ببسط سيطرتها هناك بعد الإطاحة بنظام القذافي، وكذلك في سوريا من خلال تكثيف دعمها للكيانات المعارضة غير الاخوانية وبهدف سحب البساط من التشكيلات المرتبطة بقطر على الأرض.

وبعد أن نجحت السعودية بإزاحة الدور القطري من مناطق النزاع في الإقليم عمدت إلى دولة قطر نفسها لمعاقبتها على تماديها السابق، ففرضت عليها حصاراً برياً وجوياً وإقتصادياً بهدف الإمعان في تحجيمها وزيادة في الضغط عليها للتخلي عما بقي في يدها من أوراق.

ويبدوا أن قطر وبطريقة غير مباشرة قد أقرّت للسعودية بالريادة في الإمساك بهذه الملفات، فبدأت تنسحب تدريجياً من ساحة ذلك التنافس المحموم وفِي إلقاء ما في يديها من أوراق متبقية تمهيداً للإنسحاب من اللعبة كلياً.

ويبدو أن من تجليات ذلك ما جرى داخل حرك حماس من إنتخابات داخلية أفضت الى نقل ثقل قيادة الحركة ( المكتب السياسي) إلى الداخل، وهذا يعني إنهاء وضع المكتب السياسي الموجود في قطر!

عرفت حماس أنها فقدت الظهر القطري، فحاولت الرجوع للمحور الإيراني، وتجلى ذلك في زيارة وفد رفيع منها إلى العاصمة طهران وفِي تصريحات قائدها في قطاع غزة عن أهمية الدعم الإيراني للمقاومة، إلا أن إيران والتي كانت قد إستثمرت سابقاً ملايين الدولارات من المساعدات النقدية والعينية التسليحية للحركة ووفرت لأفرادها تمكينات تدريبية عسكرية وزودتها بتقنيات تكنولوجية ردعية، قبل أن تنقلب عليها الحركة وتنضم للمحور القطري وقبل أن يشن إعلامها حملة شعواء على الدور الإيراني في الإقليم ويتحول الى منبر لإستضافة الأقلام الطائفية المعادية للشيعة بشكل عام، إستقبلت محاولات عودة حماس بفتور شديد، مما ولَّد قناعة عند الحركة بأن المحور الإيراني لن يعود لهم كما كان!

خسارة المحور الإيراني وإنسحاب المحور القطري وعداء المحور السعودي وعدم إستعداد المحور التركي لتحمل أعباء إحتضانها، أفقد حماس توازنها فكانت النتيجة المنطقية وهي إنكفاء الحركة على نفسها ورجوعها للعب دور حركة مقاومة فلسطينية التي تعتمد على الإمكانيات المحلية المتاحة وتخليها عن دور الحركة الفلسطينية الممتدة بشبكة نفوذ إقليمية والمستندة الى دعم محاور إقليمية رئيسية في الإقليم!

وبعبارة أخرى رجعت حماس إلى المربع صفر بعد أن جرّبت أن تكون جزءاً من اللعبة السياسية في الإقليم فإذا بأمواج السياسة تقذف بها لتعيدها مرة أخرى إلى الشاطىء!


اترك تعليقك

يجب أن تسجل دخولك لكتابة تعليق.

الوان عربية