كيف ضاعت اللد والرملة – من كتاب ( كيف ضاعت مدن فلسطين)/  بقلم د. محمد رياض

بقلم د. محمد رياض

تحمل حكاية ضياع مدينتي الرملة واللد تفاصيل مثيرة جداً ربما لا يعرفهما كثير من الناس وساتحفظ على الاسهاب في التفصيل من جانبي حتى يتم الانتهاء من طباعة كتاب لي عن الموضوع.

علينا ان نعرف ونحدد الطريقة او الظروف الموضوعية التي أدت لضياع المدن والأراضي الفلسطينية التي فقدها الفلسطينيون أثناء مرحلة النكبة بين العامين 1947-1949م لتحديد الأطراف المتورطة ولما لذلك من اهمية قانونية قصوى في المستقبل حتى وإن كان هناك مرحلة تحرير.
كله عند العرب صابون، لكن في السياسية والقانون لا يوجد صابون، لذلك تبرز أهمية معرفة االظروف المحددة التي أدت لضياع الأرض الفلسطينية:
1. حالة رقم (1) يافا ديسمبر/كانون أول 1947م وبقية المناطق المحتلة الأخرى قبل إنتهاء الإنتداب البريطاني بتاريخ 14 مايو/أيار 1948م
الأطراف المسؤولة:
• حكومة الإنتداب البريطاني والهيئة العربية العليا بقيادة المفتي أمين الحسيني حيث جاء مثلاً أمر ترحيل السكان في البداية بأمر مباشر من المفتي، ثم تراجع المفتي بعد هجرة ثلثي سكان المدينة واصدر امراً بإعدام كل من يغادر…(قصة ضياع يافا شيقة ايضاً وقد تناولتها بالتفصيل في الكتاب) .

2. حالة رقم (2)عكا 19 أيار الرملة واللد 11 و 12 تموز ثم الناصرة 16 تموز 1948م بعد إنتهاء الإنتداب ودخول جيوش جامعة الدول العربية للمنطقة المخصصة لإقامة دولة عربية في فلسطين حسب القرار الأممي 181.
الأطراف المسؤولة:
• جيوش الدول العربية المسؤولة عن حماية هذه المناطق وجيش الإنقاذ العربي بقيادة فوزي قاوقجي.

3. حالة رقم (3) ضياع وادي عارا في إبريل 1949م والذي عرف فيما بعد ب(المثلث) بما يحويه من 12 قرية فلسطينية بموجب إتفاق إردني-إسرائيلي (ولهذا قضية وظروف مختلفة أخرى أيضاً تناولتها في الكتاب)

نعود لموضوع المقال وهو حكاية ضياع مدينتي الرملة (16250) نسمة واللد (1866) نسمة.

مقدمة تنويهية:

1. احتلال هاتين المدينتين الفلسطينيتين جاء بعد اعلان قيام الدولة العبرية بنحو شهرين 11-12 تموز 1948م بينما أعلنت اسرائيل عن قيامها رسميا في 14 مايو/أيار 1948م.

2. كانت المدينتان تقعان ضمن حدود المنطقة المخصصة للعرب وخارج حدود الدولة المخصصة لليهود حسب قرار التقسيم الأممي 181

3. لم يكن احتلال المدينتين جزءا من الخطة الأصلية لمليشيات الهاجاناه للسيطرة على أراض كافية لإقامة الدولة العبرية أو ما عرف ب)الخطة D).
4. توصل الملك عبد الله من خلال رئيس وزراءه حينها توفيق أبو الهدى في لقاء مع وزير خارجية الحكومة البريطانية أرنست بيفن إلى تفاهم يقضي بضم الجزء المخصص للعرب من فلسطين وفق قرار 181 ومن ضمنه الرملة واللد إلى سيطرة الملك ولاحقاً إلى مملكته، إلا أن بيفن إشترط ان يتم ذلك بعد تنظيم إستفتاء شعبي حول الموضوع.

5. دخلت قوات الجيش الأردني بقيادة الجنرال الانجليزي جون باغوت غلوب(غلوب باشا) إلى المدينتين وسيطرت عليهما وعلى القرى المحيطة بهما بتاريخ 15 مايو/أيار 1948م

من ناحية أخرى:
إجتمعت القيادة المشتركة للجيوش العربية في القاهرة بتاريخ 10 إبريل 1948م وإتفقت على ضرورة (عدم تخطي الجيوش العربية لحدود المنطقة المخصصة للعرب حسب قرار 181 (التقسيم) بمعنى إتفقوا على عدم المساس بالمنطقة المخصصة لإقامة الدولة العبرية حسب القرار المذكور.
قام الجانب الأردني بنقل محتوى الإتفاق بالتنسيق مع بقية الأطراف إلى الحكومة البريطانية التي نقلت بدورها تطمينات الدول العربية للقيادة الصهيونية حسب وثائق وزارة الخارجية البرطانية المفرج عنها.
يقول بن غوريون في مذكراته: “وصلتنا تطمينات من الدول العربية تفيد بان الجيوش العربية التي ستدخل بعد إنتهاء الإنتداب ستكون رمزية ولن تدخل إلى المنطقة المخصصة لإقامة دولة يهودية”.
بعد ذلك التاريخ بوقت قصير قام قسم الأخبار العربية في إذاعة راديو الهاجاناه بالإعلان عن فحوى الرسالة العربية وتحذير الفلسطينين من أن الملك عبد الله إتفق مع البريطانيين على ضم الجزء العربي من فلسطين إلى مملكته.
يقول جمال الحسيني نائب رئيس الهيئة العربية العليا في رسالة موجهة إلى فارس خوري رشيس البعثة السورية في الأمم المتحدة( بينما ترك الفلسطينيون يواجهون مصيرهم من غير تلقي دعم مناسب، كان بعض القادة العرب يخططون في الظلام للإستفادة من الوضع القائم والخروج بنتيجة تلبي طموحاتهم الشخصية!)
يقول عبد الرحمن عزام رئيس الجامعة العربية في حينه في مذكراته (كان هناك إتفاق سري توصلت إليه بريطانيا مع حكومة شرق الأرض يقضي بضم المنطقة العربية في فلسطين حسب قرار 181 بإستثناء الجليل الأعلى وعكا، حيث كانت وجهة النظر البريطانية تميل إلى ضمه لسوريا وضم النقب ومناطق غزة إلى مصر وقيام الدولة العبرية في الجزء المخصص لليهود)
قام الملك فاروق ملك مصر في لقاء خاص مع رئيس وزراءه النقراشي باشا بالإعراب عن قلقه وعدم إرتياحه من نوايا الملك عبد الله بضم الجزء المخصص للعرب من فلسطين إلى مملكته ويبدوا أن الإتفاق قد تم بينهما على تعزيز نفوذ الهيئة العربية العليا بقيادة المفتي.
كتب السياسي الفلسطيني موسى العلمي في يوليو/تموز 1949م التالي(كان هدف العرب المعلن هو إنقاذ فلسطين، بينما كان عملهم على الأرض مركزاً حول ترتيب حدود ما بعد الحرب وتقاسم السيطرة على الأراضي الفلسطينية المتبقية!)

كانت الرملة واللد من مراكز نفوذ المفتي في فلسطين، وقد تضاعف عدد سكانهما ثلاث مرات في الأشهر الأول من العام 1948 بفعل النزوحات الشعبية الجماعية من المدن والقرى العربية الأخرى التي تم إحتلالها.

خشي الملك عبد الله من أن إبقاء المدينتين ضمن حدود دولته الموسعة الجديدة إلى جانب القدس الشرقية المركز الرئيسي للمفتي بما تحويه هذه المدن من ثقل جماهيري مؤيد للمفتي وموقع جغرافي متميز ومتصل سيعزز من نفوذ الهيئة العربية العليا بقيادة المفتي المدعوم مصرياً والذي يطالب بدولة فلسطينية مستقلة في الجزء العربي بقيادته وسيشكل تهديداً لأمن المملكة في المستقبل.

يبدوا كذلك أن الملك عبد الله قد رأى أن كفة الحرب تميل لصالح الجيش الإسرائيلي (صار يسمى جيش الدفاع الإسرائيلي بعد 15 مايو/ أيار وإعلان قيام دولة إسرائيل) وأن القيادة الإسرائيلية مندفعة الآن بإتجاه التوسع داخل الجزء العربي لإستخدام ذلك كورقة ضغط لتوطين اللاجئين الفلسطينين في هذه المناطق مستقبلاً، لذلك رأى الملك أن يسحب قواته من الرملة واللد لما يتطلبه الدفاع عنهما من إستنفاذ لوحدات كبيرة من جيشه لتعزيز سيطرته على المناطق الجبلية المحصنة في ما عرف بعد ذلك بمناطق الضفة الغربية.

كذلك يبدوا ان الملك عبد الله قدّر أن الجبهة المصرية في الجنوب ستنهار إذا تم إزالة عقبة الرملة واللد في الوسط والتي تحول بين إتصال القوات الصهيونية في الجليل والساحل الشمالي مع المنطقة الجنوبية، وبالتالي فأن النفوذ المصري ونفوذ الحاج الحسيني والهيئة العليا المعارض والمزعج سينحصر في فلسطين إلى الأبد.

سأل أحد الصحافيين لاحقا غلوب باشا عن صحة التهمة الموجهة إليه عن تسليمه اللد والرملة إلى الهاغاناه في سنة 1948 من دون قتال فقال: «أعطينا اللد والرملة والمثلث مقابل إيقاف الحرب، ولو لم نفعل ذلك لخسرنا فلسطين وكل شيء،…

كذلك يقول الجنرال جون باغوت غلوب (غلوب باشا) في مذكراته (اتخذت الحكومة الأردنية قراراً بعدم الدفاع عن الرملة واللد، فقد كان خط مواجهتنا مع العدو يمتد 700 كلم وليس لدينا سوى أربعة آلاف جندي، ومدينتا اللد والرملة تقعان في منطقة سهلية، وأقرب التلال إليهما تبعد خمسة أميال عن المدينتين، وقد كانتا تخضعان لحماية جنود غير نظاميين، وكنا نحن نتمركز في اللطرون، والجيش العراقي يتمركز في مجدل يابا، واللد والرملة تقعان في المنطقة التي تفصل بين الجيشين.)

يقول موشيه شرتوك في مذكراته تفاجئنا باجتماع طارىء يدعوا اليه بن غوريون حيث يبدوا أنه حدث شيء ما جعله يقرر توجيه القوات لاحتلال اللد والرملة، وهنا أعربت عن اعتراضي لان المدينتان مكتظتان بسكانهما وبالنازحين من المدن الفلسطينية الأخرى وتتواجد فيهما قوات الجيش الأردني اما معظم قواتنا فكانت موزعة في الجليل ومنهكة، وهنا أصر بن غوريون ان الأمر لن يكون بهذه الصعوبة!!

وعندما سألته عن مصير السكان قال (اطردوهم باتجاه الشرق)

يقول شرتوك معقبا: وكانت هذه اول مرة يصدر فيها امر حكومي رسمي مكتوب بطرد سكان مدينتين عربيتين بإشراف حكومي منظم.

قبل الهجوم على المدينتين قرر غلوب باشا سحب قواته نحو اللطرون وبيت نبالا بصورة مفاجئة.

بعد إحتلال المدينتين، خاض الجيش الأردني معركة حامية في اللطرون أوقف خلالها تقدم قوات الجيش الأسرائيلي نحو مناطق جديدة وكانت هذه رسالة قوية من الملك عبدالله إلى القيادة الإسرائيلية ملخصها (إلى هنا وكفى)

تم دخول قوات الجيش الإسرائيلي الذي تكون بغالبيته بعد إعلان الدولة من مليشيات الهاجاناه، إلى الرملة واللد بعد إنسحاب القوات النظامية الأردنية بشكل مفاجيء.

أصيب سكان المدينتين بالدهشة لأنهم توقعوا انهم في مأمن خاصة بسبب وجود مدينتيهم ضمن المنطقة المخصصة للعرب حسب القرار الأممي 181 ولأن قوات الجيش الأردني النظامية تتمركز داخل وحول المدينتين لذلك توقعوا أن يكون مصيرهم مختلفاً عن مصير سكان المدن الأخرى التي تقع ضمن المنطقة المخصصة لليهود والتي تم إحتلالها جميعاً قبل وصول قوات الجامعة العربية.

هذه القناعة المبنية على أسس منطقية جعلت سكان المدينتين يقررون البقاء في منازلهم وعدم المغادرة بعد دخول قوات الجيش الإسرائيلي، إنتظاراً لما ستسفر عنه الأيام القادمة من تطورات.
كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق يتسحاق رابين أحد أبرز مسؤولي عملية إحتلال اللد والرملة في الجيش الإسرائيلي التي سميت ب(عملية داني). يذكر رابين في مذكراته التالي (كان مصير السكان المحلين في الرملة واللد احد أكبر المشاكل التي واجهتنا..ماذا سنفعل بهم؟ لم يكن عندي حل! حتى بن غوريون نفسه لم يبدوا أنه يملك إجابة على هذا السؤال!)

يتابع رابين أنه قرر التوجه لمكتب بن غوريون الذي أصبح رئيساً للوزراء بعد قيام الدولة لحسم المسألة، يقول رابين (علمت كقائد عسكري أنه لا يمكننا السماح ببقاء كل هذه الأعداد من الفلسطينين في الطريق الفاصل بين جبهتنا في الجليل “لم تكن الناصرة وعكا قد تم إحتلالهما بعد” والقدس، لذلك ذهبت مسرعاً إلى مكتب رابين واخذته خارج المكتب وقلت له، عليك أن تقول لي، ماذا نفعل بالسكان؟ نظر لي بن غوريون وقال “أطردهم جميعا!)
يقول القاضي الإسرائيلي أفرام كارش في كتابه خيانة فلسطين (قامت قوات الجيش الإسرائيلي بقراءة البيان التالي عبر مكبرات الصوت (نحن فقط هنا لأننا مضطرون للدفاع عن أنفسنا ولوقف الهجمات، لا ننوي إيذاء أحد، من يريد الحياة والبقاء فله ذلك ومن يريد المقاومة والموت فله ذلك أيضاً، نريد مقابلة وفد من النبلاء غداً صباحاً، على وفد الرملة ان يتوجه مشياً على الأقدام إلى البرية وعلى وفد اللد أن يتوجه مشياً إلى جزّو للإتفاق على شروط التسليم وعليهم أن يحملوا الرايات البيضاء لكي لا يتعرضوا للخطر)
ويتابع أفرام: بعد ذلك قامت وحدة من المقاتلين المحلين في اللد بالهجوم على مدرعات الجيش بالأسلحة النارية وحدثت مواجهة حامية وغير متكافئة بين الطرفين تم على إثرها محاصرة المجموعة الفلسطينية المقاومة داخل إحدى المزارع وإبادتها.
في صبيحة اليوم التالي توجه وفد أهل اللد بقيادة رئيس البلدية محمد علي للتفاوض مع ضباط الجيش الإسرائيلي الذين إشترطوا تسليم جميع الأسلحة في المدينة خلال 24 ساعة، خرج رئيس البلدية متوجهاً لآخر مركز لتجمع نحو 120 مقاتلاً محلياً مسلحاً في المدينة، ومع إقتراب رئيس البلدية لبوابة الموقع قام أحد المسلحين بإطلاق النار عليه فأرداه قتيلاً.
بعد مرور مهلة ال 24 ساعة قامت قوات الجيش بمسح المدينة بحثاً عن أسلحة وإطلاق النار على كل من يشتبه بأنه يحمل سلاحاً أو يشكل تهديداً مما أسفر عن مقتل 250-350 شخصاً خلال ساعات النهار.
يقول الصحفي كينيث بيلبي مراسل جريدة الهيرالد تريبيون، والذي دخل اللد يوم 12 تموز/يوليه، (أن جثث العرب كانت في كل مكان، رجالاً ونساء وكذلك جثث الأطفال كانت متناثرة في الشوارع في أعقاب هذا الهجوم، وقد لقي 250 عربياً مصرعهم نتيجة ذلك وفقاً لتقرير قائد اللواء، وعدد الشهداء الفعلي يفوق ذلك).
ويذكر بعض المؤرخين ان نحو 150 معتقلاً قد تم تصفيتهم سراً في مسجد المدينة ثم حمل جثثهم وحرقها في ساحة المقبرة العامة.
في نفس اليوم أصدر الجنرال المسؤول عن العملية التي عرفت ب(عملية داني) أمراً للسكان بضرورة التوجه لبيت نبالا المجاورة خلال 11 ساعة وأن من يبقى سوف يتعرض للقتل.
أما في الرملة
فقد توجه وفد المفاوضين برئاسة رئيس البلدية مصطفى عبد الرزاق الخيري إلى قرية البرية مشياً على الأقدام حيث تم نقلهم بعد ذلك إلى مستعمرة النعاني، وبعد مفاوضات شاقة أصر الوفد العسكري الإسرائيلي على مغادرة السكان للمدينة لكنه تلقى تعهدات بعدم إيذاء السكان.
بعد عودة الوفد، أمرت مدرعات الجيش عبر مكبرات الصوت الرجال على التوجه إلى ساحة مركز الشرطة في المدينة والإنفصال عن النساء.
بعد يوم من إحتجاز الرجال وتحديداً يوم 13 تموز/يوليه تم إنذارهم بالعودة لعائلاتهم وبمغادرة المدينة خلال ساعات
يقول أوري ياروم الذي كان ضابط كبير بسلاح الجو الإسرائيلي و مؤلف كتاب “جناح الترانيم” ،
(كلما دنونا من الطريق إلى خارج اللد تراءت لنا عائلات كثيرة تفر مشيا على الأقدام وبالمراكب والعربات والدراجات الهوائية، ونساء وجوههن بارزة الحمرة وتقطر عرقا تحمل أطفالا يصرخون فيسارعن بالهرب خوفا”.
ويصف الكاتب مشاهد طوابير الأهالي الفارين، وقد اختلطت بقطائع أغنام، وسط زوابع من الغبار وقبالته تجثم سيارة جيب على إحدى التلال وهي تحمل مدفعا رشاشا كان يطلق زخات من الرصاص فوق رؤوس “الهاربين” مرة كل بضع دقائق وعندها كانوا يحثون الخطى بما تبقى لهم من طاقة).

قسم القانون الدولي-كلية جيمس روجر للقانون-جامعة ولاية أريزونا الأمريكية

سجل اعجابك

DeliciousDiggGoogleStumbleuponRedditTechnoratiYahooBloggerMyspaceRSS

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *