“أونروا” ومخاطر التسجيل تحت غطاء المساواة الجندرية / محمود العلي

أضيف بتاريخ: 08 - 08 - 2017 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: قضايا وملفات

محمود العلي

هناك جدل، منذ نكبة فلسطين عام 1948، يتعلق بأعداد اللاجئين الذين جرى تهجيرهم من أراضيهم وممتلكاتهم، ومن وطنهم فلسطين، بسبب الاستيطان الصهيوني؛ ومعلوم أن لهذا الجدل أبعاداً سياسية تتعدى موضوع المساعدات التي منحت، وما زالت تمنح، لجزء من هؤلاء، من خلال هيئة الأمم المتحدة لإغاثة لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى، أو في مسماها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).

ويتعلق الجدل بطبيعة المسجلين المؤهلين لصفة لاجئ، والمعايير المعتمدة في سجلات “أونروا”، والتي تعتبر أساساً لتلقيهم المساعدات، وصولاً إلى أعداد هؤلاء، وأحقيتهم في التسجيل وتلقي العون. وهكذا، فإن موضوع أعداد اللاجئين المسجلين وحساسيته يفتحان باب النقاش حول قائمة المسجلين في “أونروا” وآليات تسجيلهم، وخصوصاً أن “أونروا” أدخلت فئة جديدة للاستفادة من خدماتها، لم تكن سابقاً تستفيد منها، بل وكانت لا تستحقها حسب معايير التسجيل السابقة لعام 2005، حين رسمت “أونروا” تقديم الخدمات للمحتاجين من أفراد أسر النساء اللاجئات، المتزوجات من غير اللاجئين، حسب تقرير المفوض العام للوكالة المقدّم للأم المتحدة، وهي فئة كانت غير مؤهلة سابقاً للخدمات. وكان هذا نتيجة لقرار المفوض العام إدخال مبادئ توجيهية للتسجيل، محايدة من ناحية النوع الجنسي، الذكر والأنثى، لتحديد الأهلية للخدمات، تماشيا مع معايير الأمم المتحدة.
واستناداً للتقرير نفسه، بدأت مكاتب “أونروا” الميدانية بتقديم الخدمات لأفراد أسر النساء اللاجئات المتزوجات من غير اللاجئين. وحسب تقرير المفوض العام لعام 2007، واستكمالاً للسياسة المذكورة، فقد أنجزت وصدرت في عام 2006 الصيغة ثنائية اللغة لإرشادات التسجيل والاستحقاق الموحدة، وتنص الإرشادات على توسيع نطاق الخدمات، لتشمل أسر النساء المسجلات اللاجئات المتزوجات من غير اللاجئين. وهذا ما يدفعنا إلى تناول موضوع المساواة الجندرية في التسجيل حصراً، وتداعياته السلبية على اللاجئين الفلسطينيين.

وكانت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين تعرّف اللاجئ من فلسطين بأنه الشخص الذي كان مقيما في فلسطين فترة لا تقل عن عامين، قبل نشوب الصراع سنة 1948، وفقد نتيجة الصراع بيته وأسباب معيشته معا. والمعلوم أيضا أن التسجيل حينها لم يقف عند الأشخاص الذين لجؤوا، بل شمل أبناء الذين ولدوا في منطقة عمليات “أونروا” لآباء مسجلين في لبنان، سورية، الأردن، وغزة. وتجدر الاشارة إلى أن “أونروا” قامت بتسجيل فئات من المحتاجين، استناداً إلى قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 916 (X) في ديسمبر/ كانون الأول عام 1955، الذي التمس من الهيئات الخاصة تقديم الإغاثة لهم، وهم ممن تضرّروا بسبب نكبة 1948 في القرى الحدودية في الأردن وفي محيط غزة، ومن كان منهم في أحياء القدس التي احتلها الصهاينة، وبعض المتضرّرين اللبنانيين. وقد تم تصنيف هؤلاء محتاجين اقتصاديين، لأنهم فقدوا مورد رزقهم، نتيجة الاحتلال الصهيوني. ولذا، فإن بقاء هؤلاء في سجلات “أونروا” يرتبط بشكل وثيق باستيلاء إسرائيل على مصادر رزقهم، وبإقرار المجتمع الدولي بضرورة مساعدتهم. وهكذا، بقي التسجيل في “أونروا” يعتمد على سياسة متحفظة، انسجمت مع مستوى التبرعات التي كانت تقدّم للوكالة، بهدف توزيع الإعانات، وقوامها أن المسجلين هم أساساً تلك الفئة التي تستحق الخدمات.

بيد أن اللجنة الاستشارية لتحديد السياسات في “أونروا” اقترحت عام 2005 ضرورة تسجيل أبناء الأم اللاجئة أسوة بالأب اللاجئ، استناداً إلى معايير المساواة بين الجنسين، وعللت توصيتها بضرورة توريث صفة اللجوء لأبناء الأم اللاجئة، لتطبيق معايير المساواة بين الجنسين، استنادا إلى توجهات الأمم المتحدة. وقد استندت التوصية إلى التوجهات والنداءات التي تسعى إلى المساواة بين الرجل والمرأة في الوطن العربي، من حيث الحق في منح الجنسية للأبناء أسوةً بالآباء، وضمنت اللجنة توصياتها نقدا إلى القيمين على نظام التسجيل في السابق، والذين أخذوا بالاعتبار العادات والتقاليد السائدة في المنطقة، وتجاهلوا حقّ المرأة في المساواة مع الرجل، متذرّعين بأن قواعد التسجيل تعود بالذاكرة إلى عصر كانت فيه عناصر متنوعة من “قانون الأحوال الشخصية” تحابي ذرية الذكر. والحقيقة أنه تم إنجاز هذا الموضوع بدون العودة إلى الجهات المعنية، والتي تمثل برأينا اللاجئين الفلسطينيين الذين لم تتشاور “أونروا” معهم في مسألة تتعلق بمصيرهم وخياراتهم.

والحقيقة أن اللاجئة الفلسطينية يمكن أن تتزوّج من أي شخص يتمتع بحقوق المواطنة والجنسية لأي دولة، فمن هي الدولة المضيفة أو غير المضيفة التي تقبل أن يتحول مواطنها إلى شخص مسجل لخدمات تتعلق باللاجئين والمعوزين الفلسطينيين، لمجرد ارتباطه بلاجئة فلسطينية مسجلة؟ مع العلم أن الدول المضيفة أو غيرها تمنح الجنسية للمرأة اللاجئة المتزوجة من مواطن، وتعطيها حق المواطنة استتباعا. فهل تتصرف “أونروا” باعتبارها حكومة للاجئين الفلسطينيين، وتسعى لكي تمنح رعايا دول العالم خدماتٍ ومساعداتٍ، هي بالكاد عاجزة عن توفيرها للفئات المسجلة لديها؟ فهل تقبل السويد أو الدنمارك أو ألمانيا أن يتحوّل مواطنوها المتزوجون من لاجئات، وأبناؤهم إلى متلقي مساعدات، في حال ارتبط أحدهم، كزوج أو ابن لاجئة فلسطينية، وكان مقيماً في الدول المضيفة؟

وتشكل السياسة التي انتهجتها وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين تحدياً للمفاهيم التي تقوم عليها مبادئ المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، حيث تعمد هذه إلى استبعاد الحماية والدعم عن اللاجئين الذين يكتسبون جنسية دولة جديدة، حسب دليل الإجراءات والمعايير التي يجري تطبقيها لتحديد وضع اللاجئ بمقتضى اتفاقية 1951 وبروتوكول 1967 الخاصين بوضع اللاجئين. فإذا كانت “أونروا” حريصة على اللاجئين، فلماذا لا تعمد إلى تسجيل عشرات آلاف اللاجئين في العراق ومصر وغيرهم الذين يحتاجون فعلا مساعدة المجتمع الدولي. كما من الذي يسمح لوكالة أونروا، تحت حجة المساواة الجندرية، أن تسجل أبناء النازحين من الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، إذا ما كانت أمهم لاجئة، في وقتٍ لا تعتبر آباء هؤلاء مستحقين للخدمات، وما هي النواظم لضبط إجراءات كهذه، تهويدية المنبع؟ ويتعلق الأمر نفسه باللاجئات المسجلات واللواتي يتزوجن من أبناء القرى الحدودية في الأردن، أو من أبناء فقراء القدس وغزة، أو من المصنفين تحت فئة التسوية في لبنان، وهي الفئات التي استحقت التسجيل، للاستفادة من خدمات “أونروا”، ولا تعطيهم الأخيرة حق تسجيل نسلهم، فنسل بعض هؤلاء غير مؤهلين، حسب تعليمات التسجيل والاستحقاق الموحدة للاستفادة من خدمات “أونروا” فكيف سيصنف الأبناء والأزواج هؤلاء في نظام التسجيل، حين يتبعون للوالدة اللاجئة المسجلة؟ وهنالك أيضاً أسئلة تتعلق بالترميز والتوصيفات التي ينبغي منحها لزوج (وأولاد) اللاجئة المتزوجة من فلسطيني بقي في وطنه وأرضه، ولم يغادر إذا كانت قيوده ما زالت في فلسطين المحتلة.

لا تخلو هذه السياسات من صبغة أقل ما يقال فيها إنها تهويد لسجلات اللاجئين! أما “أونروا” التي ورد في تقرير مفوضها العام عام 2005 أنها تبحث الخيارات من أجل إشراك المعنيين في هذه المسألة، فإنها تعني، على الأغلب، بذلك الأطراف والدول الممولة لـ”أونروا”، واللاعب الأساسي في تحديد سياساتها، وليس مجتمع اللاجئين.

واجهت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، بعد قرارها، وما زالت، تراجعاً في توفير أموال تغطي برامجها الحيوية، فحسب الناطق بلسانها في الأردن، بعد فترة وجيزة على تنفيذ القرار، اضطرت “أونروا” إلى تخفيض مستوى برامجها، بسبب محدودية التبرعات. كما أشارت الجمعية العمومية، في أحد تقاريرها، عند بحث أوضاع الوكالة، إلى اهتمامها العميق بالوضع المالي المتأزم للوكالة، وتأثيراته على تقديم خدماتها الضرورية للاجئي فلسطين. وقد ذكّرت المفوض العام، في التقرير نفسه، الذي أعلنت فيه عن إدخال المساواة الجندرية في التسجيل، إلى النقص الحاصل في الموازنة، والذي أدّى إلى عدم استلام عشرات آلاف اللاجئين، من حالات العسر الشديد لحصصهم الغذائية، كما أن نقص التمويل استدعى تخفيضا في الحصة الغذائية. وأكثر من ذلك، أشارت “أونروا” إلى تعديل سياستها في التسجيل، ذكرت أنها تواجه نقصاً حاداً في التغطية المالية، فيما هنالك حاجة ماسة لزيادة الموارد، لرفع مستوى الخدمات التي تقدمها “أونروا” للاجئين الذين يزداد عددهم عاما بعد عام، وتتنوع احتياجاتهم. وإنها اضطرت لإدخال معايير تقشّف، تضمنت تخفيض مستوى الخدمات في الصحة، والتعليم والمساعدة للفقراء في وقت يتزايد الطلب على هذه الخدمات. أما في مسارات التسجيل، فإن عدد المسجلين من هذه الفئة يتصاعد مع الأزمات التي تعيشها المنطقة، ففي غزة تصاعد عدد المسجلين من المتزوّجين من لاجئات مع حالة الحصار عليها. وفي سورية، بدأ الأزواج من لاجئات التسجيل بعد النزاع في سورية، وفي لبنان الذي لا يمنح اللاجئ أي خدمات من الدولة، بدءا في التسجيل للاستفادة من الخدمات، وكذلك الأمر في الضفة الغربية. فيما اقتصر التسجيل في الأردن على المتزوجين والمصنفين حالات عسر شديد. ولذا، هنالك خشية من تصاعد تسجيل غير اللاجئين والمندرجين تحت المساواة الجندرية، في ظل الأزمة المالية التي تواجهها “أونروا” وما زالت تتفاقم.

حجم المسجلين وتوزعهم في مطلع عام 2017 حسب بيانات “أونروا”

تعود خطورة التسجيل من جهة الأم اللاجئة إلى أن بعض القوى المؤثرة في المجتمع الدولي تعمد إلى التشكيك في طبيعة المستفيدين من خدمات “أونروا”، ومن تعداد المسجلين لديها. وحسب هؤلاء، هي تعطي الخدمات لمن هم ليسوا تحت وصايتها. ونتيجة لسياستها، فان مئات الآلاف، بل الملايين الذين لا يحتسبون لاجئين في أي مكان آخر، هم مسجّلون في “أونروا”. وترى الدوائر نفسها أنه ينبغي إجراء مراجعة جدية لسياسات “أونروا” وتطبيقاتها، وإن تغييرا في ولاية هذه الهيئة الأممية يبقى ضرورياً. وإن “حق العودة تنبغي إزالته من ولايتها، ويجب أن تتم عملية توطين دائمة للاجئين”.

والحقيقة أن التخوفات من البعد السياسي لهذه الخطوة ترتبط بمسارات التسوية الأميركية التي ترى أن ملف اللاجئين يمثل صلب التسوية السياسية وعقدتها. إنه الملف الأبرز الذي يعيق تسوية دائمة على النمط الأميركي/ الغربي. ولهذا، وحسب الباحث الأميركي، بوب بايكر، فإن الوصول إلى اتفاقية، أو لخطوة بارزة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، سوف تشهد اللحظة المناسبة لتغيير دور “أونروا” كي تعكس الحقائق السياسية المعاصرة على مستوى المنطقة، كما ستتناول بطريقةٍ أكثر فاعليةً الضغوط المالية التي تتعرض لها الوكالة. وحيث أن حق العودة يشكل، في نظر اللاجئين ومجتمعهم، جوهر الحل الديمقراطي، الإنساني، السياسي، الأخلاقي، والدائم لقضية اللاجئين الفلسطينيين، فإن هنالك تخوفات جدية من أن تلعب “أونروا” دور الطرف ذي “المصداقية الدولية” الذي يعمد إلى تمييع ملف اللاجئين، عبر تعويم سجلات مئات آلاف الأشخاص الذين لا تنطبق عليهم معايير اللجوء، أو صفة اللاجئ، تمهيدا لطي هذا الملف، خصوصا مع بروز مزيد من المؤشرات على ميل عربي رسمي إلى تجاوز الملف نفسه، انسجاماً مع التوجهات الغربية عموماً، والأميركية خصوصاً.

وتعد سياسة “أونروا” التي انتهجتها أكثر من جندرية ساذجة، إنها سياسة تسقط “أونروا” في الشبهة لدى مجتمع اللاجئين الذي يدعم “أونروا” بشروط، أهمها ألا تكون طرفاً في سياسة تنتقص من حقوقه التي تضمنها مطلع قرار تأسيسها. ومن المفارقات المفجعة أن هذه التعديلات قد تسمح لبعض الرؤساء والملوك وزعماء المال والسياسة في العالم وأبنائهم أن يسجلوا للاستفادة من خدمات “أونروا” إذا ما تزوجوا لاجئات فلسطينيات، ويصبح هؤلاء مسجلين في سجلات الغوث مع اللاجئين الفلسطينيين الذين أضحت قضيتهم في وضع خطر فعليا، فيما يتعلق بحق عودة اللاجئين، لأن “أونروا” تقع تحت الرعاية الأميركية التي تتوافق مع الرؤية الإسرائيلية أن حل قضية اللاجئين يكمن في توطينهم وتعويضهم، فأي دور للوكالة الأممية في تقديم تبريرات لزيادة أعداد المسجلين على أسسٍ ملتبسة، تحت حجة المساواة الجندرية، وهي التي تعتمد، في تمويلها الأساسي، على الخزانة الأميركية.


اترك تعليقك




الوان عربية تأسست في 2009