مـاسـح الأحـذيـة الـذي أنـقـذ الـمـلايـيـن مـن الـفـقـر الـمـدقـع/ الـدكـتـور عـبـد القـادر حـسـين يـاسـيـن

الـدكـتـور عـبـد القـادر حـسـين يـاسـيـن

لا أعرف مـا إذا كـان لـدى “الـيـونـيـسـكـو”
أو”البـرنامح الإنـمـائي للأمـم المـتـحـدة” معايير لتقـييم الحكام،
على غـرار تقـييم المدن والدول:

طوكيو، المدينة الأكثر غلاء،
كندا ، البلد الأكثر هـناء،
الـقـاهـرة ، الأكـثـر ضـجـيـجـاُ،
سـوريـا الأكثر وحشية وهمجية!

لديّ مقياس واحد:
مدى ما يحقـقه الحاكم من أجل شعـبه،
ومدى حرصه على التفويض والأمانة التي أعطيت له؛
لم يسرقها، لم ينهبها،
ولم ينكل برقاب الناس وكرامتهم البشرية.

قبل أسبوعـين بـعـث إليَّ  قارئ كريم برسـالة،
يـعـتـرض فـيـهـا على مـقـال كـتبته عـن نيكوس كازنتزاكيس.
” من هـو كازونـشـاكوس هـذا[كــذا….!!]؟
ما لـنا ولـلـيونان؟
ماذا يأخذك إلى اليونان؟
هل من قـلة المواضيع والقـضايا في عالمنا العـربي…؟!”

عـفـواً، أخي الـكـريم ،
لكن قضايا الناس واحدة غالبا..
عـذابات الأمم واحدة ومتشابهة مهما تفاوتت،
كذلك منجزاتها.

في كانـون الـثاني المـاضي بـعـثت صـحـيـفـة  The Independent البـريطانـيـة،
بـثـلاثـة مـن ألـمع مراسـلـيـها لإعـداد سـلـسـلـة مـقـالات عـن جـنـوب الـسـودان :
[تـُـرى ، كـم صـحـيـفـة عـربيـة أو مـحـطـة فـضـائـيـة قـامـت بـالـمـثـل..؟!]
في الـمـقـالات التي أتـيـحـت لي فـرصـة الإطلاع عـليـهـا،
يـروي مـارتـن إنـالـز حكاية شاب في الحادية والعشرين يدعى بول لوريم،
نال منحة للدراسة في جامعة Yale “يـيـل”الأمـريكـيـة .

أين بدأ؟
كان طفلا في الجنوب عـندما أصيب بالسـّـل،
فحمله والداه إلى معسكر لاجئين في كـينيا حيث يمكن معالجته،
وعادا إلى القـرية، حيث توفـيا وبقي هو حياً،
يرعاه لاجئون أكبر منه بقليل.

أرغـمه رعاته على الذهاب إلى المدرسة ،
لأنها طريقه الوحيد خارج اليـتـم والـفـقـر الـمـدقـع.
كان صفـّه مؤلفاً من 300 تلميذ يجـلسون تحت شجرة.

وبما أنه لم يكن يملك قلماً ودفتراً،
راح يكتب أمامه على الرمل،
فاحتل المرتبة الثانية بين أقـرانه في جميع شمال كينيا.
فـفـاز بمنحة دراسـيـة إلى نيروبي،
ثم فاز بمنحة أخرى إلى أكاديمية القـياديين في جنوب إفـريقـيا.
ومن هناك إلى “ييل” ، إحدى أهم الجامعات الأمـريكية.

لم يعـد يخطر للكثيرين أنه يمكن لعـشرات الملايين ،
أن تعـيش دون كهرباء وماء ودواء وطرق.
أو أن يخطر لأحد أن الأب والأم ،
ينقلان ولدهما البكر إلى معسكر لاجئين ،
لأن فيه فـرصته الوحيدة للـعـلاج،
ثم يعـودان ليموتا من الـفـقـر،
في “قرية تبعـد أياماً عـدة عن أقـرب طريق”.

وقبل أيـام ، قـرأتُ مـقـالا في صحيفةSüddeutsche Zeitung   الألـمـانيـة،
عن الرئيس البرازيلي الأسبـقLuiz Inácio “Lula” da Silva  “لـولا”،

هذا رجل بـدأ حـيـاتـه مـاسـحـاً للأحـذيـة ،
ثـم عـمـل ميكانيكياً في ورشة لـتـصـليح السيارات،
كـان يعمل في التنك وأصبح رئيسا من ذهـب..

هـذا رئيس انتقـل في عهده ثـلاثـون (30) مليون برازيلي ،
من حالة الـفـقـر الـمـدقـع إلى فـئة الطبقة المتوسطة.
ثـلاثـون مليون رجل وطفل وامرأة، تركوا خلفهم البيوت،
التي لا سقوف لها ، ولا كهرباء فيها ،
ولا مياه شفة ، ولا منتفعات صحية،
إلى بيوت فيها كل شيء.
وأطفال هذه البيوت خرجوا من الشوارع إلى المدارس.

أعطى هذا الرجل صورة أخرى لليسار في أمـريكا اللاتينية،
فـبينما كـان الـعـسـكـر يلقـون الـخـطـب ويدمرون الاقـتصاد،
بلغـت البرازيل مع “لولا”، الصبي ماسح الأحذية،
ازدهاراً لم تعرفه من قبل..

أعطى الفقراء وعـداً قطع به عهدا..
لم يكـذب عليهم ولم يركب على أكتافهم..
لم ينس يوماً أنه فـقـد أصبعه في مصنع للنحاس،
هذا الرجل الذي سوف يصبح رئيساً من ذهـب وماس..
هذا الطفل الذي جاء من قـريته مع أمه ،
إلى ريو دو جانيرو في شاحنة مكشوفة.
كم استغـرقـت الرحلة؟
13 يوماً في شاحنة مكشوفة في حرّ الشمس.

كان يحكم البرازيل جـنرال بعـد آخر،
مثلها مثل أي “جمهورية موز”.
وقـرَّر “لولا” أن يناضل ضد الديكتاتورية العسكرية السائدة في القارة.
وبينما يقـبض الجنرالات على السلطة ، ويعـدلون القانون للبقاء إلى الأبد،
مشى “لولا” في اليوم الأخير لولايته.

هذا المـُصلح الاقـتصادي لم يأت من هارفارد،
فـهو لم يتعـلم القراءة إلا في العاشرة من عـمره ،
ولم يـَبقَ في المدرسة بعـد الصف الرابع ابتدائي،
ولكن معه تحوَّلـت شبه القارة البرازيلية ،
إلى دولة ربمـا لم تدخل “كتاب غـينيس للأرقـام الـقـيـاسية”،
وإنما دولـة وَدَّع فـيـهـا 30 مليون إنسان الـفـقـر والصفـيح في 8 سنوات.

وبـعـد ؛

لـقـد آن الأوان لكي نتوقف عن استجداء احترامنا…
وكرامتنا… وحقوقـنا … وشرعـتنا الإنسانية .
علينا أن نفرض احترام تلك الشرعة بوعي ويقـظة ،
وليرفع كل إنسان منا صوته عاليا ،
بأنه إنسان بكل ما يحمله ذلك من معان ،
في مواجهة الجميع ،حكاما ومحكومين.

سجل اعجابك

DeliciousDiggGoogleStumbleuponRedditTechnoratiYahooBloggerMyspaceRSS

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *